طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > من أسماء الله الحسنى

ملتقى الخطباء

(2٬350)
156

من أسماء الله الحسنى

1431/02/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

 

قال الله تعالى: (هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة الحشر آية 22 – 24.

هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على كثير من أسماء الله الحسنى التي عليها مدار التوحيد والاعتقاد، فأخبر أنه المألوه الذي لا يستحق العبادة سواه؛ وذلك لكماله العظيم وإحسانه الشامل وتدبيره العام وحكمه الشاملة. فهو الإله الحق وما سواه فعبوديته باطلة لأنه خال من الكمال ومن الأفعال التي فيها النفع والضر، ووصف نفسه بالعلم المحيط بما حضر وغاب وما مضى وما يُسْتقبل وما هو حاضر وما في العالم العلوي وما في العالم السفلي وما ظهر وما بطن، فلا تخفى عليه خافية في مكان من الأمكنة ولا زمان من الأزمنة، ومن كمال علمه وقدرته أنه يعلم ما تنقص الأرض من الأموات وما تفرق من أجزائهم وما استحال من حال إلى حال، أحاط علماً بذلك على وجه التفصيل فلا يعجزه إعادتهم للبعث والجزاء، ووصف نفسه بأنه (الرحمن الرحيم) الذي وسعت رحمته الخليقة بأسرها وملأت الوجود كله، ووصف نفسه بأنه (الملك) وهو الذي له الملك التام المطلق، له صفات الملك التي هي نعوت العظمة والكبرياء والعز والسلطان. وله التصرف المطلق في جميع الممالك الذي لا ينازعه فيه منازع، والموجودات كلها عبيده وملكه ليس لهم من الأمر شيء.
وأخبر أنه (القدوس السلام) أي المقدس المعظم السالم من جميع العيوب والنقائص المنافية لكماله (المؤمن) المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به من الآيات البينات والبراهين القاطعات والحجج الواضحات. الذي له العلم كله ويعلم من أوصافه المقدسة ونعوته العظيمة ما لا يعلمه بشر ولا ملك ويحب نفسه وما هو عليه من الجلال والجمال (العزيز) الذي له العزة كلها، عزة القوة والقدرة، فهو القوي المتين، وعزة القهر والغلبة لكل مخلوق، فكلهم نواصيهم بيده وليس لهم من الأمر شيء، وعزة الامتناع الذي تمنع بعزته عن كل مخلوق فلا يعارض ولا يمانع، وليس له نديد ولا ضديد (الجبار) الذي قهر جميع المخلوقات ودانت له الموجودات واعتلا على الكائنات وجبر بلطفه وإحسانه القلوب المنكسرات (المتكبر) عن النقائص والعيوب، وعن مشابهة أحد من خلقه ومماثلتهم لعظمته وكبريائه (سبحان الله عما يشركون) وهذا تنزيه عام عن كل ما وصفه به من أشرك به ولم يقدره حق قدره (هو الله الخالق) لجميع المخلوقات (البارئ) بحكمته ولطفه لجميع البريات (المصور) بحسن خلقه لجميع الموجودات، أعطى كل شيء خلقه ثم هدى كل مخلوق وكل عضو لما خلق له وهيئ له.

فالله تعالى قد تفرد بهذه الأوصاف المتعلقة بخلقه لم يشاركه في ذلك مشارك، وهذا من براهين توحيده، وأن من تفرد بالخلق والبرء والتصوير فهو المستحق للعبودية ونهاية الحب وغاية الخضوع (له الأسماء الحسنى) وقد ورد في الحديث الصحيح «أن لله تسعة وتسعين اسماً؛ مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة» – يعني أحصى ألفاظها وحفظها وعقلها وتعبد لله بها – فهو تعالى الذي له كل اسم حسن؛ وكل صفة جلال وكمال، فيستحق من عباده كل إجلال وتعظيم وحب وخضوع (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) يعني من المكلفين والحيوانات والأشجار والجمادات (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) سورة الإسراء آية 44.
وهو العزيز الحكيم. في خلقه وشرعه..

فصل
ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام يسمعه منه من شاء من خلقه سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة، وسمعه منه جبريل عليه السلام ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه ويأذن لهم فيزورونه قال الله تعالى: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (سورة النساء آية 164) وقال سبحانه: (مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ) (سورة البقرة آية 253) وقال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ) (سورة الشورى آية 51).

ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض متلو بالألسنة محفوظ في الصدور مسموع بالآذان مكتوب في المصاحف فيه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام وأمر ونهي (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (سورة فصلت آية 42).. واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر. والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (سورة القيامة 22 – 23) وقال تعالى: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) (سورة المطففين آية 15) يعني الكفار فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى وإلا لم يكن بينهما فرق وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" حديث صحيح متفق عليه وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير.

ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد لا يكون شيء إلا بإرادته ولا يخرج شيء عن سلطانه ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعونه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (سورة الأنبياء آية 23) قال الله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (سورة القمر آية 49) ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله الحجة علينا بإنزال الكتب وبعثة الرسل قال الله تعالى: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (سورة النساء: آية 165) ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعة قال الله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (سورة البقرة آية 286) وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (سورة التغابن آية 16) وقال تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ) (سورة غافر آية 17) فدل على أن للعبد فعلاً كسباً يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب وهو واقع بقضاء الله وقدره.

فصل في النوع الثاني وهو الثبوتي المتضمن شرح أسماء الله تعالى وتفسيرها وبيان معناها
وهو مما يزيد الإيمان ويعمقه في النفوس المؤمنة

وهذا النوع هو المقصود الأعظم، وما مضى وسيلة وتتميم وحفظ لهذا النوع، فإن جميع ما ينزه الله عنه فإنما ذلك لأجل ثبوت ضده. وهذا النوع مبناه على إثبات جميع صفات الله الموجودة في الكتاب والسنة والأسماء الحسنى ومعانيها على وجهها والتفقه في معرفة معانيها والتحقق بها تصديقاً ومعرفة وتعبداً بها. وكلما قويت هذه الأمور قوي التوحيد في القلب حتى يكون في قلوب العارفين الربانيين أعظم من الجبال الرواسي، وأطيب وأحلى وألذ من كل اللذات.

وذلك بإثبات أنه (العلي الأعلى) بكل وجه واعتبار: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، فعلو الذات هو أنه مستو على عرشه فوق جميع خلقه، مباين لهم، وهو مع هذا مطلع على أحوالهم، مشاهد لهم، مدبر لأمورهم الظاهرة والباطنة، متكلم بأحكامه القدرية وتدبيراته الكونية وبأحكامه الشرعية. وأما علو القدر فهو أن صفاته كلها صفات كمال، وله من كل وصف ونعت أكمله وغايته. وأما علو القهر فهو قهره تعالى لجميع المخلوقات، فالعالم العلوي والسفلي كلهم خاضعون لعظمته مفتقرون إليه في كل شئونهم.
ومن أسمائه العظيمة (الأول، والآخر، والظاهر، والباطن) وقد فسرها صلى الله عليه وسلم تفسيراً كاملاً واضحاً فقال: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء".. ففسر كل اسم بكل معناه، ونفى عنه كل ما يضاده، فمهما قدر المقدرون وفرض الفارضون من الأوقات السابقة المتسلسلة إلى غير نهاية فالله قبل ذلك، وكل وقت لاحق مهما قدر وفرض فالله بعد ذلك. ولهذا لا يستحق اسم (واجب الوجود) إلا هو، فمن خصائصه أنه لا يكون إلا موجوداً كاملاً فلا يشاركه في وجوب الوجود أحد، فوجوب وجوده بنعوته الكاملة في جميع الأوقات، وهو الذي أوجد الأوقات وجميع الموجودات، وكلها مستندة في وجودها وبقائها إلى الله، فالأول والآخر يتضمنان إحاطته بجميع الأزمنة وجميع المخلوقات من كل وجه، والظاهر والباطن يقتضيان إحاطته بجميع الأمكنة وأنها تنتهي إلى الله في العلو والقرب، ولا منافاة بين الأمرين في حقه تعالى لأنه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، فهو العلي في دنوه القريب في علوه.

ومن أسمائه الحسنى (الكبير، العظيم، الجليل) وهو الذي له كل عظمة وكبرياء وجلال: ومعاني العظمة نوعان: أحدهما أنه متصف بصفات المجد والعظمة والكبرياء، الثاني أنه يستحق أن يعظم غاية التعظيم، ويخضع العباد لجلاله وكبريائه وإخلاص المحبة والعبودية له. ومن كمال عظمته تنزيهه عن كل صفة نقص، وتقديسه عن أن يماثله أحد من خلقه.
ومن أسمائه (الجليل، الجميل) وما أحسن الجمع بينهما، فإن "الجليل" من له صفات الجلال والكبرياء والعظمة، و "الجميل" من له نعوت الحسن والإحسان، فإنه جميل في ذاته، وجمال المخلوقات بأسرها من آثار جماله، وهو الذي أعطاهم الجمال، فمعطي الجمال أحق بالجمال. وهو جميل في أسمائه لأنها كلها حسنى. وجميل في صفاته إذ كلها صفات كمال. وجميل في أفعاله فلا أحسن منه حكماً ولا وصفاً.

ومن أسمائه العظيمة (الحميد، المجيد) فالحمد كثرة الصفات والخيرات، والمجد عظمة الصفات وسعتها، فهو الحميد لكثرة صفاته الحميدة، المجيد لعظمتها وعظمة ملكه وسلطانه، فهو يقارب الجمع بين الجليل والجميل.

ومن أسمائه الحسنى (السميع، البصير) الذي يسمع جميع الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، فالسر عنده علانية والبعيد عنده قريب، ويرى دبيب النملة السوداء في جوف الصخور في الليالي المظلمة وجريان القوت في أعضائها وعروقها الدقيقة الضئيلة، وسريان المياه في أغصان الأشجار والنبات، ويرى خيانات الأعين، وما هو في أخفى الأمكنة.
ومن أسمائه الحسنى (العليم) الذي أحاط علمه بكل شيء، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. ويعلم الواجبات والممتنعات والجائزات وما في أقطار العالم العلوي والسفلي (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) سورة الأنعام آية 59، (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) سورة طه آية 7.
وهو تعالى لم يزل ولا يزال (متكلماً) بكلماته الكونية والشرعية (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً) صدقاً في الأخبار وعدلاً في أوامرها ونواهيها (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) سورة لقمان آية 27 وكلامه تعالى نوعان: نوع بلا واسطة كما كلم موسى وآدم وحواء ومحمداً ليلة المعراج ويكلم عباده في الآخرة وفي الجنة، ونوع بواسطة أنبيائه ورسله.
ومن أسمائه (القوي، العزيز، المتين، القدير) ومعانيها متقاربة تقتضي كمال قوته وعظمته وكبريائه فلا يملك الخلق نفعه فينفعونه ولا ضره فيضرونه، وكمال اقتداره على جميع الموجودات والمعدومات، وأن جميع العالم طوع قدرته ومشيئته يتصرف فيها بما شاء وكيف يشاء (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) سورة يس آية 82 وقال تعالى: (إِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا) سورة يونس آية 65 وهي عزة الامتناع والقوة والقهر والغلبة، كلها قد كملت لله الواحد القهار من جميع الوجوه.

ومن أسمائه (الغني) بذاته عن جميع مخلوقاته، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه بوجه من الوجوه فكل المخلوقات مفتقرة إليه في إيجادها وإعدادها وإمدادها في أمور دينها ودنياها في جلب المنافع ودفع المضار، وهو الذي أغناها وأقناها، ومن كمال غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولم يكن له كفواً أحد، ومن سعة غناه أن جميع الخيرات والعطايا والنعم في الدنيا والآخرة والنعيم المقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قطرة من بحر غناه وجوده وكرمه، فهو الغني بذاته المستغني عن جميع مخلوقاته، المغني لعباده بما أدره عليهم من الخيرات وأنزله من البركات.

ومن أسمائه الحسنى (الحكيم) وهو الذي يضع الأمور مواضعها اللائقة بها وله الأحكام الشرعية والأحكام القدرية، وله الحكمة في شرعه والحكمة في قدره، فأحكامه الشرعية هي ما جاءت به الرسل، وهي متعلق رضاه ومحبته ومناط أمره ونهيه، والأحكام الكونية القدرية وهي جميع التدابير جليلها وصغيرها الواقعة في العالم العلوي والعالم السفلي، وقد يجتمع في حق المؤمن الحكمان إذا أطاع الله، وقد ينفرد الحكم القدري في وجود ما وجد من المعاصي والمباحات، ولذلك يقال: من وافق الحكم الشرعي فقد وافق رضى الله تعالى ومحبته، فإن الله يحب المؤمنين والمتقين والصابرين. ومن وافق حكمه القدري فقط فإن كان معصية فله الذم والعقوبة لمخالفته لأمر الله وتجرئه على معاصيه، وإن كان مباحاً فلا له ولا عليه، ولكن قد يفوته من الخير ما هو يصدد فعله. والقضاء صفة لله، والله لا يوصف إلا بكل وصف جميل، والمقضي فعل الإنسان وصنعته وهو ينقسم إلى محمود ومذموم ومباح فلذلك وجب التفصيل في الرضا بالقضا، فالرضا بنفس ما يقدره ويرضاه بقطع النظر عن فعل العبد لازم، والرضا بالمقضي الذي هو فعل العبد فيه تفصيل بحسبه إن كان خيراً تعين الرضاء به وإن كان شراً تعين عدم الرضاء، فأحكام الرب القدرية والشرعية وكذلك أحكام الجزاء كلها متضمن لها اسمه (الحكيم) وهو الذي له الحكم بين عباده الذي لا حاكم إلا هو بالحق والعدل والحمد.

وأما الحكمة فهي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها اللائقة بها، وهو تعالى قد أتقن ما صنعه وأحسن ما شرعه، فالمخلوقات كلها والشرائع مشتملات على الحِكَم والغايات الحميدة، كما أنها في نفسها في غاية الإحكام، فمن أجَلِّ الغايات في ذلك أنه خلق الخلق وشرع الأمر ليعرف بأسمائه وصفاته، وليعبد وحده لا شريك له، ويحمد ويشكر ويثنى عليه، ويخلص له الدين، وكذلك ليبتلي عباده أيهم أحسن عملاً، وليجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها، فالحكيم هو الحاكم بين عباده في أقداره وشرائعه وجزائه وكون أحكامه في نفسها جارية على الحكم والحق في أصلها وفرعها وغاياتها وثمراتها وتفصيل هذه الجمل كثير جداً.

فصل
ومن أسمائه (الحليم، الحي، الستار، الصبور، العفو)، وكل هذه الأسماء تتعلق بجرائم العباد وذنوبهم، فإنه تعالى الجواد المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات، فكما أنه الجواد بإعطاء الخيرات ونيل المواهب والهبات والبركات فإنه الجواد بالحلم عن العاصين. والستر على المخالفين، والصبر على المحاربين له ولرسله المبارزين، والعفو عن الذنوب. فالعباد يبارزونه بالعظائم وبما يغضبه، وهو تعالى يسدي إليهم النعم ويصرف عنهم النقم كأنهم لم يعصوه، ويعافيهم ويرزقهم كأنهم لم يزالوا يشكرونه، وكذلك لا يزالون مقيمين على ما يوجب أخذهم بالعقوبات المتنوعة، وهو يمهلهم ليتوبوا، ويذكرهم لينيبوا، والعبد يجاهره بالمخالفات والرب يستحي من فضيحته ويسدل عليه ستره القدري وستره الشرعي (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ) سورة فاطر آية 45 هذا مع كمال غناه عنهم، وكمال قدرته عليهم، ونهاية حاجتهم وفقرهم إليه، واضطرارهم إليه في كل لحظة ونفس. وفي الحديث الصحيح "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله يجعلون له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم" وفي الصحيحين مرفوعاً "قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك. وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك. أما تكذيبه إياي فقوله إن لي ولداً وأنا الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وأما شتمه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته" هذا وهو تعالى يسمع ما يقولون ويعلم ما تكن صدورهم وما به يتفوهون، وهو يلاطفهم بنعمه، ويتحبب إليهم بكرمه، فيا ويح المعرضين عنه ماذا حرموا من الخيرات، ويا سعادة المنقطعين إليه ماذا ادخر لهم من الألطاف والكرامات، ويا بؤس العاصين ما أقل حياءهم وأعظم شقائهم وأشد جرأتهم.

فصل
ومن أسمائه الحسنى (الشهيد، والرقيب) وهو المطلع على ما في الضمائر وأكنته السرائر ولحظته العيون وما اختفى في خبايا الصدور، فكيف الأقوال والأفعال الظاهرة. ومقام الإحسان الذي هو مقام "المراقبة" التعبد لله بهذين الاسمين الكريمين، وحفظ الخواطر أن تساكن ما لا يحب الاطلاع عليه.

ومن أسمائه (الحفيظ) وهو يتضمن شيئين: حفظه على العباد جميع ما عملوه بعلمه وكتابته وأمره الكرام الكاتبين بحفظه، وحفظه لعباده من جميع المكاره والشرور، وأخص من هذا حفظه لخواص عباده الذين حفظوا وصيته وحفظوه بالغيب بحفظ إيمانهم من النقص والخلل، وحفظهم وحمايتهم من الخطل والزلل، وحفظه عليهم دينهم ودنياهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم "احفظ الله يحفظك". أي احفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده لا تتعدها، يحفظك في دينك ودنياك.

ومن أسمائه الحسنى (اللطيف) الذي لطف علمه حتى أدرك الخفايا والخبايا، وما احتوت عليه الصدور، وما في الأراضي من خفايا البذور. ولطف بأوليائه وأصفيائه فيسرهم لليسرى، وجنبهم العسرى، وسهل لهم كل طريق يوصل إلى مرضاته وكرامته، وحفظهم من كل سبب ووسيلة توصل إلى سخطه، من طرق يشعرون بها، ومن طرق لا يشعرون بها. وقدر عليهم أموراً يكرهونها لينيلهم ما يحبون، فلطف بهم في أنفسهم فأجراهم على عوائده الجميلة وصنائعه الكريمة، ولطف لهم في أمور خارجة عنهم لهم فيها كل خير وصلاح ونجاح، فاللطيف مقارب لمعاني الخبير الرؤوف الكريم.
ومن أسمائه (الرفيق) في أفعاله وشرعه. ومن تأمل ما احتوى عليه شرعه من الرفق وشرع الأحكام شيئاً بعد شيء وجريانها على وجه السداد واليسر ومناسبة العباد وما في خلقه من الحكمة إذ خلق الخلق أطواراً، ونقلهم من حالة إلى أخرى لحكم وأسرار لا تحيط بها العقول، وهو تعالى يحب من عباده أهل الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ويسر من جرى على ما يحبه أموره كلها.

والرفق من العبد لا ينافي الحزم، فيكون رفيقاً في أموره متأنياً، ومع ذلك لا يفوت الفرص إذا سنحت، ولا يهملها إذا عرضت.
ومن أسمائه (المجيب) لجميع الداعين، وإجابة خاصة للمضطرين، وأخص من ذلك إجابته للمحبين الخاضعين لعظمته المنكسرة قلوبهم من أجله، فإجابته تعالى عامة للمخلوقات برها وفاجرها، بإعطائهم ما سألوه بلسان المقال، وما احتاجوه بلسان الحال، كما قال تعالى (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) سورة إبراهيم من آية 34، والإجابة المذكورة أسبابها في الكتاب والسنة كإجابته للمضطرين وللمحبين والوالد لولده والمسافر والمريض ونحوهم.
ومن أسمائه (المغيث) وهو المنقذ من الشدائد الفادحة والكروب (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) سورة الأنعام آية 63.
ومن أسمائه الحسنى (الجواد، الكريم، الوهاب) الذي عم بجوده أهل السماء والأرض، فما بالعباد من نعمة فمنه، وهو الذي إذا مسهم الضر فإليه يرجعون، وبه يتضرعون فلا يخلو مخلوق من إحسانه طرفة عين، ولكن يتفاوت العباد في إفاضة الجود عليهم بحسب ما من عليهم من الأساليب المقتضية لجوده وكرمه، وأعظمها تكميل عبودية الله الظاهرة والباطنة، العلمية والعملية، القولية والفعلية، والمالية، وتحقيقها باتباع محمد صلى الله عليه وسلم في الحركات والسكنات.

فصل

ومن أسمائه الحسنى (الودود) بمعنى الواد وبمعنى المودود، فهو المحبوب لأنبيائه ورسله وأتباعهم محبة لا يشبهها ولا يماثلها شيء من المحاب، كما أن محبوبه ليس كمثله شيء في كماله، فلا يرون كمالاً لهم ولا صلاحاً ولا فلاحاً إلا بمحبة ربهم، ومحبته في قلوبهم أحلى من كل شيء وألذ من كل شيء وأقوى من كل شيء، وبقوة محبته قاموا بعبوديته الظاهرة والباطنة، وروح العبودية هي المحبة وهو الذي وضع هذه المحبة في قلوبهم فأحبوه، وكل من كانت محبته أكمل كانت عبوديته لله أقوى وأتم يحبون ربهم لذاته، ويحبونه لما قام به من صفات الكمال ونعوت الجلال والجمال، ويحبونه لما يغذوهم به من نعمه الظاهرة والباطنة، وخصوصاً أكبر النعم وهو نعمة الإسلام الخالص والإيمان الكامل، وهو تعالى يحبهم لكمال إحسانه وسعة بره، بل حبهم لله تعالى محفوف بحبين منه لهم: حب وضعه في قلوبهم فانقادوا له طوعاً واطمأنت به قلوبهم، ثم أحبهم جزاء حبهم، وكمل لهم محبته. والفضل كله منه، والمنة لله أولاً وآخراً، فمن تقرب منه شبراً تقرب الله منه ذراعاً، ومن تقرب منه ذراعاً تقرب منه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة، كما نطق به الصادق المصدوق.

ومن أسمائه الحسنى (الشكور) وهو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل، ولا يضيع أجر من أحسن عملاً، بل يضاعفه أضعافاً مضاعفة بغير عد ولا حساب. ومن شكره أنه يجزي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد يجزي الله العبد على العمل بأنواع من الثواب العاجل قبل الآجل، وليس عليه حق واجب بمقتضى أعمال العباد، وإنما هو الذي أوجب الحق على نفسه كرماً منه وجوداً، والله لا يضيع أجر العاملين إذا أحسنوا في أعمالهم وأخلصوها لله تعالى.
ومن أسمائه الحسنى (الغفور، الغفار، التواب) الذي يغفر ذنوب التائبين الغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى، الرجاع لعباده بالخيرات وحلول البركات ومغفرة الذنوب وستر العيوب. وتوبة العبد محفوفة بتوبتين من ربه: تاب عليه أولاً فأقبل بقلبه على التوبة والإنابة والرجوع، ثم تاب عليه ثانياً بالقبول والجزاء والإحسان.

فصل
ومن أسمائه الحسنى (الصمد) وهو الذي صمدت له المخلوقات بحاجاتها وملماتها الدقيقة والجليلة، وذلك لكمال عظمته وسعة جوده وسلطانه وعظمة صفاته.
ومن أسمائه (القهار، الجبار) وهو القوي العزيز الذي قهر المخلوقات كلها، ودانت له الموجودات بأسرها. ومن لوازم قهره أنه يقتضي أنه كامل الحياة والعلم والقدرة. والجبار بمعنى القهار، وبمعنى أنه يجبر الكسير، ويغني الفقير، ويجبر القلوب المنكسرة من أجله، ويجبر عبده المؤمن بإصلاح حاله، وهو بمعنى العلي الأعلى، وبمعنى المتكبر عن كل نقص وسوء ومثال.
ومن أسمائه (الحسيب) بمعنى الرقيب المحاسب لعباده المتولي جزاءهم بالعدل والفضل، وبمعنى الكافي عبده همومه وغمومه، وأخص من ذلك أنه الحسيب للمتوكلين (وَمَن يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) أي كافيه أمور دينه ودنياه.
وهو (الرشيد) وهو الذي أقواله رشد، وأفعاله رشد، وهو مرشد الحائرين في الطريق الحسي والضالين في الطريق المعنوي، فيرشد الخلق بما شرعه على ألسنة رسله من الهداية الكاملة، ويرشد عبده المؤمن، إذا خضع له وأخلص عمله أرشده إلى جميع مصالحه، ويسره لليسرى وجنبه العسرى.
ومن أسمائه (الحكم، العدل) الذي إليه الحكم في كل شيء فيحكم تعالى بشرعه، ويبين لعباده جميع الطرق التي يحكم بها بين المتخاصمين، ويفصل بين المتنازعين. من الطرق العادلة الحكيمة، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويحكم فيهم بأحكام القضاء والقدر، فيجري عليهم منها ما تقتضيه حكمته، ويضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها، ويقضي بينهم يوم الجزاء والحساب، فيقضي بينهم بالحق، ويحمده الخلائق على حكمه حتى من قضى عليهم بالعذاب يعترفون له بالعدل وأنه لم يظلمهم مثقال ذرة.

فصل
ومن أسمائه (القدوس والسلام)، وهو المعظم المقدس عن كل عيب، السالم من كل نقص، ومن أن يكون له مثل أو كفو أو نديد أو سمي، وذلك لكماله وكمال أسمائه الحسنى وصفاته العلى.

ومن أسمائه (الفتاح)، وفتحه نوعان: فتح بأحكامه القدرية والشرعية والجزائية، وهو حكمه بين عباده، يشرع الشرائع ويسن لعباده الأحكام والوسائل والطرق التي يهتدون بها إلى جميع منافعهم ومصالحهم، ويحكم بين الرسل وأتباعهم وبين أعدائهم، فيكرم الرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، ويهين أعداءهم ويكون هذا أكبر دليل على أن هؤلاء على الحق وأولئك على الباطل. والنوع الثاني فتحه لعباده الرحمة والبركات، قال تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ). ويفتح لعبده المؤمن أبواب المعارف وحلاوة الإيمان وسرور اليقين وسهولة الطاعات وتيسير القربات. اللهم افتح علينا فتوحك على العارفين.

ومن أسمائه (الرزاق) لجميع المخلوقات، فما من موجود في العالم العلوي والعالم السفلي إلا متمتع برزقه، مغمور بكرمه. ورزقه نوعان: أحدهما الرزق النافع الذي لا تبعة فيه. وهو موصل للعبد إلى أعلى الغايات، وهو الذي على يد الرسول صلى الله عليه وسلم بهدايته وإرشاده. وهو نوعان أيضاً: رزق القلوب بالعلوم النافعة والإيمان الصحيح، فإن القلوب لا تصلح ولا تفلح ولا تشبع حتى يحصل لها العلم بالحقائق النافعة والعقائد الصائبة، ثم التخلق بالأخلاق الجميلة والتنزه عن الأخلاق الرذيلة، وما جاء به الرسول كفيل بالأمر على أكمل وجه، بل لا طريق لها إلا من طريقه. والنوع الثاني أن يغني الله عبده بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه. والأول هو المقصود الأعظم وهذا وسيلة إليه ومعين له، فإذا رزق الله العبد العلم النافع والإيمان الصحيح والرزق الحلال والقناعة بما أعطاه الله منه فقد تمت أموره واستقامت أحواله الدينية والبدنية. وهذا النوع من الرزق هو الذي مدحته النصوص النبوية واشتملت عليه الأدعية النافعة. وأما النوع الثاني وهو إيصال الباري جميع الأقوات التي تتغذى بها المخلوقات برها وفاجرها المكلفون وغيرهم فهذا قد يكون من الحرام كما يكون من الحلال. وهذا فصل النزاع في مسألة هل الحرام يسمى رزقاً أم لا، فإن أريد النوع الأول من الرزق المطلق الذي لا تبعة فيه فلا يدخل فيه الحرام فإن العبد إذا سأل ربه أن يرزقه فلا يريد به إلا الرزق النافع في الدين والبدن وهو النوع الأول، وإن أريد به مطلق الرزق وهو النوع الثاني فهو داخل فيه فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. ومثل هذا يقال في النعمة والرحمة ونحوها.

ومن أسمائه الحسنى (النور) فالنور وصفه العظيم، فأسماؤه حسنى، وصفاته أكمل الصفات، وأفعاله تعالى رحمة وحمد وحكمة، وهو نور السموات والأرض. وبنوره استنارت قلوب المؤمنين، وبنوره استنارت جنات النعيم. وحجابه نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. والنور الذي هو وصفه من جملة نعوته العظيمة.

وأما النور المخلوق فهو نوعان: نور حسي كنور الشمس والقمر والكواكب وسائر المخلوقات المدرك نورها بالأبصار، والثاني نور معنوي وهو نور المعرفة والإيمان والطاعة، فإن لها نوراً في قلوب المؤمنين بحسب ما قام في قلوبهم من حقائق المعرفة ومواجيد الإيمان وحلاوة الطاعة وسرور المحبة. وهذا النور هو الذي يمنع صاحبه من المعاصي ويجذبه إلى الخير ويدعو إلى كمال الإخلاص لله، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً ومن بين يدي نوراً ومن خلفي نوراً وفوقي نوراً وتحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً وزدني نوراً". وهذا النور الذي يعطيه الله عبده أعظم منة منه عليه، وهو أصل الخير، وهذا النور مهما قوي فإنه مخلوق، فإياك أن تضعف بصيرتك ويقل تمييزك وعلمك فتظن هذا النور نور العيان ومشاهدة القلب لنور الذات المقدسة، وإنما هو نور المعرفة والإيمان، ويبتلى بهذا بعض الصوفية الذين ترد عليهم الواردات القوية فيقع منهم من الشطح والخطل ما ينافي العلم والإيمان، كما أن كثيف الطبع جافي القلب قد تراكمت عليه الظلمات وتوالت عليه الغفلات فلم يكن له من هذا النور حظ ولا نصيب، بل ربما ازدرى من سفاهة عقله وقلة وجده هذه الأحوال وزهد فيها، فمتى مَنَّ الله على العبد بمعرفة صحيحة متلقاة من الكتاب والسنة وتفقه في أسماء الله وصفاته وتعبد الله بها واجتهد أن يحقق مقام الإحسان فيعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه ولهج بذكر الله تعالى استنار قلبه وحصل له من لذة المعرفة وموجد الإيمان أعظم اللذات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

فصل
ومن أسمائه الحسنى (المقدم، والمؤخر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع) من أسمائه الحسنى ما يؤتى به مفرداً ويؤتى به مقروناً مع غيره وهو أكثر الأسماء الحسنى، فيدل ذلك على أن لله كمالاً من إفراد كل من الاسمين فأكثر، وكمالاً من اجتماعهما أو اجتماعها.

ومن أسمائه ما لا يؤتى به إلا مع مقابلة الاسم الآخر لأن الكمال الحقيقي تمامه لا يؤتى به إلا مع مقابلة الاسم الآخر لأن الكمال الحقيقي تمامه وكماله من اجتماعهما، وذلك مثل هذه الأسماء، وهي متعلقة بأفعاله الصادرة عن إرادته النافذة وقدرته الكاملة وحكمته الشاملة، فهو تعالى المقدم في الزمان والمكان والأوصاف الحسية، والمقدم في الفضائل والأوصاف المعنوية، والمؤخر لمن شاء في ذلك، المعطي من شاء من القوة والقوى الحسية والعقل والمعارف والكمالات المتنوعة، المانع لمن يشاء ممن لا يستحق ذلك، وهو تعالى النافع لمن شاء من عباده بالمنافع الدينية والدنيوية، الضار لمن فعل الأسباب التي توجب ذلك، وكل هذا تبع لحكمته وسننه الكونية وللأسباب التي جعلها موصلة إلى مسبباتها، فإن الله تعالى جعل مقاصد للخلق وأموراً محبوبة في الدين والدنيا، وجعل لها أسباباً وطرقاً، وأمر بسلوكها ويسرها لعباده غاية التيسير، فمن سلكها أوصلته إلى المقصود النافع، ومن تركها أو ترك بعضها أو فوت كمالها أو أتاها على وجه ناقص ففاته الكمال المطلوب فلا يلومن إلا نفسه، وليس له حجة على الله، فإن الله أعطاه السمع والبصر والفؤاد والقوة والقدرة وهداه النجدين وبين له الأسباب والمسببات ولم يمنعه طريقاً يوصل إلى خير ديني ولا دنيوي، فتخلفه عن هذه الأمور يوجب أن يكون هو الملوم عليها المذموم على تركها.

واعلم أن صفات الأفعال التي منها هذه الأسماء كلها متعلقة وصادرة عن هذه الصفات الثلاث: القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة، والحكمة الشاملة التامة وهي كلها قائمة بالله، والله متصف بها، وآثارها ومقتضياتها جميع ما يصدر عنها في الكون كله من التقديم والتأخير والنفع والضر والعطاء والحرمان والخفض والرفع، لا فرق بين محسوسها ومعقولها، ولا بين دينيها ودنيويها. فهذا معنى كونها أوصاف أفعال لا كما ظنه أهل الكلام الباطل أن الفعل هو عين المفعول، وأنه لم يقم بالله منها وصف، فهذا مخالف للعقل والنقل، وقول متناقض في نفسه، فإن الآثار تدل على المؤثر كما أن الوصف يدل على الأثر، فهما شيئان متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، دل الكتاب والسنة والعقل على ذلك، فمن فرق بينهما فأثبت المفعول ونفى الفعل فقوله غير معقول ولا منقول.

واعلم أن الأفعال الاختيارية للباري نوعان: نوع متعلق بذاته المقدسة كالاستواء على العرش والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا والمجيء والإتيان ونحوها، ونوع متعلق بالمخلوقات كالخلق والرزق والعطاء والمنع وأنواع التدابير الكونية والشرعية والله أعلم.

فصل
أسماء الله كلها حسنى، وكلها تدل على الكمال المطلق والحمد المطلق، وكلها مشتقة من أوصافها، فالوصف فيها لا ينافي العلمية، والعلمية لا تنافي الوصف، ودلالتها ثلاثة أنواع: دلالة مطابقة إذا سرنا الاسم بجميع مدلوله، ودلالة تَضَمُّن إذا فسرناه ببعض مدلوله، ودلالة التزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف هذا الاسم عليها. فمثلاً (الرحمن) دلالته على الرحمة والذات ودلالة مطابقة، وعلى أحدهما دلالة تضمن لأنها داخلة في الضمن، ودلالته على الأسماء التي لا توجد الرحمة إلا بثبوتها كالحياة والعلم والإرادة والقدرة ونحوها دلالة التزام، وهذه الأخيرة تحتاج إلى قوة فكر وتأمل، ويتفاوت فيها أهل العلم، فالطريق إلى معرفتها أنك إذا فهمت اللفظ وما يدل عليه من المعنى وفهمته فهماً جيداً ففكر فيما يتوقف عليه ولا يتم بدونه، وهذه القاعدة تنفعك في جميع النصوص الشرعية فدلالاتها الثلاث كلها حجة لأنها معصومة محكمة.

المصدر: إتحاف الخلق بمعرفة الخالق
فضيلة الشيخ: عبد الله بن جار الله آل جار الله