اقتباس
فالحياة كلها معاناة ومقاساة ومكابدة... صحراء قحلاء جرداء صفراء تحكي الجفاف والقحط والشقاء... لكن عهدنا بالرحيم الرحمن -عز وجل- أنه يجعل في كل صحراء واحة من أشجار وزرع وماء وظل ظليل، فما هي واحة صحراء حياتنا؟! والجواب: إن واحة هذه الدنيا القاحلة هي: شهر رمضان الكريم...
كد ونصب وتعب هي الحياة، من يوم أن يُلقى الجنين نطفة في رحم أمه وهو يُعدُّ ويُجهَّز ويُحضَّر للبلاء، (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)[الإنسان: 2]، "معناه: إنا خلقنا الإنسان من هذه الأمشاج للابتلاء والامتحان"(تفسير الخازن)، وما أُعطي الإنسانُ السمعَ والبصرَ إلا ليُبتلى؛ ففي تفسير الخازن أيضًا: "(نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا): فيه تقديم وتأخير تقديره: فجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه".
فما خُلق الإنسان إلا لمكابدة مصائب الدنيا وأهوال الآخرة، قال -تعالى-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)[البلد: 4]، "قال ابن عباس: "في نصب"، وقيل: "يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة"، وعنه أيضا قال: "في شدة من حمله وولادته ورضاعه وفطامه وفصاله ومعاشه وحياته وموته"، وأصل الكبد: الشدة، وقيل: "لم يخلق الله خلقًا يكابد، ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق""(تفسير الخازن).
فالحياة كلها معاناة ومقاساة ومكابدة... صحراء قحلاء جرداء صفراء تحكي الجفاف والقحط والشقاء... لكن عهدنا بالرحيم الرحمن -عز وجل- أنه يجعل في كل صحراء واحة من أشجار وزرع وماء وظل ظليل، فما هي واحة صحراء حياتنا؟!
والجواب: إن واحة هذه الدنيا القاحلة ذات الأيام السبعة في الأسبوع، وذات الإثني عشر شهرًا في العام هي: شهر رمضان الكريم، كلما مرت عليك سنة من المشي في صحراء دنياك واشتد عليك هجيرها قابلتك واحة خضراء ناضرة هي: "واحة رمضان"... يأتيها المسافر على جوع وظمأ، ويدخلها المؤمن بعد اشتياق ووصب، ويبلغها المذنب في إنابة وذل.
ولك أن تتساءل فتقول: إن من خصائص واحة الصحراء أنها تحوي الزرع والماء، فبما تتميز واحة الحياة؛ التي هي رمضان؟!
يجيبك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيقول: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين"(متفق عليه)؛ فخصائص هذه الواحة: أنك تجد أبواب الجنة مغلقة طوال العام فإذا جئت "واحة رمضان" فُتحت لك، وتكون أبواب جهنم مفتوحة إحد عشر شهرًا إلا في "واحة رمضان" فهي موصدة، وتكون الشياطين مطلقة السراح ترهق المؤمن وسوسةً وتحريضًا على القبائح فيجاهدها ويكابدها ويدفعها فتعود ولا تمل! فإذا أظلته "واحة رمضان" ارتاح من ذاك العنت... أليست هذه واحة؟!
وشجرة أخرى في تلك الواحة هي شجرة المغفرة، ولها ثلاثة أغصان: غصن الصيام، وغصن قيام رمضان كله، وغصن قيام ليلة واحدة، واستمع إلى حديث أبي هريرة بروايتيه لتتعرف على الأغصان الثلاثة، يحدث أبو هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه"(متفق عليه)، وفي رواية: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه"(متفق عليه)، فكل أيامه ولياليه تثمر مغفرة.
ومن أشجار تلك الواحة الرمضانية: شجرة الأعمال الصالحات مضاعفة الأجر؛ كالعمرة، التي يقول فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي"(متفق عليه).
لذلك كله كان شهر رمضان خير شهر مر على الأمة الإسلامية؛ فعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان"(رواه أحمد، وصححه أحمد شاكر).
***
ولأن مقامنا لا يتسع للمرور على كافة أشجار وزهور وثمار "واحة رمضان"، فإننا نكتفي بذلك التشويق لما تحتويه الواحة؛ لننتقل إلى التساؤل العملي الذي فحواه: كيف نُجهِّز أنفسنا لدخول هذه الواحة الرمضانية، كي نكون على أتم الاستعداد لاغتنامها واستثمارها والاستفادة بكل ما فيها؟ أو بصيغة أخرى: كيف نستقبل شهر رمضان الذي عودنا أنه عَجِلٌ سريع؛ فما أن يأتي حتى يرتحل، ككل زمن جميل!
ونجيب: إن أول ما نعِدُّه على أبواب تلك الواحة: أن ننفض ملابسنا من الأدران والأوساخ والغبار الذي علِق بها من طول المشي في صحراء الدنيا، أفهمت؟ أول ما نجهزه لاستقبال رمضان هي توبة نصوحًا يغسلنا الله -تعالى- بها من أدران الذنوب والمعاصي.
ولماذا التوبة؟! نقول: لأن الذنوب تنسج على القلب رانًا وغلافًا وطبعًا قد يعميه فلا يبصر أزهار الواحة ولا أنوار رمضان وفيوضاته... ولأن الله -عز وجل- قبل أمر بالتوبة المؤمنين، وليس المذنبين فقط، قال -عز من قائل-: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النور: 31]... ولأن التوبة تُسقط الذنوب وتمحوها وقد تبدلها حسنات وتوجب لصاحبها الجنة: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)[التحريم: 8]...
وثاني ما نستقبل به الضيف الكريم: نية صادقة وعزم أكيد على حسن اغتنام رمضان بصيام وقيام وتلاوة قرآن وإطعام طعام وصلة أرحام وكفالة أيتام وأعمال بر طيبات، فإن حيينا كانت لنا نيتنا وعزيمتنا خير عون على الطاعة، وإن متنا أو مرضنا أو حال بيننا وبين اغتنامه حائل أخذنا الأجر بنياتنا: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)[النساء: 100].
وثالث ما نُقبِل به على تلك الواحة الرمضانية: التفرغ للعبادة قدر الاستطاعة والتخفف من شواغل الدنيا وقواطعها، فعن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله -تعالى- يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسد فقرك"(رواه الترمذي، وصححه الألباني)، فإن ساعات هذا الشهر ودقائقه أغلى من أن تُهدَر، وأثمن من أن تُضيَع.
***
وبعد: فلا نملك الآن إلا أن نسأل الله -تعالى- أن يبلغنا رمضان في تقى وإيمان وصحة وعافية وفراغ في عبادته وإقبال عليه -سبحانه-، وندعوه قائلين: "اللهم أهلله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله"(رواه الترمذي، وصححه الألباني)، ونفسح الآن المجال لخطبائنا الأفاضل الذين تقطر كلماتهم فرحًا وابتهاجًا واستبشارًا بقدوم ذلك الضيف الذي كاد هلاله أن يهل علينا ويظلنا بنفحاته:
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم