الأشهر الحرم بين التعظيم والاستهانة - خطب مختارة

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2021-02-11 - 1442/06/29
التصنيفات:

اقتباس

فيا أيها المؤمنون: اعلموا، أن كل زمان أو مكان حرمه الله، فالمعصية فيه أعظم وأشنع فلما حرَّم الله مكة وجعلها حرمًا آمنًا، قال عن حرمها: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[الحج: 25]، فكذلك الأشهر الحرم...

 

أخطأ من ظن أنه لا مزية لشهر رجب علي غيره، يقولون شهر رجب كباقي شهور السنة ولا ميزة له عليها... نقول: هذا خطأ، وفيما يلي دليلنا وحجتنا ألا وهي:

أن شهر رجب من الأشهر الحرم: وما أدراك ما الأشهر الحرم: قال الله -تعالي-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التوبة: 36]، والأربعة الحرم يوضحها لنا النبي -صلي الله عليه وسلم- ويحددها، فقد جاء من حديث أبي بكرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، مضر الذي بين جمادى، وشعبان"(متفق عليه).

فالأشهر الحرم هي: رجب وذو القعدة وذو الحجة وشهر الله المحرم.

فرجب شهر حرام، بل هو أول الأشهر الحرم، وهذه هي ميزته علي باقي شهور السنة؛ أنه شهر من شهور الله الحرام.

 

لكن ما معني شهر حرام؟ الإجابة تتلخص في النقاط التالية:

أولًا: أن الله -عز وجل- حرم فيها القتال -على الراجح من كلام العلماء-: إلا أن يبدأ العدو فندافع عن ديار المسلمين، ودليل حرمة ابتداء القتال فيها هو قول الله -عز وجل-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ...)[المائدة: 2]، "أي: ولا تحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه، والشهر الحرام: هو الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال في الجاهلية فيه، فلما جاء الإسلام لم ينقض هذا الحكم، بل أكده"(تفسير الخازن)، ويؤدي نفس المعنى قوله -عز من قائل-: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ...)[التوبة: 5].

 

وعن جابر أنه قال: "لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزوا، فإذا حضر ذلك أقام بنا حتى ينسلخ"(أحمد وغيره).

 

ونؤكد بدورنا كلام الإمام الخازن؛ فنقول: نعم، لقد كان أهل الجاهلية يحرمون القتال في الأشهر الحرم، وهو ما أكده قبلنا الإمام البيهقي قائلًا: "وكان أهل الجاهلية يعظمون هذه الأشهر، وخاصة شهر رجب فكانوا لا يقاتلون فيهن"(فضائل الأوقات للبيهقي)، قالوا: حتي لو قابل الرجل قاتل أبيه ما تعرض له بسوء... فكان المطاردون يخرجون ويظهرون في شهر رجب وفي الأشهر الحرم.

 

ثانيًا: أن المعاصي في الأشهر الحرم أعظم إثمًا وأشد تحريمًا، كما أن أجور الحسنات مضاعفة فيها: فإن كانت المعصية قبيحة في كل وقت فإنها في هذه الأشهر أشد قبحًا ودمامة، قال قتادة: "العمل الصالح أعظم أجرًا في الأشهر الحرم، والظلم فيهن أعظم منه فيما سواهن وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا"(تفسير البغوي والخازن)، وهذا من معنى قول الله -سبحانه وتعالى-: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التوبة: 36].

 

فيا أيها المؤمنون: اعلموا، أن كل زمان أو مكان حرمه الله، فالمعصية فيه أعظم وأشنع فلما حرَّم الله مكة وجعلها حرمًا آمنًا، قال عن حرمها: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[الحج: 25]، فكذلك الأشهر الحرم، حتى لقد قال بعض الفقهاء: "إن الدية تغلظ في الشهر الحرام أربعة آلاف، فتكون ستة عشر ألف درهم"(المجموع للنووي، والمغني لابن قدامة).

 

فهي قاعدة تقول: إذا عظَّم الله مكانًا أو زمانًا، كانت المعصية فيه أعظم إثمًا، والطاعة فيه أعظم أجرًا.

 

ولنا مع قوله تعالي: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)، وقفة: وقفة نقفها مع العاكفين علي الذنوب والمعاصي الناسين لله وللآخرة، مع من يسهرون أمام التلفزيون ليلهم، ويقضون في اللهو نهارهم، مع الغافلين عن أنهم حتمًا سيموتون ويدفنون ويقبرون...

 

نقول: أيها المقيم علي المعاصي أقصر، أقصر، أقصر... تب إلي الله يتب الله عليك، لا تقنط ولا تيأس من رحمته -عز وجل-، لا تقل ذنوبي كثيرة؛ فإن مغفرة الله أكثر، ولا تقل خطاياي عظيمة؛ فإن رحمة الله أعظم، واستمع إليه -تعالى- يناديك قائلًا: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[الزمر: 53]، وها هو -عز وجل- يعيد عليك: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)[النساء:110].

 

ويروي أبو موسى الأشعري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها"(مسلم)، وعن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة"(الترمذي).

 

فما زلت في مهلة، وما زالت لك فرصة؛ فعن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"(الترمذي)، وعن أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "قال إبليس: أي رب لا أزال أغوي بني آدم، ما دامت أرواحهم في أجسادهم"، قال: "فقال الرب -عز وجل-: "لا أزال أغفر لهم، ما استغفروني"(أحمد).

 

***

 

وليست هذه هي كل فضائل الأشهر الحرم، بل هي بعضها، لذا فإننا نترك المجال لخطبائنا لإتمامها وبيانها وتفصيلها، فإليك شيئًا من جميل خطبهم:

 

العنوان
الأشهر الحرم 2014/09/16
الأشهر الحرم

يفضل من الأوقات، ومن الأمكنة أماكن، ففضل الله -تعالى- مكة على سائر البقاع، ثم من بعدها المدينة مهاجر خاتم الأنبياء محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم من بعدهما بيت المقدس، مكان غالب الأنبياء الذين قص الله علينا نبأهم، وجعل لمكة والمدينة حرما دون بيت المقدس. وفضل الله -تعالى- بعض الشهور والأيام والليالي على بعض؛ فعدة: (الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)[التوبة: 36]. وهي...

المرفقات

الحرم3


العنوان
تعظيم الأشهر الحرم 2018/03/23
تعظيم الأشهر الحرم

لم يَرِدْ في فضل شهر رجب ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة...

المرفقات

تعظيم الأشهر الحرم


العنوان
تعظيم الأشهر الحرم 2018/09/14
تعظيم الأشهر الحرم

إن من عظيم فضل الله -تعالى- على عباده أن جعل آخر شهر في العام شهر عبادة وطاعة، وأوله شهر عبادة وطاعة، فيفتتح المؤمنُ عامَه بطاعة الله، ويختتمه بطاعة الله، وإن من أعظم الأعمال التي يحرص عليها المسلمُ في شهر الله المحرَّم وغيره صِدْقه وإخلاصه في توحيد ربه...

المرفقات

تعظيم الأشهر الحرم


العنوان
إبداء الكرم في الأشهر الحرم 2016/08/17
إبداء الكرم في الأشهر الحرم

نحن في هذه الأيام، وعبر الشهور الثلاثة القادمة، والأيام المتتالية، نعيش في أحضان أشهر عظيمة، وأيام جليلة، عمها وخصها بالفضل سبحانه، فمن النصوص العامة لهذه الأشهر الحرم القادمة، وهي الأربعة المشهورة: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب،.. ولماذا سميت حرمًا؟ سميت لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها، ولأن الله حرم فيها القتال بين الناس، فهي حرم، أي حرام، فيجب احترامها وتقديرها، وتعظيمها من تعظيم الله، (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)...

المرفقات

الكرم في الأشهر الحرم


العنوان
إياك والظلم في الأشهر الحرم 2016/10/04
إياك والظلم في الأشهر الحرم

انظروا إلى آثار ظلمنا لأنفسنا: القحط مع الغلاء, والقحط مع الابتلاء, والغلاء مع عدم الوجود, فقر مع الابتلاء مع الأسقام والأمراض والأوجاع, مع قهر الأعداء, لماذا؟..

المرفقات

والظلم في الأشهر الحرم


العنوان
الأشهر الحرم 2017/04/04
الأشهر الحرم

دخل علينا شهر رجب وهو من الأشهر الحرم. فماذا نعرف عن الأشهر الحرم؟ وكم عدد الأشهر الحرم؟ وما الواجب علينا في الأشهر الحرم؟ وهل تقام الحدود والقصاص في الأشهر الحرم؟ وهل تغلظ الدية على من قتل في الأشهر الحرم؟ هذا ما سنجيبُ عليه في هذه الخُطبة بإذن الله.

المرفقات

الحرم


العنوان
تعظيم الأشهر الحرم 2017/08/09
تعظيم الأشهر الحرم

اعلموا أن مما أوجب الله -سبحانه وتعالى- عليكم فيهن: تعظيم تلك الأشهر الأربعة، بأن لا تظلموا فيهن أنفسكم. وهذا النهي يشتمل على أمرين: أحدهما: أن لا تظلموا فيهن أنفسكم بمواقعة السيئات، والاستكثار من الخطيئات، فإنه...

المرفقات

تعظيم الأشهر الحرم


العنوان
الأشهر الحرم 2011/09/21
الأشهر الحرم

والأشهر الحرم ينبغي مراعاة حرمتها، والمقصود من ذلك اتباعُ أمر الله تعالى ورفضُ ما كان عليه أهل الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها، ولذا بيّن رسول الله في خطبته في حَجّة الوداع: "أيها الناس: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".

المرفقات

الحرم


العنوان
الأشهر الحرم 2011/09/22
الأشهر الحرم

من نعم الله –عز وجل- ومنته وكرمه ما يفتح الله –عز وجل- على عباده من مواسم الخيرات، تلك الأيام المباركات التي يمن الله بها -جل وعلا- على عباده، فما أن انقضى شهر رمضان في الليلة التي انقضى فيها الشهر، بدأ موسم كريم وهو موسم الحج لبيت الله الحرام. ربي -جل وعلا- يقول: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) ..

المرفقات

الحُرم


العنوان
تعظيم الأشهر الحرم والتحذير من الظلم والبدع 2014/05/13
تعظيم الأشهر الحرم والتحذير من الظلم والبدع

أيها المسلمون: الظلمُ أصلُ كلِّ شرٍّ، وفسادٌ للدين والدنيا، والله نزَّهَ نفسَه عن الظلمِ وجعلَه بين العباد مُحرَّمًا فقال: "يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا؛ فلا تَظَالَموا" [رواه مسلم]. واللهُ أخبرَ أنه لا يُحبُّ الظالِمَ، ونفى عنه الفلاح، ووعدَ بقطعِ دابرِه، ولا يدُومُ على نُصرته أحدٌ، قال سبحانه: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)[البقرة: 270]. بل ...

المرفقات

الأشهر الحرم والتحذير من الظلم والبدع


العنوان
حرمة الأشهر الحرم 2014/10/25
حرمة الأشهر الحرم

إن الذي جعل لنا أشهُرا أربعة حرماً، نهانا أن نظلم فيهن أنفسنا، حيث قال -سبحانه-: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)...

المرفقات

الأشهر الحرم


المرفقات

بوست030-الأشهر-الحرم-بين-التعظيم-والاستهانة-01.jpg

بوست030-الأشهر-الحرم-بين-التعظيم-والاستهانة-02.jpg

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات