استغلال الأعمار - خطب مختارة

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2020-08-19 - 1441/12/29
التصنيفات:

اقتباس

وإن العاقل اللبيب ليتملكه العجب حين يرى من الناس من يُفني عمره ويُضيِّع أيامه وسنونه على كل أمر تافه وحقير؛ من فضائيات تافهة ورحلات ماجنة وسهر على المعاصي وسمر غير مجد وتجوال لغير هدف... ثم هو لا يشعر ولا يستشعر أنه يقضي على نفسه ويقرِّبها من حتفها...

 

يا ابن آدم ما أنت إلا مجموعة من السنين والأشهر والأيام والساعات والدقائق... فإذا أنهيتها فقد انتهيتَ... يقول أبو الدرداء: "ابن آدم: طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل تكون قبرك، ابن آدم: إنما أنت أيام، فكلما ذهب يوم ذهب بعضك، ابن آدم: إنك لم تزل في هدم عمرك منذ يوم ولدتك أمك"(رواه البيهقي في الزهد الكبير)... وفي وجهة نظر الغزالي أنت عدد محدود من الأنفاس؛ شهيق وزفير، فإذا استهلكتها فقد حان موعد رحيلك، فتسمعه يقول: "الأنفاس معدودة، فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك"(الإحياء).

 

وهذا الحسن البصري يجعل للأيام لسانًا فصيحًا يتكلم ويحذِّر الناس من تضييع الأعمار، فيقول: "ليس يوم يأتي من أيام الدنيا إلا يتكلم ويقول: يا أيها الناس إني يوم جديد، وأنا على ما يعمل في شهيد، وإني لو قد أفلت شمسي لم أرجع إليكم إلى يوم القيامة"(حفظ العمر، لابن الجوزي).

 

***

 

فما الحل إذن؟!... أقصد: إن كانت الآجال محدودة والأنفاس معدودة والأعمار قصيرة ولها انقضاء، فما العمل؟ وأجيب: الحل أن تغتنمها وتنتهزها وتستغلها ولا تضيع منها لحظة ولا أقل ولا أكثر... هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- حين قال: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"(رواه الحاكم في مستدركه).

 

وإن العاقل اللبيب ليتملكه العجب حين يرى من الناس من يُفني عمره ويُضيِّع أيامه وسنونه على كل أمر تافه وحقير؛ من فضائيات تافهة ورحلات ماجنة وسهر على المعاصي وسمر غير مجد وتجوال لغير هدف...  ثم هو لا يشعر ولا يستشعر أنه يقضي على نفسه ويقرِّبها من حتفها! ثم هو لا يأسى ولا يندم ولا يستحسر على أيام ولت ولن تعود أبدًا، يقول أبو بكر بن عياش: "أحدهم لو سقط منه درهم لظل يومه يقول: إنا لله!! ذهب درهمي، وهو يذهب يومه؛ ولا يقول: ذهب يومي ما عملت فيه"(حفظ العمر، لابن الجوزي).

 

***

 

ولننظر نظرة سريعة خاطفة إلى أقوام كانوا يعرفون قيمة الأعمار والأوقات، فيستغلونها أحسن استغلال ويقدمون لآخرتهم... فهذا عبد الله بن عمر "كان له مهراس فيه ماء، فيصلي ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش فيغفي إغفاء الطير ثم يقوم فيتوضأ، ثم يصلي، ثم يرجع إلى فراشه، فيغفي إغفاء الطير، ثم يثب فيتوضأ، ثم يصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمس مرات"(المصدر السابق).

 

وكان عامر بن عبد قيس "يصلي كل يوم ألف ركعة، ولقيه رجل، فقال: أكلمك كلمة، فقال: "أمسك الشمس حتى أكلمك".

وقال لرجل سأله: "عجل؛ فإني مبادر"، قال: وما الذي تبادر؟ قال: "خروج روحي".

وقال عثمان الباقلاني: "أبغض الأشياء إلى وقت إفطاري؛ لأني أشتغل بالأكل عن الذكر".

وكان داود الطائي -رحمه الله- يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز، فقيل له في ذلك، فقال: "بين أكل الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية""( تنبيه النائم، لابن الجوزي).

 

وكان عامر بن عبد قيس إذا صلى الصبح تنحى في ناحية المسجد فقال: من أقرئه؟ فيأتيه قوم، فيقرئهم، حتى إذا طلعت الشمس، وأمكنت الصلاة قام يصلي إلى أن ينتصف النهار، ثم يرجع إلى منزله فيقيل، ثم يرجع إلى المسجد إذا زالت الشمس، فيصلي حتى يصلي العصر، فإذا صلى العصر تنحى إلى ناحية المسجد ثم قال: من أقرئه؟ فيأتيه قوم فيقرئهم، حتى إذا غربت الشمس صلى المغرب، ثم يصلي حتى يصلي العشاء، ثم يرجع إلى منزله فيتناول أحد رغيفيه فيأكله، ثم يهجع هجعة خفيفة، ثم يقوم، فإذا أسحر تناول رغيفه الآخر، فيأكله، ثم يشرب عليه شربة من ماء، ثم يخرج إلى المسجد"(حفظ العمر، لابن الجوزي).

 

***

 

وواخوفاه من يوم يأتي فتتقطع القلوب حسرة وندمًا على ما فرطت وضيَّعت من أعمارها، حينها يتمنى هذا المضيع -ولات حين مندم- أن يُزاد في عمره سنة أو يومًا أو حتى ساعة ليعوض ما ضاع من عمره: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)[المؤمنون: 99-100]، وعندها يتفطر فؤاده وهو يردد تحسرًا وكمدًا: (يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)[الفجر: 24].

 

فهي صيحة نذير ونداء أخير: ألا تضيعوا أعماركم ولا تقتلوا أوقاتكم، وحافظوا على ساعاتكم ودقائقكم، وقدموا لآخرتكم، ولا تلهكم ملذات دنياكم فتندموا حين لا ينفع الندم: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[المنافقون: 9-11].

 

وكأن ابن مسعود يدور في فلك هذا التحذير القرآني حين يقول: "إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع ما زرع"(حفظ الأعمار، لابن الجوزي).

 

***

 

وحرصًا منا في ملتقى الخطباء على أعمارنا وعلى أعمار المسلمين، جمعنا ها هنا عددًا من خطب الخطباء المتيقظين، الذين قد نفضوا الغفلة وأدركوا قيمة الأعمار، فهم يصرخون في الناس: إياكم وتضييع الأوقات؛ فإن الوقت هو العمر! إياكم أن تغركم الدنيا بزخرفها وبهجتها الزائفة فتخرجوا منها بغير زاد! ألا فاغتنموا واستبقوا وانتهزوا حياتكم قبل موتكم... وفيما يلي شيء من خطبهم ننقل من خلالها صيحاتهم تلك.

 

العنوان
الاعتبار بانقضاء الأعمار 2011/01/03

الشيخ د عبدالرحمن السديس

ومن لم يتَّعِظ بزوال الأيام، ولم يعتَبِر بتصرُّم الأعوام، فما تفكَّر في مصيره ولا أناب، ولا اتَّصَف بمكارم الخُلَّص أولي الألباب، يقول الرحيم التواب: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، وتغافَلَ عن حقيقةٍ قاطعةٍ ساطعة هي كونُ الآخرة أبدًا، والدنيا أمدًا، أعمالُنا فيها مشهودة، وأعمارنا معدودة، وأنفاسُنا محدودة، وأقوالُنا مرصودة، والوَدَائع -لا محالةَ- مردودة ..

المرفقات

بانقضاء الأعمار


العنوان
اغتنام لحظات العمر 2012/06/17

عبدالمحسن بن محمد القاسم

وأمرَ النبيُ -صلى الله عليه وسلم- باغتنامِ الزمانِ بالعملِ الصالحِ، فقال: "احرِص على ما ينفعُك". وأيامُ الحياةِ معدودةٌ إن ذهبَ يومٌ نقصَ عُمرُ ابنِ آدم، وإن ذهبَ بعضُه زالَ كلُّه، قال ابن القيم -رحمه الله-: "العبدُ من حينِ استقرَّت قدمُه في هذه الدار فهو مُسافرٌ فيها إلى ربِّه، ومُدَّةُ سفره هي عُمره الذي كُتِب له". ومن مِنَن الله الجِسامِ على العبدِ طُولُ العُمر مع صلاحِ العمل، قال -عليه الصلاة والسلام-: "خيرُ الناسِ من طالَ...

المرفقات

لحظات العمر


العنوان
قصر الأعمار واغتنامها في الصالحات والإجازات وربحها 2013/07/19

فواز بن خلف الثبيتي

العمر أوقات، أيام وشهور وسنوات، والوقت أثمن من الذهب والمال؛ لأن المال قد يعوض أو يستعاد، لكن الوقت من حيث يمضي لا يعود. إنه وعاء العمر والحياة، من اغتنمه فقد اغتنم عمره وحياته، ومن أضاعه خسر الدنيا والآخرة، يقول...

المرفقات

الأعمار واغتنامها في الصالحات والإجازات وربحها


العنوان
فضيلة طول العمر مع حسن العمل 2018/05/06

إبراهيم بن محمد الحقيل

إِنَّ طُولَ الْعُمْرِ مَعَ حُسْنِ الْعَمَلِ نِعْمَةٌ مِنَ -اللَّهِ تَعَالَى- يَهَبُهَا مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّ الْعُمْرَ الْمَدِيدَ إِذَا صَاحَبَهُ سُوءُ عَمَلٍ كَانَ نِقْمَةً عَلَى صَاحِبِهِ؛ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ"..

المرفقات

فضيلة طول العمر مع حسن العمل


العنوان
طول العمر خير للمؤمن المسلم وشر للفاسق الكافر 2017/06/26

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

يَا مَن يغترُّ بالأماني والآمال الكواذب، ومبارزٌ بالقبايح وَمَا يدْرِي من يحارب؟ يَا حَاضرَ الْبدنِ غيرَ أَن الْقلب غَائِب! أرضيت أَن تفوتَك الْخيرَاتُ والرغائب؟ يَا من عمره يفنى فِي مَمَرِّه ويسري كالنجائب! يَا من شَاب وَمَا تَابَ هَذَا من الْعَجَائِب! يَا عجباً! كَيفَ نَام الْمَطْلُوب وَمَا غفل الطَّالِب؟!...

المرفقات

العمر خير للمؤمن المسلم وشر للفاسق الكافر


العنوان
الاعتبار بما مضى من الأعمار 2014/01/19

محمد بن حمد الخميس

منا من باع نفسه لله، وانتصر على شيطانه وهواه، ونال رضا الله وهُداه، فاجتهد بأعماله ليفوز مع الفائزين، وينجو مع الناجين، فصلّى لربه وصام، وتصدّق بماله، وابتعد عن فعل الحرام، ووصل رحمه، وواسى الفقراء والأيتام!. ومنّا غلبه شيطانه، واتّبع هواه، وغرته نفسه، وعمّت مصائبه وبلواه، وما تذكّر أن الله –سيحاسبه- على ما آتاه، فوقع في...

المرفقات

بما مضى من الأعمار


العنوان
اغتنام فرصة العمر 2017/09/23

عبد الله بن عبد الرحمن البعيجان

إن الزمن يمضِي، والعُمر يسيرُ، ولحظاتِ الحياة محصُورةٌ في مدًى قصير، والواجِباتِ مُتراكِمة، والحُقوقَ مُزدحِمة، والإنسانَ مسؤولٌ عن عُمره فيمَ أفناه، وشبابِه فيمَ أبلَاه، ومُحاسَبٌ على العُمر الضائِع، والزمنِ المهدُور، ومهمَا طالَ العُمر فإنه مدًى قصير.. وإن أعظمَ المصائِبِ، وأجَلَّ الخُطُوب، وأفجَعَ الأهوال، وأفظَعَ الكُرُوب: الحسرةُ على ضياعِ الوقتِ وفواتِ الأجَل، ومُضِيِّ ساعات الزمانِ مِن غير عمل...

المرفقات

العنوان
أغلى لحظات العمر 2012/12/13

محمد أبوعجيلة أحمد الككلي

إن الصحة والفراغ والمال هي الأبواب الذي تلج منها الشهوات المستحكمة، ويتربع في فنائها الهوى الجامح فيأتي على صاحبه، وقد صدق من قال: "من الفراغ تكون الصبوة"، وكم كان الفراغ سببًا في الانحراف والفساد عند عدم استغلاله! فهو نعمة، لكن؛ إذا استُغل ..

المرفقات

لحظات العمر


العنوان
اغتنام العمر في طاعة الله 2015/06/11

محمد بن إبراهيم الشعلان

إن ذهاب الشهور والأعوام، إيذان لكم بقرب الارتحال من دنيا الممر إلى دار المقر والدوام، ولقد كان السلف الصالح -رحمهم الله- يغتنمون الشهور والأعوام، بما يقربهم إلى ربهم الملك العلام. بل إنهم يغتنمون الليالي والأيام، فلا يمر عليهم يوم ولا ليلة بلا فائدة ولا كسب مثمر، طرحوا عنهم اللهو واللعب وإضاعة الأوقات فيما لا فائدة فيه ولا نفع، فهم ما بين علم يتعلمونه، وجهاد في سبيل الله وطاعة وعبادة، وقيام بحقوق الأسرة، وصلة رحم، وزيارة مريض، ودعوة إلى الله -عز وجل-.

المرفقات

العمر في طاعة الله


المرفقات
إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
31-12-2020

التحديث الجديد للموقع به مشاكل . لا استطيع قراءة الخطبة كامله . فى السابق تصغط على (  قراءة المزيد )  تفتح معك الخطبة . الان ما اعرض اضغط على ماذت 

من ناحية المشاكل نأمل تواصلك على هذا الإيميل mazen@khutabaa.com

ومن ناحية المزيد سيتم إضافتها.. وبإمكانك حاليا الضغط على عنوان الخطبة وسيدخلك عليها