طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17685

صدق التضرع والالتجاء لرفع البلاء

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1441/08/17
تاريخ النشر : 1441/08/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/لله الأسماء الحسنى والصفات العلا 2/من حكمة الله أن جعل الدنيا دار بلاء 3/الخطوب والملمات سبب اليقظة والمتاب 4/الاهتمام بصحة القلوب مثل الاهتمام بصحة الأبدان 5/عند الجائحة يتعاطف المؤمنون ويتراحمون 6/المسلم نفَّاع لغيره 7/ذكر الله الحصن الحصين
اقتباس

إن الله الذي أنزَل الداءَ بقدرته، وأَذِنَ بالعدوى أن تنتقل بمشيئته، هو الذي يرفع البلاءَ ويكشف الضُّرَّ برحمته، فافزَعُوا إلى الحِصْن الحصين، والدرع الواقي؛ ذِكْر الله ودعائه واستغفاره، والثقة به وحدَه، والاعتماد عليه، والتضرع إليه، والتمسُكن وإبداء العجز والفاقة والذُّلِّ والضَّعْف…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله العلِيِّ الكبير، ذي العَظَمة والجبروت، والجَلَال والسلطان، تعاظَم في ذاته عن الإحاطة والتكييف، وجلَّ في صفاته عن النقائص والتشبيه، أحمده -سبحانه- وأشكره، وأُثني عليه وأستغفره، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ذلَّت لعظمتِه وكبريائِه جميعُ المخلوقات، وخضَعَت لعِزَّته وقهرِه جميعُ الكائنات، فكلُّ شيء سواه مربوب، مفتَقِر إليه محتاج، وهو الربُّ الخالق الغني الحميد، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فأوصيكم -أيها الناسُ- ونفسي بتقوى الله -عز وجل-، فاتقوه حق التقوى، اتقوا مَنْ بيدِه ملكوتُ كل شيء، وهو يُجير ولا يُجار عليه، واتقوا مَنْ رفَع السمواتِ بغير عَمَدٍ ترونها، وألقى في الأرض رواسيَ أن تميدَ بكم، وبثَّ فيها من كل دابة، وراقِبوه واعملوا بطاعته ورضاه، تَفُوزوا وتُفلِحوا.

 

أيها المسلمون: إن الله -سبحانه جل في علاه- هو العليُّ الأعلى، له علوُّ الذات، وعلوُّ الصفات، وعلوُّ القهر والغلبة، استوى على عرشه، استواءً يليقُ بجلاله وعظمته، وعرشُه فوقَ سماواته، وهو بائنٌ من خلقه، فوق جميع مخلوقاته، يعلم أحوالَهم، ويسمع أصواتَهم، ويرى كلَّ ذرة فيهم، ولا يخفى عليه منهم شيءٌ، وهو -جلَّ ثناؤه- الذي يُمسِكُ السماءَ أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ويُمْسِكُ السمواتِ والأرضَ أن تزولَا، وهو الباقي، وكل شيء هالك إلا وجهه، -سبحانه-، واختصَّ بالكبرياء والعظمة، خلَق كلَّ نفس ورزَقَها، وقدَّر أجلَها، فلا تموت حتى تستوفيَ رزقَها وأجلَها، وليس لنفس جاء أجلُها أن تستأخِرَ عنه ساعةً، ولا أن تستقدِمَ، ولا يقدِرُ أحدٌ أن يَحُولَ بينَها وبينَ رزقها أبدًا، إنه ربُّ العالمينَ، المنعِم على جميع الخلائق، الفعَّال لِمَا يريد، وهو على كل شيء قدير، وهو البصير الذي يرى حاجةَ المرزوق إن لم يَطلُب، وهو السميع الذي يسمع كلامَه إن طلَب، الرزَّاق الذي يرزق مَنْ شاء في أي وقت شاء، وبأيِّ قَدْر شاء، فخزائنه مَلْأَى، لا تنفَدُ ولا تَبْلى، وآلاؤُه لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وخيراتُه لا تزول ولا تفنى، وهذه الدوابُّ التي خلَقَها الباري كلُّها تأكلُ من رزقه، (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)[هُودٍ: 6]، ولا ينقص ما في خزائنه إلا كما ينقص المخيطُ إذا أُدخِلَ البحرَ، وهذا الكونُ كلُّه، سماؤُه وأرضُه، ظاهِرُه وباطِنُه، ملائكتُه ودوابُّه، إنسُه وجِنُّه، حيوانُه وطيرُه، كلُّه مخلوقٌ، والمخلوقُ مملوكٌ، محتاج في وجوده إلى ربه، ومحتاج في بقائه إلى ربه، لا يستغني عنه طرفةَ عين، ولا يملك لنفسه فضلًا عن غيره نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فكلُّ شيء بيد الله، وكلُّ ما سواه محتاج إليه، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)[فَاطِرٍ: 15]، (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[الْأَعْرَافِ: 188].

 

والله الباري -جلَّ جلالُه-، خلَق المخلوقاتِ التي لا يُحصيها إلا هو، وفضَّل بعضَها على بعض، مِنْ أماكنَ وأزمانٍ وأشخاصٍ وأحوالٍ، وسلَّط بعضَ مخلوقاته على بعض، وقهَرَها بها، وإليه المرجعُ والمآبُ، سبحان مَنْ تفرَّد بتدبير الأمر، يُدَبِّر الأمرَ في العالَم العلوي والسفلي من الإماتة والإحياء، وإنزال الأرزاق، ومداوَلة الأيام بين الناس، وكَشْف الضرِّ عن المضرورين، وإجابة سؤال السائلينَ، فأنواع التدابير نازلةٌ منه، وصاعدةٌ إليه، وجميع الخلق مُذعِنون لعِزَّته، خاضعون لسُلْطانه وجبروته وعظمته، فهم تحت مشيئته وحكمه وقهره، وهو لطيفٌ بعباده، يُدرِك الضمائرَ والسرائرَ، ويُوصِل عبادَه لِمَا فيه الخيرُ لهم، من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون، وهو الذي لا يلجأ المضطرُّ إلا إليه، ولا ينجِّي في الشدائد إلا تحقيقُ توحيده وصدقُ اللجأ إليه.

 

هذا الرب الجليل -عز شأنه- من حكمته البالغة أن جعَل الدنيا دار ابتلاء، لا دار قرار وبقاء، فمِن رحمتِه أن نغَّص على خلقه الدنيا وكدَّرَها؛ لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها، ويرغبوا في النعيم المقيم، في دار كرامته وجواره، فساقَهم إلى ذلك بسياطِ الابتلاءِ والامتحانِ، فمنَعَهم ليعطيهم، وابتلاهُم ليعافيهم، وأماتَهم ليحييهم، وما يُجريه على خَلْقِه من أقدار مؤلِمة وابتلاءات إنما هي بقدره ولحكمة تامَّة، وهو -سبحانه- لا يخلق شرًّا محضا من كل وجه، بل كل ما خلَقَه ففي خلقه مصلحةٌ وحكمةٌ، فالوباء الذي أصاب العبادَ، وعمَّ الحاضرَ والبادِ، وإن كان محنة وابتلاء وزاجرًا يزجر اللهُ به الناس فهو كذلك منحة؛ إذ فيه دليل على تفرُّدِه -عز وجل- بالخَلْق والملك والتدبير، وسعة عِلْمه وعظمته، وقدرته وقهره، وأن أَزِمَّة الأمور بيده، وأنه المستحِقُّ للعبادة وحدَه، لتفرُّدِه بالربوبية، وأن العباد ضعفاء عاجزون مفتقِرون إليه، كما أن في ذلك بيانًا لحقيقة الدنيا، وتذكيرًا بنعمة العافية، وإيقاظًا للغافلينَ، وموعظة للعالِمينَ، قال ابن حجر -رحمه الله-: “مِنْ فوائدِ الوباءِ والطواعينِ تقصيرُ الأمل، وتحسينُ العمل، واليقظةُ من الغفلة، والتزوُّدُ للرحلة“.

 

أيها المسلمون: إن الله يستعتِب عبادَه، ويخوِّفُهم بالآيات ليتَّعِظُوا ويعودوا إليه، كما قال جل ثناؤُه: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)[الْإِسْرَاءِ: 59]، فهلَّا شَعَرْنا بافتقارِنا إليه، فلجأنا إليه، واعتمدنا عليه في أمورنا كلها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “مِنْ تمامِ نعمةِ الله على عبادِه المؤمنينَ، أن يُنزِل بهم من الشدة والضرِّ ما يُلجِؤُهم إلى توحيدِه، فيدعونه مخلصينَ له الدينَ، ويرجونه لا يرجون أحدًا سواه، فتتعلَّق قلوبُهم به لا بغيره، فيحصُل لهم من التوكل عليه، والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان وذَوْق طعمه، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمةٍ عليهم من زوال المرض أو الخوف، أو الجَدْب أو الضر“، وقال ابن القيم -رحمه الله-: “فلولا أنه -سبحانه- يداوي عبادَه بأدوية المحن والابتلاء لطَغَوْا وبَغَوْا وعَتَوْا، والله -سبحانه- إذا أراد بعبدٍ خيرًا سقاه دواءً من الابتلاء والامتحان يستفرِغ به من الأدواء الْمُهلِكة، حتى إذا هذَّبَه أهَّلَه لأشرفِ المراتبِ، وهو عبوديتُه، وأرفعِ ثوابِ الآخرةِ؛ وهو رؤيتُه وقُربُه“.

 

معاشرَ المسلمينَ: عندما تأتي النذرُ، وتدلَهِمُّ الخطوبُ، وتشتدُّ الكروبُ تكون للعبد يقظةٌ عجيبةٌ، وإفاقة عظيمة، حين يتبيَّن له أنه قد بَعُدَ عن ربه، وفرَّط في حقه، وأسرَف على نفسه، وأنه بحاجة إلى رحمة مولاه، فيشتاق إلى سعادة ليس بعدها شقاء، فيرجع إلى رشده، ويشمِّر لله بهمته، ويَعُدُّ الأنفاسَ والدقائقَ؛ لئلا تضيعَ عليه في غير طاعة الله، فسبحان الذي أيقَظ البَرِيَّةَ من سُباتِها بهذا الابتلاء العظيم، الذي كدَّر صفوَ الناس، ونغَّص على أهل الدنيا عَيشَهم، وكان سببًا في إحداث يقظة وإفاقة في نفوس المعتَبِرين، لكن ينبغي لهذه اليقظة أن تتبَعَها بصيرةٌ ومحاسَبةٌ وتوبةٌ، فالعاقل إذا ذُكِّرَ تَذَكَّرَ، وإذا وُعِظَ اتَّعَظَ، ويكون دائمًا مستشعِرًا نعمةَ الله عليه، خائفًا مقامَه بين يديه، فيستدفع البلاءَ بتقوى الله، ويستجلب رحمةَ الله -تعالى- بطاعته والتزام هداه، هكذا تُداوى الغفلةُ باليقظة، فنعوذ بالله من رقدة الغافلين، ومن سكرة العامِهِينَ، ومن إعراض المستكبرينَ.

 

وممَّا يُتأسَّف له، ولا يكاد ينقضي عجبُكَ منه أن النوازل من كوارثَ وحروبٍ وأوبئةٍ ومحنٍ ونحو ذلك تمرُّ على أناس فلا تجِدُهم يعتذرون ولا يذَّكَّرون، ولا إلى ربهم يتضرعون، بل هم في غفلة سَادِرُونَ، وفي العصيان مستمرون، وعن الصراط ناكبون، كما أخبَر اللهُ عن الأمم التي خلَت قبلَهم عبر القرون، (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)[يُوسُفَ: 105]، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الْأَنْعَامِ: 42-43]، (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ)[التَّوْبَةِ: 126].

 

ألَا ما أكثرَ العبرَ وأقلَّ الاعتبارَ، وإذا لم يعتبر المرءُ وقتَ المحن والشدائد فمتى يعتبر؟! وإذا لم يرجع إلى ربه وقتَ الفواجع والدواهي ويتضرَّع فمتى يفيق ويُنِيب.

 

يُخبِرُنِي الْبَوَّابُ أَنَّكَ نَائِمٌ***وَأَنْتَ إِذَا اسْتَيْقَظْتَ أَيْضًا فَنَائِمُ

 

وللمتأمِّل في واقع الناس تتجلَّى له عبرٌ كثيرةٌ؛ منها حرصُ الناسِ الشديدُ على الوقاية من الأمراض الجسدية، واهتمامُهم بسلامة أبدانهم وصحتها وعافيتها، وهذا أمرٌ فطريٌّ لا يُلامُون عليه، بل الإرشاداتُ الشرعيةُ تدعو إليه، وتحثُّ عليه، وهو من محاسن الإسلام، لكن أرأيتُم مَنِ اقتَصَر على ذلك، وأغفَل الاهتمامَ بالجانب الأعظم؛ الأمراض المعنوية التي تنتاب القلوبَ والأرواحَ فتُصاب بأوبئة قاتلة وأدواء مزمنة، وأصحابُها عنها غافلون لا يكترثون لذلك ولا ينزعجون، فضلًا عن أن يَسْعَوْا في علاجها، ويحرصوا على صحتها وسلامتها.

 

إخوةَ الإسلامِ: في زمن الوباء والشدائد يستشعر المؤمنُ عظمةَ الخالق العظيم، ويتوكَّل على العزيز الرحيم، فالقلوب كلُّها بيد علَّام الغيوب، الذي له الكمال المطلَق، المنزَّه عن النقائص والعيوب، فمَن أقبَل عليه وحدَه أصاب، ومَنْ أقبَل على غيره فقد خَابَ، وفي مثل هذه الأحوال الطارئة مِنَ المهمِّ أن يأخذ المرءُ احتياطاتِه الممكِنةَ، ويعمل بأسباب الوقاية اللازمة، والتدابير الصحية المتعينة؛ حفظًا لنفسه ولغيره من الإصابة بالوباء، وتحرُّزًا من انتشار هذا الداء، لكن يكمل ذلك ويتوجَّه بألَّا يغفل عن مقتضى الحال وواجب الوقت؛ التبصرة، وكما قيل:

 

إِذَا الْمَرْءُ كَانَتْ لَهُ فِكْرَةٌ***فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ عِبْرَةٌ

 

فالفرصة مواتية للتفكُّر والتدبُّر والحَذَر والانتباه، والنظر فيما ادَّخَره العبدُ لنفسه من الأعمال الصالحة ليومِ مَعادِه، وعَرْضِه على ربِّه، وهي فرصةٌ كذلك للمُراجَعة فيما يؤدِّيه من مهمات، وما لديه من اهتمامات، وما يُقِيمُه من روابطَ وعلاقاتٍ، وإعادة النظر في ترتيب الأولويات، والاستفادة من الأوقات.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفِروه وتوبوا إليه، إن ربي غفور رحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الحي القيوم، لا تأخذه سِنَةٌ ولا نومٌ، مَنْ توكَّل عليه كَفَاهُ، ومن لاذ بجنابه حَمَاهُ، ومَن استنصَر به نصرَه ونجَّاه، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسوله، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فيا أيها المؤمنون: إن ما ألَمَّ بالناس اليومَ من هذه الجائحة العارمة لَهُوَ مدعاةٌ للتراحُم والعطف والإحسان، والمؤمِن يحمل الخيرَ والرحمةَ للناس، ويألم لحالهم، ويُشفِق عليهم، فما مسَّ غيرَه من الداء قد يمسُّه، وما أصاب المبتَلَى قد يُصيب المعافى، فهو يتمنَّى لهم العافيةَ والنجاةَ، والفوز في الدنيا والآخرة، داعيًا ربَّه أن يكشف ما أصابهم، وأن يعافي مبتلاهم، ويصرف عنه وعنهم البلاء.

 

يا عباد الله: إن المسلم في هذه الأحوال يسعى أن يكون نفَّاعًا للناس، لا يألُو جهدًا في جلب الخير لهم، والمسارَعة في نفعهم، بأي وجه من وجوه النفع المباح، وهذا يدخل في عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: “مَنِ استطاعَ منكم أن ينفعَ أخاه فليفعل“(رواه مسلم)، وخيرُ الناس أنفعُهم للناس، وكل معروف يُبذل للناس فهو صدقة، وتفريج الكربات والتكافل الاجتماعي، وإدخال السرور على الناس من أفضل العبادات وأعظم الكربات، فَلْنتعاون على ذلك؛ حرصًا على فعل الخير، ورجاءَ أن يكون لنا نصيب من الأجر والحسنات.

 

يا عبادَ اللهِ: وكما أن المسلم يمتنع عن إذاعة الشائعات وإعلان الأراجيف بين أفراد المجتمع، فإنه يسعى في نشر الخير في الناس، وبثِّ روح التفاؤل الذي يُورِث طمأنينةَ النفس وراحةَ القلب والارتياح والنشاط، ويحرص على رفع راية التبشير بالخير وانتظار الفرج، والتهدئة من رَوْع الآخرينَ، والتخفيف من هموهم، وتسلية نفوسهم، في مثل هذا الأحوال التي يشوبها أجواءٌ من القلق والاضطراب؛ فالدعم النفسي ورفع المعنويات وشَحْذ الهمم، مهمٌّ جِدًّا في المساعَدة على العلاج من الأمراض البدنية والإصابات الجسدية، وليكن شعارنا: “بشِّروا ولا تنفِّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا“.

 

يا عباد الله: المستقبلُ غيبٌ، لا اطلاعَ لنا عليه، فما الذي يدعونا أن نعيش في حال من الخوف والذعر، والهلع والتشاؤم، ونخشى ما سيكون في مستقبل أيامنا، ويتكدَّر خاطرنا، ويستولي علينا الهمُّ والتفكيرُ، خائفينَ وَجِلِينَ؛ ماذا ينتظرنا غدًا، وما الذي سيجري من وقائع ومخاطر وأحداث، بينما حال المؤمن الثبات والتجلُّد واليقين، وعدم التزعزع مهما كان، فهو يعيش في سكون واستقرار واطمئنان، ويعلم أن مشيئة الله نافذة، وقدرته كاملة، وأن ما قدَّرَه عليه كان، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وألا ملجأ من الله إلا إليه، ما عليه إلا أن يصبر ويتوكَّل على الحي القيوم، مع أخذه بالأسباب المشروعة، وفي المقابِل يحذَر كلَّ الحذر من الجزع والاعتراض على أقدار الله والتسخُّط عليها، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: “لأَنْ أعضَّ على جمرة وأقبض عليها حتى تبرُدَ في يديَّ أحبُّ إليَّ من أن أقول لشيء قد قضاه الله: ليتَه لم يكن“؛ فَلْيُعَزِّ المرءُ نفسَه فيما أصابه قائلًا لها: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )[الطَّلَاقِ: 1]، ولْيتذكَّرْ ما قد يكون وراءَ هذه الأزمة من خير غاب عنه، ويردِّد: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)[الْبَقَرَةِ: 216]، ولْيَحْرِصْ وهو ملازِم بيتَه على ما ينفعه، بالاستفادة من البرامج النافعة التي تشغَل وقتَه، وتزيده علمًا، وتنمِّي ثقافَتَه، وتُكسِبه الخبراتِ، وتطرُد الفراغَ القاتلَ عندَه، وتشغل فكرَه عن أن يجول فيما لا ينفع؛ كالفِكْر فيما لم يكن، لو كان كيف يكون.

 

يا عبادَ اللهِ: إن الله الذي أنزَل الداءَ بقدرته، وأَذِنَ بالعدوى أن تنتقل بمشيئته، هو الذي يرفع البلاءَ ويكشف الضرَّ برحمته، فافزَعُوا إلى الحِصْن الحصين، والدرع الواقي؛ ذِكْر الله ودعائه واستغفاره، والثقة به وحدَه، والاعتماد عليه، والتضرع إليه، والتمسُكن وإبداء العجز والفاقة والذُّلِّ والضَّعْف، وأحسِنوا الظنَّ بربكم، وعَلِّقوا به قلوبَكم، وأمنياتِكم وآمالَكم، وفوِّضُوا إليه أمرَكم، وارضَوْا بما قسَمَه لكم، والتَجِئوا إليه، واطلُبُوا الحمايةَ والوقايةَ منه، وحافِظوا على الأذكار والأدعية المأثورة، فليس أنفع للوباء من الاستغفار والدعاء، والصبر وصِدْق الالتجاء لفاطر الأرض والسماء.

 

أمةَ الإسلامِ: إن ما نشهده اليومَ، ونعيشه من محنة ليست أُولى الشدائد والابتلاءات التي يمر بها الناسُ، بل سبَقَتْها محنٌ كثيرةٌ قاسيةٌ، شهد بها التاريخُ، وهذه الأزمة ستنقضي وتزول -بإذن الله-، كما ذهَب ما كان قبلَها، لكن إذا انجَلَت وانكَشَفت فعلى أي حال سنكون؟!

 

إن كلمات الوعظ القَيِّمة، ووصايا النصح البيِّنة، التي أسداها بعضُ علماء الأمة السابقين لأهل زمانهم، ما زالت يفوح شذاها، وينبعث صداها، كأنها تخاطِب وجداننا، وتهزُّ مشاعرنا قائلةً لنا: يا عبادَ الله، التوبةَ التوبةَ، قبل أن يصل إلينا من الموت النوبةُ، الإنابةَ الإنابةَ قبل أن يُغلق بابُ الإجابة، الإفاقةَ الإفاقةَ، فيا قربَ وقتَ الفاقة، إنما الدنيا سوق للتَّجَر، ومجلس وعظ للزَّجْر، وليل صيف قريب الفَجْر، الْمُكْنة مزنةُ صيفٍ، الفرصةُ زَوْرةُ طيفٍ، الصحةُ رقدةُ ضيفٍ، الاغترارُ نبتةُ زيفٍ؛ البدارَ البدارَ، فالوقت سيف، وإياكم إيَّاكم -عبادَ اللهِ- أن تستطيلوا زمانَ البلاء، وتضجروا من كثرة الدعاء؛ فإنكم مبتَلَون بالبلاء، متعبَّدون بالصبر والدعاء، ولا تيأسوا من رَوْح الله، وإن طال البلاءُ، فلولا البلايا لَوَرَدْنا القيامةَ مفاليسَ، ولو فُتحت لكم أستارُ الغيب لأحببتُم ابتلاءكم، كما قال نبيُّكم -صلى الله عليه وسلم-: “يودُّ أهلُ العافية يومَ القيامة حين يُعطى أهلُ البلاء الثوابَ لو أن جلودَهم كانت قُرِضَتْ في الدنيا بالمقاريض“(رواه الترمذي)؛ فأحسِنوا ضيافةَ الابتلاء؛ فإن الابتلاء عابرُ سبيلٍ، وإن الله رب كريم.

 

ألَا وصلُّوا وسلِّموا -رحمكم الله-، على النبي الذي كان دائمَ الصلة بربه، وكان يفزع من الشدائد والهموم إلى الصلاة، وكان يقول عند الكرب: “لا إله إلا الله العظيم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السموات وربُّ الأرض وربُّ العرش الكريم”، فاقتَدُوا به، واعملوا بما دعاكم إليه، واستجِيبوا لأمر الله بالصلاة والسلام عليه، (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وعلى أزواجِه وذريته، كما صليتَ على آل إبراهيم، وبارِكْ على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفرَ والكافرينَ، وانصر عبادَكَ الموحِّدينَ، ودمِّر أعداءكَ أعداءَ الدينِ، واجعل هذا البلدَ آمِنًا مطمئِنًّا وسائرَ بلاد المسلمين، اللهم احفظ بلادَ الحرمين وبلادَ المسلمين، من كل شر وسوء ومكروه، اللهم ادفع عنا الغلاءَ والوباءَ والربا والزنا، والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهَر منها وما بطَن، عن بلدنا هذا خاصةً، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً، اللهم آمِنَّا في الأوطان والدُّور، وأصلِح الأئمةَ وولاةَ الأمور، واجعل ولايَتَنا فيمَن خافَكَ واتقاكَ، واتبَع رضاكَ يا رب العالمين.

 

اللهم وُفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، وخُذْ بناصيته للبر والتقوى، اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنتَ المستعان، وبك المستغاثُ، وعليكَ التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بكَ، اللهم إنَّا نعوذ بكَ من جَهْد البلاء، ودَرَك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، اللهم إنا نعوذ بكَ من زوال نعمتِكَ، وتحوُّل عافيتِكَ، وفُجاءة نقمتِكَ، وجميع سخطِكَ، اللهم إنَّا نعوذ بكَ من البرص والجنون والجذام، ومن سيئ الأسقام، اللهم جنِّبْنا منكراتِ الأخلاق والأهواء والأعمال والأدواء، اللهم إن بالبلاد والعباد من الشدة واللَّأْواء ما لا يعلمُه إلا أنتَ، وما لا نشكوه إلا إليكَ، اللهم ففرِّج عنا ما نحن فيه، واجعل لنا بعد العسر يسرًا، وبعد الهمِّ فرجًا، وبعد الضيق مخرجًا، اللهم أحسِنْ عاقبتَنا في الأمور كلِّها، وأجرنا من خزيِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، اللهم أنزِل علينا السكينةَ والثباتَ، ورُدَّنا إليك ردا جميلا.

 

ربنا آمَنَّا فاغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الرحمين، لا إله إلا أنتَ سبحانَكَ، إنَّا كنَّا من الظالمينَ، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]، اللهم إنا نسألك العفوَ والعافيةَ والمعافاةَ الدائمةَ في الدين والدنيا والآخرة، اللهم احرسنا بعينكَ التي لا تنام، واكنفنا بكنفكَ الذي لا يضام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا تُهلكنا وأنتَ ثقتُنا ورجاؤنا، اللهم إنَّا نستدفع بكَ كلَّ مكروه، ونعوذ بكَ من كل شر، اللهم اصرف عنا هذا الوباءَ، وقِنَا شرَّ الداء، ونجِّنا من البلاء، بلطفِكَ وقدرتِكَ إنكَ على كل شيء قدير.

 

اللهم إنَّا نعوذ بكَ من الطعن والطاعون والوباء، ومن عموم البلاء، اللهم اكشف الغمة عن الأمة، وأنزل رحمتَكَ على العباد، والطُفْ بهم، وفرِّج كرباتهم، اللهم لا تُهلِكْنا بذنوبنا، ولا تؤاخِذْنا بما فعَل السفهاءُ منَّا، اللهم عافِنا في أبداننا، اللهم عافِنا في أسماعِنا، اللهم عافِنا في أبصارِنا، لا إلهَ إلا أنتَ، اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، وكُنْ للمستضعفينَ، برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ، اللهم كما أنزلتَ هذا الداءَ بقدرتِكَ، فارفعه برحمتِكَ، اللهم قِنَا البلايا والرزايا والمكروهات، واحفظنا والمسلمين من كل بلاء ووباء وفتنة، والحمد لله رب العالمين.

 

 

الملفات المرفقة
صدق التضرع والالتجاء لرفع البلاء
عدد التحميل 150
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات