المستظلون بظل العرش (1) إمام عادل

منصور محمد الصقعوب

2013-02-07 - 1434/03/26
عناصر الخطبة
1/ أهوال القيامة وشدة الحر والعرق فيها 2/ السبعة المستظلون بظل العرش يوم القيامة 3/ سبب كون الإمام العادل من هؤلاء السبعة 4/ مواقف للسلف تبين اعتناءهم ببسط العدل 5/ توسيع مفهوم الإمام العادل 6/ بعض الفئات التي ينبغي أن يعدل بينها أولياؤها.
اهداف الخطبة
1/بيان الحاجة للظل يوم موقف القيامة العصيب 2/ التعرف على صفات المستظلين بظل العرش يوم القيامة للانتظام في سلكهم

اقتباس

وفي غمرة الشدائد، وفي شدة الحر, وفي نفس الوقت, أناس لا يحسون بِحرٍّ ولا عرق, بل هم آمنون, وفي ظل العرش مستظلون, فنسأل... لقد خلّد الناس مآثر أهل العدل، ومنهم عمر بن عبد العزيز الذي كتبت إليه امرأة سوداء مسكينة في مصر أن لها حائطاً متهدماً يتسوره اللصوص ويسرقون دجاجها وليس معها مال تنفقه في هذا السبيل, فكتب عمر إلى أميره على مصر أن يخرج بنفسه ويصون حائطها، مع أنه في وقته يحكم أمة الإسلام المترامية الأطراف ولم...

 

 

 

 

إن الحمد لله نحمده سبحانه، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون، واستعدوا ليوم تقابلون فيه ربكم وتظهر لكم أعمالكم، وقدموا من العمل ما يبيض وجوهكم.

عباد الله: الحر شديد، والموقف عصيب، والأحوال غريبة، والشدائد رهيبة؛ الحال وصفه ذو الجلال في القرآن العظيم بأنه يوم عظيم، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج:1].

أجل! إنه يوم القيامة، ولك أن تتصور ذلك وأنت فيه من الشهود, ترى النجومَ تتساقط, والجبالَ كالعهن المنفوش تتطاير، والبحارَ من حولك تسجَّر, والقبورَ تبعثر، تلتفتُ فلا ترى هناك إلا حاسر الرأس, حافي القدم، عاري الثياب. رجال ونساء وأطفال وشيوخ, إنس وجن, بل وكل المخلوقات إلى ربها تحشر، إنه موقف رهيب يتقاصرُ كلُ وصفٍ عن وصف شدائده.

لكن الله في القرآن جلّى لعباده وصفه، حتى كأنه يُرَى رأْيَ عين: "مَن سره أن يرى القيامة رأي عين فليقرأ سورة إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت"، قاله عليه السلام.

إن ذلك اليوم لو قدر أن فيه ذات حملِ لوضعت, أو مرضعاً فعن رضيعها ذهلت, ترى الجميع كأنهم سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

يالله! موقف يفرُّ المرء فيه من أمه وأبيه, وزوجه وأخيه وأبنائه, موقف تشيب لهوله الولدان, يساق الناس فيه إلى محشرهم ولا أحد يدري ما سيؤول إليه أمره, والكل خائف وجل, ويكفي أن أفاضل الناس وهم الأنبياء لا يقولون حينها إلا: اللهم سلِّم سلِّم!.

ويزيد من صعوبة الموقف وشدة الحال أن الشمس بحرارتها ولهبها -وهي الآن من الناس على مسافات بعيدة- تدنو حتى يبلغ دنوها مقدار ميل, ولا تسأل هناك عن الحر والحال! هل رأيت يوماً وعاءً من عرق ابن آدم؟ لا. سترى هناك العرق يغطي بعض البدن, سترى هناك أقواما يصل العرق إلى كعبي الواحد منهم، وإلى سرته، وإلى أذنه؛ وسترى هناك ناساً العرقُ قد ألجمهم وكاد يغرقُهم.

إنه يومٌ طوله خمسون ألف سنة! فكم من نفس ستصارع العرق كل تلك المدة وهي تأنف منه في الدنيا فما عملت للنجاة!.

وفي غمرة الشدائد، وفي شدة الحر, وفي نفس الوقت, أناس لا يحسون بِحرٍّ ولا عرق, بل هم آمنون, وفي ظل العرش مستظلون, فنسأل الله أن يجعلنا منهم.

ومن هؤلاء سبعة ساق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكرهم حيث قال: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه".

وقال النبيُّ المُصْطَفَى إنَّ سبعةً *** يُظلِّهمُ اللهُ الكريم بظِلِّهِ
محِبٌ، عفيفٌ، ناشئٌ، متصدقٌ ***وباكٍ، مُصَلٍّ، والإمامُ بعدله

فيستظل هؤلاء بظل العرش حينها, العرش الذي خلقه الله بيده, الذي هو أول المخلوقات وأعظمها, الذي قال -عليه السلام- في وصف حملته: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين منكبه إلى شحمة أذنه مسافة سبعمائة سنة" صححه ابن حجر والألباني.

وورد في الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في ترس، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض"، فلن يضيق العرش بمستظل وهذا وصفه.

أيها الموفق: يا من أردت النجاة, يا من يتعبُك الحر ويؤذيك العرق, ها هي صفات المستظلين بالعرش, تعرف عليها وافعل فعالهم، وانتظم في سلكهم؛ لتأمن يوم الشدائد.

أول هؤلاء إمام عادل؛ لأن نفعه إذا صلح وعدل يشمل الرعية كلها, ولأنه لا يلجئه إلى العدل إلا الخوف من الله.

ولئن كان الإمام العادل يراد به في الأصل صاحب الولاية العظمى، إلا أنه عام في جميع الولايات, قال ابن حجر: يلتحق به كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه.

وحينما يذكر الأئمة العدول؛ فكم خلد التاريخ مآثر أئمة مروا على تاريخ الإسلام وحفظ أخبارهم وظل الناس يذكرونها شاهدةً على عدلهم!.

لقد خلد لنا التاريخ أخبار عمر بن الخطاب في عدله، ومنها خبر ولده عبد الله حين اشترى إبلا فذهب بها إلى الحمى ترعى، فلما سمنت أتى بها السوق، فرأى أميرُ المؤمنين في السوق إبلاً سماناً، فقال: لمن هذه؟ فقيل : لعبد الله بن عمر، فجعل يقول...: بخٍ بخٍ! ابن أمير المؤمنين!.

قال عبد الله فجئته أسعى فقلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما هذه الإبل؟ قلت: إبل مهزولة اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون, فقال عمر: يقول الناس ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين, اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله خذ رأس مالك واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.

لقد خلّد الناس مآثر أهل العدل، ومنهم عمر بن عبد العزيز الذي كتبت إليه امرأة سوداء مسكينة في مصر أن لها حائطاً متهدماً يتسوره اللصوص ويسرقون دجاجها وليس معها مال تنفقه في هذا السبيل, فكتب عمر إلى أميره على مصر أن يخرج بنفسه ويصون حائطها، مع أنه في وقته يحكم أمة الإسلام المترامية الأطراف ولم ينس مع كل هذا مظلمات الضعفاء, ولسان الحال: أأتولى أمورهم ثم أضيعهم؟ لقد خسرتُ إذن دنياي وآخرتي!.

أيها المسلمون: ومن عدل الولاة إلى عدل القضاة، والقاضي مطالب بالعدل, والله مع القاضي ما لم يجر, فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان, والناس ينتظرون من القاضي أن يعدل بين خصومه ولا يؤثر أحدا منهم في كلامه ولا مجلسه ولا حكمه ولا حتى نظراته.

وكم كان لعدل القضاة أثر في رفع الظلم وعز الإسلام, ويكفي القاضي فضلاً أنه إذا حكم فعدل فهو في الجنة, ولعله أن يدخل في قول الحبيب: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله".

ولئن جار القاضي اليوم أو قصر في الحكم بالحق فليعلم أن وراءه يوما عبوسا قمطريراً, القاضي فيه هو الله الذي لا يظلم لديه أحد, والظلامات هناك لا ترد، فويل للظالم من المظلوم!.

فليضع كل من حكم بين اثنين أمر ذلك الموقف بين عينيه، وليعد اليوم لنجاته وخلاصه.

أقول ما سمعتم.

 

 

الخطبة الثانية:

ولئن كان الإمام أول من يطالب بالعدل فإن غيره من الناس ممن تولى ولايةً دونه مطالب بالعدل أيضاً, فكل ذي ولاية عليه أن يعدل فيما ولاه الله لينجو يوم أن يلقى الله.

الأب وهو يتعامل من أبنائه مطالب بالعدل بينهم ذكورا وإناثاً, وقد جاء التأكيد على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم".

وإن إيثار أحد من الأبناء أو البنات وتقديمه على غيره من إخوانه يورث في القلب ضغائن ربما صعُب إزالتها وظلت عالقة في نفوس الأبناء, وليس بخافٍ أن الشيطان دخل على إخوة يوسف ليكيدوا لأخيهم حينما ظنوا أن أباهم آثره عليهم، (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [يوسف:8].

ويزداد تأكد الأمر والمطالبة بالعدل يوم أن يكون الأبناء إخوةً من علاّت, أبوهم واحد وأمهاتهم شتى, وكم جنى بعض الآباء على نفسه وعلى أبنائه يوم أن أظهر التفضيل لأبناء إحدى الزوجات دون غيرهم!.

والعدل بين الأولاد يدخل فيه النِحل والهبات، فلكل من الأبناء والبنات حق في ذلك إذا أعطى الأب أحدهم, أما أمر النفقة فشأنها آخر، فيعطي الأب من احتاج منهم للنفقة، والحاجات تختلف بين الذكر والأنثى، والصغير والكبير من الأبناء .

وفي الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لبشير الأنصاري: "أكلّ ولدك أعطيتهم؟"، فقال الأب: لا, فقال -عليه السلام-: "فأشهد على هذا غيري؛ فإني لا أشهد على زور، أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟"، قال: نعم، قال: "إذا، اتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم".

عباد الله: والعدل بين الزوجات أمر قرره الشرع وحض عليه وأكد, وحذر من مغبة الإخلال فيه وتوعد, ففي الحديث عند أصحاب السنن: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".

ألا فليتق الله امرؤ أوكل الله إليه أمر غيره, وجعل غيره تحت يده وأمره وولايته، وليعلم أن الله سائلُه عما استرعاه أعدل أم جار، فإن جار فقد قال -عليه السلام-: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة".

وإن عدل وأقسط فيمن تحت يده فيا بشرى له بقول النبي -عليه السلام-: " المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" رواه النسائي.

وليعلم المرء أنه على قدر ولايته وعدد من تحت يده يكون سؤاله وحسابه، وتعظم تبعته، وفرق بين من يحاسب عن نفسه ومن يحاسب عن خلائق من الناس جعلهم الله تحت يده.

وقد حج هارون الرشيد مرة فلقيه عبيد الله العمري عند الصفا فقال له: يا هارون! فقال: لبيك يا عم! قال: اِرْقَ الصفا، فلما رقيه قال: ارم نظرك إلى البيت وانظر كم عدد من حوله من الناس. قال: ومن يحصيهم؟ قال: فكم في الناس مثلهم؟ قال: خلق لا يحصيهم إلا الله. قال: اعلم يا هارون أن كل واحد منهم يسأله الله عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تُسأل عنهم كلهم، فانظر كيف تكون! فبكى هارون.

فقال العمري: وأخرى أقولها لك: إن الرجل يسرف في ماله فيستحق الحَجر عليه؛ فكيف بمن أسرف في مال المسلمين؟ فمضى هارون وهو يبكي.

وأخيراً -أيها المبارك- فكن مع الله يكن معك، وتحرّ العدل في سائر أحوالك يحبَّك الله, فالله يحب المقسطين, ويعين من طلب العدل, والله لا يضيع أجر المحسنين.

ويأتي في الجمعة القادمة حديث عن ثاني السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وهو شاب نشأ في طاعة الله.

أظلنا الله تحت ظل عرشه، وأذاقنا برد عفوه ونعيم جنته.

 

 

 

المستظلون بظل العرش (2) شاب نشأ في عبادة الله

المستظلون بظل العرش (3) رجل قلبه معلق بالمساجد

المستظلون بظل العرش (4) ورجلان تحابا في الله

المستظلون بظل العرش (5) ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله

المستظلون بظل العرش (6) ورجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه

المستظلون بظل العرش (7) رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه

 

 

 

 

 

المرفقات

بظل العرش (1) إمام عادل

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات