طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17751

حقوق الوالدين على الأبناء

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/03/12
تاريخ النشر : 1441/08/21
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

لَقَدْ تَكَرَّرَتْ وَصِيَّةُ اللهِ بِالْوَالِدَيْنِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلَمْ تَرِدْ تَوْصِيَةُ الْوَالِدَيْنِ بِالْوَلَدِ إِلَّا قَلِيلًا؛ ذَلِكَ أَنَّ فِطْرَةَ الْأُبُوَّةِ كَفِيلَةٌ بِرِعَايَةِ الْوَلِيدِ مُنْذُ طُفُولَتِهِ، فَهُمَا مَدْفُوعَانِ لِرِعَايَتِهِ، وَيَبْذُلَانِ لَهُ مَا يَمْلِكَانِ مِنْ غَالٍ وَعَزِيزٍ، مِنْ غَيْرِ تَأَفُّفٍ وَلَا شَكْوَى….

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

الْحَمْدُ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: أَتَدْرُونَ مَا أَعْظَمُ الْحُقُوقِ بَعْدَ حَقِّ اللهِ -تَعَالَى-؟ أَتَوَدُّونَ مَعْرِفَةَ وَصِيَّةِ اللهِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ بِعِبَادَتِهِ؟ أَتَعْلَمُونَ مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؟

إِنَّهُ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ، فَقَدْ أَنْبَأَنَا بِهِ مَوْلَانَا فَقَالَ: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)[الإسراء:23]، فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ وَالِدَيْهِ وَهُمَا مِنْ جِنْسِهِ فَأَنَّى لَهُ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّ رَبِّهِ؟! وَهُمَا وَصِيَّةُ اللهِ لِعِبَادِهِ؛ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)[لقمان:14]؛ فَعِبَادَتُهُمَا تَلِي عِبَادَةَ اللهِ، وَشُكْرُهُمَا يَعْقُبُ شُكْرَهُ، وَعُقُوقُهُمَا يَتْبَعُ الْإِشْرَاكَ بِهِ؛ (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)[الأنعام:151]، فَفِي عَطْفِ الْأَمْرِ بِحَقِّهِمَا بَعْدَ النَّهْىِ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، مَزِيدُ اهْتِمَامٍ بِهِمَا، وَاحْتِفَاءٍ بِقَدْرِهِمَا، وَتَنْوِيهٍ بِفَضْلِهِمَا؛ فَهُمَا مَنْ يَقُومَانِ عَلَى تَرْبِيَتِهِ، وَيَسْهَرَانِ عَلَى تَنْشِئَتِهِ، وَلَا تَنْقَطِعُ رِعَايَتُهُمَا لَهُ وَإِنْ بَلَغَ الْكِبَرَ، وَمِنْ هُنَا كَانَ لَهُمَا حَقٌّ فِي عُنُقِ الْأَبْنَاءِ تُوجِبُهُ الْمُرُوءَةُ، وَيَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ، قَبْلَ أَنْ يُوجِبَهُ الدِّينُ وَتَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ.

 

وَلَقَدْ تَكَرَّرَتْ وَصِيَّةُ اللهِ بِالْوَالِدَيْنِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلَمْ تَرِدْ تَوْصِيَةُ الْوَالِدَيْنِ بِالْوَلَدِ إِلَّا قَلِيلًا؛ ذَلِكَ أَنَّ فِطْرَةَ الْأُبُوَّةِ كَفِيلَةٌ بِرِعَايَةِ الْوَلِيدِ مُنْذُ طُفُولَتِهِ، فَهُمَا مَدْفُوعَانِ لِرِعَايَتِهِ، وَيَبْذُلَانِ لَهُ مَا يَمْلِكَانِ مِنْ غَالٍ وَعَزِيزٍ، مِنْ غَيْرِ تَأَفُّفٍ وَلَا شَكْوَى، وَلِذَلِكَ جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْأَبْنَاءِ؛ لِيَلْتَفِتُوا إِلَى الْجِيلِ الْمُضَحِّي لِأَجْلِهِمْ، الذَّاهِبِ فِي أَدْبَارِ الْحَيَاةِ، بَعْدَ مَا سَكَبَ عُصَارَةَ أَيَّامِهِ وَأَفْضَلِ سِنِينَ عُمُرِهِ!

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ أَدَاءَ حُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ، وَالْجِهَادَ فِي إِرْضَائِهِمَا وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمَا خَيْرٌ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ سَأَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ“. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: “إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَإِنَّ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ دَأَبُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فَقَدِ امْتَدَحَ اللهُ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ، فَقَالَ عَن يَحْيَى –عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)[مريم: 14]، وَقَالَ عَنْ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)[مريم: 32]. وَهُمَا جَوَازُ الْعُبُورِ إِلَى الْجَنَّةِ، كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، شَهِدْتُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ الله، وَصَلَّيْتُ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ زَكَاةَ مَالِي، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا -وَنَصَبَ أُصْبُعَيْهِ-، مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِلْوَالِدَيْنِ حُقُوقًا حَالَ حَيَاتِهِمَا، وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا -أَيْضًا-؛ فَلَا يَنْقَطِعُ لَهُمَا حَقٌّ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُمَا وَاجِبٌ، أَمَّا حُقُوقُهُمَا فِي الْحَيَاةِ فَهِيَ:

أَوَّلًا: طَاعَتُهُمَا وَالْبِرُّ بِهِمَا: وَيَكُونُ ذَلِكَ بِلِينِ الْخِطَابِ، وَالتَّلَطُّفِ بِالْكَلَامِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، وَإِدْخَالِ السَّعَادَةِ وَالسُّرُورِ لِقَلْبَيْهِمَا، وَالْبِدَارِ إِلَى خِدْمَتِهِمَا دُونَ تَبَرُّمٍ أَوْ تَأَفُّفٍ، وَالْحذَرِ مِنِ ارْتِفَاعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُمَا، وَالْإِصْغَاءِ لِأَمْرِهِمَا، وَالْإِقْبَالِ بِالْوَجْهِ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْحَدِيثِ، وَالْإِنْصَاتِ إِلَيْهِمَا وَعَدَمِ مُنَازَعَتِهِمَا الْكَلَامَ، وَمُقَابَلَتِهِمَا بِالْبِشْرِ وَالْحُبِّ، وَالِابْتِعَادِ عَنِ الْعُبُوسِ وَالْغَضَبِ، وَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ -تَعَالَى-: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[الإسراء: 23- 24].

 

وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الطَّاعَةُ بِلَا تَذَمُّرٍ، وَالْبِرُّ دُونَ تَأَفُّفٍ، أَمَّا إِذَا أَمَرَا بِمَعْصِيَةٍ فَلَا طَاعَةَ؛ (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)[لقمان:15]، فَإِلَى هُنَا يَسْقُطُ وَاجِبُ الطَّاعَةِ، وَتَعْلُو رَابِطَةُ الْعَقِيدَةِ، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -وَهُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْأَوَّلِ- بِعَدَمِ الطَّاعَةِ لَهُمَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَوْلَى وَأَلْزَمُ، وَطَاعَتُهُ تَجُبُّ كُلَّ طَاعَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا فِي الْمُعَامَلَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالصُّحْبَةِ الْكَرِيمَةِ؛ فَيَبْقَى لَهُمَا اللُّطْفُ وَالرِّفْقُ، وَالتَّعَامُلُ بِالْإِحْسَانِ.

 

كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَارًّا بِأُمَّهِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَالَتْ: يَا سَعْدُ! مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكَ قَدْ أَحْدَثْتَ؟ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذَا، أَوْ لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوتَ، فَتُعَيَّرَ بِي، فَيُقَالُ: يَا قَاتِلَ أُمِّهِ! فَقَالَ: لَا تَفْعَلِي يَا أُمَّهْ؛ فَإِنِّي لَا أَدَعُ دِينِي أَبَدًا، فَمَكَثَتْ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ لَا تَأْكُلُ، فَأَصْبَحَتْ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهَا الْجَهْدُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: يَا أُمَّهْ، تَعْلَمِينَ أَنِّي أَبَرُّ النَّاسِ بِكِ، وَوَاللهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا مَا تَرَكْتُ دِينِي، فَإِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتِ لَا تَأْكُلِي؛ فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ.(تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ).

 

وَأَعْظَمُ مَا فِي طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ أَنْ يَتَفَانَى الْوَلَدُ فِي طَاعَتِهِمَا مَعَ شُعُورِهِ بِالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِمَا؛ فَلَا يَمْنُنْ عَلَيْهِمَا بِخِدْمَةٍ، وَلَا يَتَأَفَّفُ مِنْهُمَا لِطَاعَةٍ.

عَلَيْكُمْ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهَا *** وَصِيَّةُ مَوْلَانَا وَلَيْسَ لَهُ ضِدُّ

وَقَارَنَ شُكْرَ الْوَالِدَيْنِ بِشُكْرِهِ *** لَهُ الْمَنُّ وَالْآلَاءُ وَالْحَمْدُ وَالْمَجْدُ

 

قَالَتْ عَائِِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: “كَانَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ أَبَرَّ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأُمِّهِمَا: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَحَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ؛ فَأَمَّا عُثْمَان، فَإِنَّهُ قَالَ: مَا قَدَرْتُ أَنْ أَتَأَمَّلَ أُمِّي مُنْذُ أَسْلَمْتُ. وَأَمَّا حَارِثَةُ فَإِنَّهُ كَانَ يَفْلِي رَأْسَ أُمِّهِ، وَيُطْعِمُهَا بِيَدِهِ، وَلَمْ يَسْتَفْهِمْهَا كَلَامًا قَطُّ تَأْمُرُ بِهِ، حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ عِنْدَهَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ: مَاذَا قَالَتْ أُمِّي؟”(الْبِرُّ وَالصِّلَةُ).

 

وَكَانَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ بْنُ الْحُسَيْنِ لَا يَأْكُلُ مَعَ أُمِّهِ، وَكَانَ بَارًّا بِهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ تَسْبِقَ عَيْنُهَا إِلَى شَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ وَأَنَا لَا أَدْرِي فَآكُلُهُ، فَأَكُونُ قَدْ عَقَقْتُها”(الْبِرُّ وَالصِّلَةُ). وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: “بَاتَ أَخِي يُصَلِّي، وَبِتُّ أَغْمِرُ رِجْلَ أُمِّي، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ”(الْبِرُّ وَالصِّلَةُ).

 

ثَانِيًا: نَصِيحَتُهُمَا وَالدُّعَاءُ لَهُمَا: فَأَوْلَى النَّاسِ بِنُصْحِكَ مَنْ أَسْدَيَا إِلَيْكَ الْجَمِيلَ، وَزَرَعَا فِيكَ الْخُلُقَ الْحَسَنَ، مَنْ رَبَّيَاكَ إِذْ كُنْتَ صَغِيرًا، وَعَطَفَا عَلَيْكَ إِذْ كُنْتَ ضَعِيفًا، فَلَا يُجَازَى الْإِحْسَانُ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ؛ فَإِذَا رَأَيْتَ خُلُقًا مِنْهُمَا غَيْرَ سَوِيٍّ فَعَدِّلْهُ بِحِكْمَةٍ، وَإِذَا لَمَحَتْ خَطَأً فَأَصْلِحْهُ بِأُسْلُوبٍ حَسَنٍ، مَعَ دُعَاءِ اللهِ لَهُمَا بِصَلَاحِ الْحَالِ، وَحُسْنِ الْمَآلِ، وَتَأَمَّلْ حَالَ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَعَ أَبِيهِ الْمُشْرِكِ: يُنَادِيهِ بِلَفْظِ الْأُبُوَّةِ؛ (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ)[مريم:45]، فَيَأْتِي الرَّدُّ قَاسِيًا مِنَ الْأَبِ؛ (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)[مريم: 46]، فَيَخْضَعُ الِابْنُ بِالْقَوْلِ: (سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا)[مريم: 47]؛ فَأَيُّ نِعْمَةٍ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ أَبَوَيْكَ مِنْ ضَلَالَةٍ، وَيُنْقِذَهُمَا بِكَ مِنَ الْغَوَايَةِ؟! فَاحْرِصْ عَلَى تَعْلِيمِهِمَا مَا يَجْهَلَانِهِ، وَنُصْحِهِمَا فِيمَا يَقَعَانِ فِيهِ مِنْ تَقْصِيرٍ وَإِسَاءَةٍ.

 

ثَالِثًا: النَّفَقَةُ وَالتَّكَرُّمُ عَلَيْهِمَا: فَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِكَرَمِكَ وَمَالِكَ وَالِدَاكَ، وَمَا تُنْفِقُهُ عَلَيْهِمَا لَيْسَ إِلَّا قَضَاءُ دَيْنٍ، وَرَدُّ جَمِيلٍ؛ فَإِنَّ لَهُمَا فِي مَالِكَ حَقًّا، وَفِي كَسْبِكَ رِزْقًا؛ فَقَدْ أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلٌ فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ مَالِي؟ قَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ“(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

فَلَا تَمْنُنْ وَتَسْتَكْثِرْ، وَلَا تَضْجَرْ وَتَسْتثْقِلْ، فَلَوْ قَضَيْتَ عُمُرَكَ خَادِمًا لَهُمَا مَا وَفَّيْتَ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ عَلَيْهِمَا مَالَكَ مَا كَفَيْتَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أَنْفَقْتَ عَلَيْهِمَا فِي كِبَرِهِمَا، فَقَدْ أَنْفَقَا عَلَيْكَ مَا هُوَ أَكْثَرَ فِي صِغَرِكَ؛ فَمَا تِلْكَ التَّجَاعِيدُ فِي صَفَحَاتِ الْوَجْهِ إِلَّا شَهَادَةُ عَنَاءٍ وَكِفَاحٍ لِأَجْلِكَ، وَمَا الْخُطُوطُ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمَا إِلَّا خُطُوَاتُ الْأَيَّامِ فِي الْكَدِّ لِتَرْبِيَتِكَ، وَمَا أَنْتَ إِلَّا شَجَرَةٌ زَرَعَتْهَا أَيْدِيهِمَا، وَرَعَتْهَا عَيْنَاهُمَا، فَلَمَّا أَثْمَرَتْ وَآتَتْ أُكُلَهَا أَفَلَا يَنَالُهُمَا شَيْءٌ مِنْ ثِمَارِهَا؟!

 

رَابِعًا: حُسْنُ مُعَامَلَتِهِمَا: وَيَكُونُ ذَلِكَ بِشُكْرِهِمَا الَّذِي يَلِي شُكْرَ الْمَوْلَى الْمُتَفَضِّلِ: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)[لقمان: 14]، وَشُكْرُهُمَا قَوْلًا بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ، وَفِعْلًا بِدَوَامِ الطَّاعَةِ؛ فَكَلِمَةُ شُكْرٍ تُنْسِي تَعَبَ السِّنِينَ، وَعِبَارَةُ ثَنَاءٍ تَجْبُرُ كَسْرَ الْأَيَّامِ، وَعِبَارَةُ مَدْحٍ دَاعِيَةٌ لِمَزِيدِ فَضْلٍ وَامْتِنَانٍ. كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِذَا دَخَلَ إِلَى أَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: “السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أُمَّاهُ، فَتَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللهُ كَمَا رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا، فَتَقُولُ: يَا بُنَيَّ: وَأَنْتَ فَجَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، وَرَضِيَ اللهُ عَنْكَ كَمَا بَرَرْتَنِي كَبِيرًا“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَمِنْ حُسْنِ مُعَامَلَتِهِمَا: الْعَطْفُ وَخَفْضُ الْجَنَاحِ لَهُمَا؛ (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)[الإسراء:24]، فَتُشْعِرُهُمَا بِأَنَّهُمَا سَبَبُ الرِّزْقِ وَالْأَمْنِ وَالْبَرَكَةِ لَكَ، وَاسْتَشِرْهُمَا فِي بَعْضِ أَعْمَالِكَ؛ فَتِلْكَ لَفْتَةٌ تَعْنِي الِاهْتِمَامَ وَعَدَمَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ خِدْمَاتِهِمَا، خَاصَّةً وَأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا)[الإسراء:23]، وَتَأَمَّلْ لَفْظَ: (عِنْدَكَ)؛ الَّذِي يُوحِي بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِمَا إِلَيْكَ، فَهُمَا (عِنْدَكَ) وَلَيْسَا فِي دَارِ الْمُسِنِّينَ، وَالْكِبَرُ حَالٌ يُوحِي بِالضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ؛ فَهُمَا لَا يَحْتَاجَانِ لِمَزِيدِ أَكْلٍ وَشَرَابٍ، بَلْ يَحْتَاجَانِ كَلِمَةً طَيِّبَةً، وَلَمْسَةً حَانِيَةً؛ إِذِ الْكَلِمَةُ النَّابِيَةُ تَجْرَحُ مَشَاعِرَهُمَا، وَعُبُوسُ الْوَجْهِ يُكَدِّرُ خَاطِرَهُمَا.

 

وَإِيَّاكَ أَنْ تُغْضِبَهُمَا، أَوْ تَكُونَ سَبَبًا فِي نُزُولِ دَمْعَةٍ شَاخَتْ لِأَجْلِكَ، وَلَا تَسُبَّهُمَا، أَوْ تَتَسَبَّبُ فِي سَبِّهِمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ، وَكَبَائِرِ الذُّنُوبِ.

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: كَمَا أَنَّ لِلْوَالِدَيْنِ حُقُوقًا حَالَ حَيَاتِهِمَا، فَإِنَّ لَهُمَا حُقُوقًا بَعْدَ رَحِيلِهِمَا، وَهِيَ:

أَوَّلًا: الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا: وَهُوَ خُلُقُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فَقَدْ قَالَ نُوحٌ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)[نوح: 28]، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)[إبراهيم:41]، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[الإسراء:24]، وَفِي مُسْلِمٍ، يَقُولُ النَّبِيُّ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: -وَذَكَرَ مِنْهَا-: أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ”.

 

ثَانِيًا: التَّصَدُّقُ عَنْهُمَا؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: “يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ”؛ فَالصَّدَقَةُ عَنْهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا كَفَّارَةٌ وَرِفْعَةٌ، تَصِلُهُمَا إِلَى قَبْرِهِمَا، فَلَا تَبْخَلْ عَنْهُمَا، وَتَذَكَّرْ: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)[الرحمن:60].

 

ثَالِثًا: صِلَةُ رَحِمِهِمَا؛ وَذَلِكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ وُدِّهِمَا وَمَعَارِفِهِمَا؛ فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا“(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ).

 

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ حِمَارَهُ الَّذِي كَانَ يَرْكَبُهُ، وَعِمَامَتَهُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللهُ! إِنَّهُمُ الْأَعْرَابُ، يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ“.

 

فَاللهَ اللهَ بِالْوَالِدَيْنِ؛ طَاعَةً لِلْجَلِيلِ، وَرَدًّا لِلْجَمِيلِ، وَطَلَبًا لِلدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ الْمَوْلَى.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.

 

الملفات المرفقة
حقوق الوالدين على الأبناء
عدد التحميل 52
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات