المستظلون بظل العرش (4) ورجلان تحابا في الله

منصور محمد الصقعوب

2013-02-07 - 1434/03/26
التصنيفات: أخلاق وحقوق
عناصر الخطبة
1/ فضل الأخوة في الله 2/ قَدْرُ الصاحبِ في الله 3/ حقيقة الأخوة في الله 4/ من حقوق الصحبة 5/ نماذج من السلف 6/ مَن يجب اجتناب صحبته 7/ نصائح للمتآخِين.
اهداف الخطبة
1/متابعة الحديث عن المستظلين بظل الله يوم القيامة 2/ تسليط الضوء على الأخوة في الله الموجبة لذلك الاستظلال.

اقتباس

حينما يتكاثر الناس بالأموال ويتفاخرون بالأعراض والجاه, ويتسابقون إلى نيل الملذات وعقد العلاقات، فليس ثمة علاقة أوثق وعملٌ أسعد من الأخوّة في الله, نعم! إنها... إنه الصاحب الذي قال فيه الحسن: "إخواننا أحب إلينا من أهالينا وأولادنا, لأن أهلنا يذكِّروننا بالدنيا, وإخواننا يذكروننا...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده سبحانه، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج:1].

عباد الله: الإنسان بطبعه يألف ويخالط, جَبَلَهُ ربه على الخلطة والمصاحبة, وجعله يميل إلى أشباهه.

وإذا كانت المخالطة جِبِلَّةً فإنها تكون في الخير وربما في الشر, وإذا كان في الأصحاب من يقربك للرحيم الرحمن, فإن منهم من يهوي بك في الردى والعصيان, ويقربك من الشيطان, وحينها تعرف قدر الصاحب في الله, الأخ المعين على طاعة الله.

وحديث اليوم مُتَمِّمٌ لأحاديثَ مَضَتْ عن المستظِلِّين بظِلِّ العرش، وهو عن رجلين تحابَّا في الله؛ اجتمعا عليه، وتفرقا عليه.

معشر الكرام: حينما يتكاثر الناس بالأموال ويتفاخرون بالأعراض والجاه, ويتسابقون إلى نيل الملذات وعقد العلاقات، فليس ثمة علاقة أوثق وعملٌ أسعد من الأخوّة في الله, نعم! إنها الصداقة الصادقة، والمحبة الصافية، والأخوة الحقة.

ولأن الصحبة قد تعين على الطاعة، وتثبت على الاستقامة، أكد الشرع على فضيلة الصداقة إذا كانت لله خالصة, ولله در المحب لله! والأخ الصادق الذي كانت محبته لا لأجل دنيا ولا مال؛ بل لله وفي الله! فقد نال من المطالب أسناها، ومن المراتب أعلاها, وكفاه شرفاً أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:... أن يحب المرء لا يحبه إلا لله".

كفاهم عزاً وفخراً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيهم، كما في حديث عمر بن الخطاب: "إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة، بمكانهم من الله تعالى"، قالوا: يا رسول الله، تخبرنا مَن هم؟! قال: "هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله! إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس"، وقرأ هذه الآية: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [يونس:62]. رواه أبو داود.

منقبةٌ إذا كانت صداقتهم لله، إنهم من القوم الذين يستظلون بظل العرش، فمن السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله رجلان تحابا في الله؛ اجتمعا عليه، وتفرقا عليه.

أيها المبارك : تلفَّتْ من حولك تجد أناساً كثيراً كلهم يقول إنه صديق لك, محب، يبحث عن مصلحتك, وفي الرخاء ما أكثر الأصدقاء! ولكن يوم أن تأتي الشدة تلتفت فلا ترى إلا الندرة!
وما أكثرَ الأصحابَ حين تعدُّهُمْ *** ولكنَّهُمْ في النائباتِ قليلُ

فمن هو الأخ حقاً يا ترى؟ إن الأخ والصاحب ليس من جمعك معه عمل أو دراسة، ولا من دعاك لعشاء أو مناسبة، وليس المراد بالصاحب ذلك القرين الذي يصحبك كما يصحبك الشيطان, يعينك على المعصية, فذاك ممن لا خير لك إلا في مباعدته, إنما الأخ والصاحب هو الذي يدعوك إلى الخير, ويعينك على أمر الدين والدنيا.

إنه الصاحب الذي قال فيه الحسن: "إخواننا أحب إلينا من أهالينا وأولادنا, لأن أهلنا يذكِّروننا بالدنيا, وإخواننا يذكروننا بالآخرة".

أيها الفضلاء: إن كل صداقة في الدنيا ستؤول إلى عداوة في الآخرة, إلا الصداقة التي وثق الدين بين أصحابها: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67].

وكم من صاحب سيتبرأ من صاحبه يوم القيامة، وآخر سيندم على أنه صاحب أهل الشر, ويقول: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) [الفرقان:28].

فآكد الأمور -أيها المبارك- أن تجعل أخوتك لله, لا يزيدها برٌ ولا ينقصها جفاء.

أيها الفضلاء: وفي زمن غاب فيه طعم الأخوة, وندر الصديق الوفي، فكم نحن بحاجة إلى التذكير بحقوق الصحبة؛ لتكون الأخوة صادقة، وليدخل أصحابها في وصف المتحابين في الله؛ رجاء أن يكونوا من المستظلين بظل العرش.

فمن حقوق الصحبة: المواساة بالمال, فالمتآخيان إذا احتاج أحدهما لمالٍ سدّ خلتَهُ صاحبُه, وأي صداقة وأخوة تدّعى إذا كان الأصحاب يظل أحدهما محتاجاً والآخر موسراً لا ينظر لحال أخيه؟ وقد رأى بعض الحكماء رجلين يصطحبان لا يفترقان، فسأل عنهما فقيل: صديقان, فقال: فما بال أحدهما غنياً والآخر فقيرا؟.

إن الأخ الصادق يعين في سداد دَيْنِ إخوانه تقرباً لله, لقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير بعدما قُتل الزبير فقال:كم ترك أخي عليه من الدين؟ فقال: ألفي ألف, فقال: عليّ نصفها.

وكان ابن سوقة له جرار فيها مال, وعندما دخل عليه إخوانه قال لهم: من احتاج إلى شيء فليأخذ.

وقال الحسن: كنا نعد البخيل الذي يقرض أخاه. وقال: ليس من المروءة أن يربح الرجل على صديقه.

وقال يزيد بن عبد الملك: إني لأستحي من الله أن أسال الجنة لإخواني وأبخل عليهم بدينار أو درهم. ومعلوم أن هذه أمثلة لقومٍ لديهم القدرة في أموالهم.

نعم, إنها أمثله ونماذج عالية لربما لم تجدها في زماننا, ولكن؛ لا أقل من أن يتفقد المرء إخوانه، ويسد حاجتهم، فذاك من حق أخوتهم عليك.

وكمال ذلك بأن تتفقدهم قبل أن يتعرضوا لشيء، ويدوم التفقد لهم ولأهلهم ولو بعد رحيلهم بسفر أو بموت.

قال الغزالي: وقضى ابن شبرمة حاجةً لبعض إخوانه كبيرة، فجاءه بهدية، فقال: ما هذا؟ فقال: لما أسديته إلي, فقال: خذ مالك, إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى.

وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم ويتردد إليهم ويمونهم من ماله، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه .

عباد الله: والتزاور والتواصل حق من حقوق الصحبة، وكم تطيب الزيارة يوم أن تكون لله! ولقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تعالى-: "وجبت محبتي للمتحابين فيّ، وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ"، فأين التزاور في الله أيها الإخوان؟.

وفي الصحيح: "أن رجلا زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له، على مدرجته ملَكا فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله -عز وجل-، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".

إن مشاغل الدنيا لا تنتهي، فما أجمل أن يقطع المرء من وقته وقتاً يسيراً ويؤم أخاً له في الله، ويخلص قصده لله, ليتحادثا في خير أو مباح, فكم لهذه الجلسة من أثر وأجر عند الله! وفي الحديث: "وجبَتْ محبتي للمتزاورين فيّ".

أيها المسلمون: ورفع الأكف بالدعاء للأصحاب في حياتهم وبعد مماتهم من روائع الحقوق, وذاك دليل على أن المرء لم ينسهم يوم أن يفتح له باب الدعاء.

لقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي الدرداء-: "ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا قال الملك: ولك بمثل".

والأئمة نُقل عنهم أنهم كانوا يدعون لإخوانهم وأصحابهم, فيحيى القطان يدعو لألف إنسان كل يوم. ولقي أحمد بن حنبل ولد الشافعي فقال له: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم كل سحر. وكان لأبي حمدون صحيفة مكتوب فيها ثلاثمائة من أصدقائه يدعو لهم كل ليلة.

فهل يظفر منك إخوانك بدعوة في ظهر الغيب, لتنفع نفسك وإخوانك؟ وهذا من حقهم عليك, ولا سيما يوم أن يرحلوا عن الدنيا.

ورحم الله محمد بن يوسف الأصفهاني إذ يقول: وأين مثل الأخ الصالح؟ أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون بما خلّفت وهو منفرد بحزنك مهتم مما قدمت وما صرت إليه، ويدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى.

وفقنا الله لما يحب ويرضى.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله ذو الفضل العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك الكريم.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي نصح لأمته وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم، وعلى آله وصحابته والتابعين.

أما بعد: قال علي بن الحسين لولده موصياً: "لا تصاحبن خمسةً ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق: لا تصحبن فاسقا فإنه يبيعك بأكلة، ولا تصحبن البخيل فإنه يمنعك ماله أحوج ما تكون إليه، ولا تصحبن كذاباً فإنه بمنزلة السراب فإنه يبعد منك القريب ويقرب منك البعيد, ولا تصحبن أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاثة مواضع". فخذها وصية من إمام وطبقها على أصحابك.

وإذا وجدت أخاً, فتمثل قول الشافعي في زمنه: إذا وجدتَّ أخاً في الله فشُدَّ يدك عليه؛ فما أقل الإخوان في هذا الزمن!.

أيها المسلمون: اللسان له دور في ردم الخلافات ودوام الأخوة، وله دور في قطع العلاقات وإيقاع العداوات، وكم من كلمة قالت لصاحبها: دعني!.

وأنت -أيها الفاضل- لإخوانك حق عليك في لسانك بأن تتودد إليهم بمقالك, وتدعوهم بأحب أسمائهم إليهم، وتثني عليهم بما هم عليه من خير عند غَيبتهم, ولا تجرحهم بسوء الحديث, وتذب عن أعراضهم, و"من ذب عن عرض أخيه كان حقاً على الله أن يعتقه من النار" رواه أحمد وصححه الألباني.

وإذا أحببت أخاك في الله فأعلِمْهُ بذلك؛ فهذا ما أرشد إليه النبي عليه السلام.

أيها المبارك: والأخ الحق يكون مرآةً لأخيه المسلم, إن استشاره نصح له بما يحب لنفسه, وإن رآه على تقصير ومعصية أخذ بيده وناصحه, وليست الأخوة أن تراه سالكاً طريق معصية فتدعه وتقصيره.

أخوك يوم أن يغويه الشيطان فيقع في حبال الخطيئة فهو محتاج لأخ ناصح يذكره بالله، وقد حكي عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة، فقيل لأخيه: ألا تهجره وتقطعُه؟ فقال: أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده.

أيها المسلم: وتجنب كثرة العتاب واقبل المعاذير, واعلم أن المرء طبع على الخلل, ولا كمال لمخلوق, ومن رام صاحبه بلا عيب فقد طلب الوحدة.
إذا كنتَ في كُلِّ الأمور معاتباً *** صديقَكَ لم تَلْقَ الَّذِي لا تعاتِبُهْ

واحمل أقوال إخوانك وأفعالهم تجاهك على أحسن المحامل, وأحسِنْ الظن بهم، ولا يخدعْك الشيطان بتأويلات وتفسيرات فيها إساءة ظن بهم.

وقد دخل الربيع بن سليمان على الشافعي يزوره وهو مريض فقال له الربيع: قوَّى الله ضعفك، فقال الشافعي: لو قوّى ضعفي لقتلني! فقال الربيع والله ما أردت إلا الخير، فقال أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير.

وبعد معاشر المسلمين:
فلا خير في الدنيا إذا لم يكن بها *** صديقٌ صَدُوقٌ صادق الوعد منصفا

لأجل الإخوان بكى الصالحون عند الموت، حزنا على فراقهم، وبالإخوان يكون المؤمن من قوم يستظلون بظل العرش إذا كانت المحبة لم تجمعهم على دنيا ولا مال، ولا يزيدها بِر ولا ينقصها جفاء.

فلتكن همتك أن تكسب في الدنيا أخاً، يعينك إذا أحسنت، ويناصحك إذا عصيت، ويذكرك بالآخرة في زمن أشغلتنا الدنيا، فهذه هي الأخوة الباقية, يوم أن تتهاوى الصداقات، وتنقلب يوم القيامة إلى عداوات.

 

المستظلون بظل العرش (1) إمام عادل

المستظلون بظل العرش (2) شاب نشأ في عبادة الله

المستظلون بظل العرش (3) رجل قلبه معلق بالمساجد

المستظلون بظل العرش (5) ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله

المستظلون بظل العرش (6) ورجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه

المستظلون بظل العرش (7) رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه

 

 

 

 

المرفقات

بظل العرش (4) ورجلان تحابا في الله

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات