طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17558

الأمانة

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / ظهرة بديعة / جامع الحقباني /
تاريخ الخطبة : 1441/05/22
تاريخ النشر : 1441/06/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/دلالات قلة الأمانة وغيابها 2/فضائل خلق الأمانة 3/الحثّ على التخلق بالأمانة والتحذير من الخيانة 4/ بعض من صُوَر فَقْد الأمانة.
اقتباس

إن الأمانة من كمال الإيمان وحُسْن الإسلام، وهي التي يقوم عليها أمر السماوات والأرض، وهي محور الدين وامتحان رب العالمين، وبالأمانة يحفظ الدين والأعراض والأموال والأجسام والأرواح والمعروف والعلوم، وغيرها من أمور الدين، والأمين يحبه الله ويحبه الناس، ألا فلنحافظ على الأمانة ولنعلمها لأبنائنا فمن شبَّ على شيء شَابَ عليه.

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أما بعد فيا أيها المؤمنون: اتقوا الله -عز وجل- فهو أهل أن يُتَّقى، واحذروا سخطه فإنه شديد القُوَى، واعلموا أننا في دارٍ العمل فيها ميسور والأجر فيها مستور، وغدا يستر العمل وينكشف الأجر؛ فهنيئًا لمن آمن بالغيب وعمل لما بعد موته.

 

معاشر المسلمين: نحن في زمن قد خفَّت عقول أهله ومرجت عهودهم، وقل أمناؤهم فلا تكاد تجد أمينًا، وإن هذا لمن علامات قيام الساعة وقرب وقتها.

 

أخرج البخاري من حديث أبي هريرة أن أعرابيًّا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: متى الساعة؟ فقال: “إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة“. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة“.

 

 

وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وسلم-: “سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات؛ يُصَدّق فيها الكاذب ويُكَذّب فيها الصادق، ويُؤتَمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضةقيل: وما الرويبضة؟ قال: “الرجل التافه يتكلم في أمر العامة“.

 

عباد الله: إن الأمانة خلق عظيم، فرضها الله على عباده، لتستقيم أمورهم، ويرغد عيشهم، ولهذا تكاثرت النصوص من القرآن والسنة وسلف الأمة على الحثّ على التخلق بها والتحذير من الخيانة.

 

قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[الأنفال:27]؛ حتى لو كان الذي تتعامل معه خائنًا لك، فقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وسلم-: أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك“.

 

ومتى ما خشي الإنسان من قومٍ خيانةً وجب عليه أن يُعلِمهم أنه لا عهد ولا أمان بينهم قبل أن يغدر بهم ويقطع عهدهم قال -تعالى-: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)[الأنفال:58].

 

أيها المسلمون: إن بعض الخلق يظن أن الأمانة هي حفظ الودائع وردّها إلى أهلها، وما علم أن الأمانة تشمل شرائع الدين كلهَّا كما قال -تعالى-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)[الأحزاب:72]؛ قال القرطبي: “الأمانة تعمّ جميع وظائف الدين”، ونسب هذا القول لجمهور المفسرين.

 

فأول ما استؤمن عليه العبد فرائض الله وشعائر دينه، وحدوده التي فرضها على الناس، ولهذا قال -تعالى- في الآية السابقة: (لَا تَخُونُوا اللَّهَ)؛ فمن ضيَّع منها شيئًا فقد خان الله، وكذا طاعة الرسول أمانة، وكذا معاملتك مع الناس أمانة، بل معاملة الزوجة أمانة كما أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: “اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله“، وكل تصرُّفات المسلم في حياته يجب أن تكون بأمانة.

 

ومن فضل الأمانة أن الله -تعالى- جعلها من صفات الرسل، كما قال -تعالى- في سورة الشعراء أن كل رسول يأتي إلى قومه يقول لهم: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)[الشعراء:107].

 

ومن فضل الأمانة أن الله جعلها من صفات أهل الجنة فقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)[المعارج:32].

 

ولهذا كانت الأمانة من أول الصفات التي دعا إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له “سألتك بم يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي”.

 

أيها المؤمنون: إن الأمانة صفة من صفات المؤمنين وفقدها من صفات المنافقين؛ فالخائن منافق كما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وسلم-: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان“.

 

معاشر المؤمنين: إن الأمانة من أول ما يُفْقَد من هذه الأمة؛ كما أخرج الطبراني في معجمه من حديث شداد بن أوس قال -صلى الله عليه وسلم-: أول ما تفتقدون من دينكم الأمانة“.

 

وأخرج البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال: ” إِنَّ الأَمانَةَ نزلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ نزلَ القرآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ القرآنِ، وعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ. ثُمَّ حَدَّثَنا عن رَفْعِ الأَمانَةِ؛ فقال: يَنامُ الرجلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ من قلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ ثُمَّ ينامُ الرجلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ من قلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مِثْلَ أَثَرِ المَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ على رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فتراهُ مُنتبرًا وليسَ فيهِ شيءٌ، ثُمَّ أَخَذَ حَصاةً فَدَحْرَجَهُ على رِجْلِه – فَيُصْبِحُ الناسُ يَتَبايَعُونَ لا يَكادُ أحدٌ يُؤَدِّي الأَمانَةَ، حتى يقالَ: إِنَّ في بَنِي فُلانٍ رجلًا أَمِينًا، حتى يقالَ لِلرَّجُلِ: ما أَظْرَفَهُ! ما أَعْقَلهُ! وما في قلبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ من إِيمانٍ“.

 

أيها الناس: إن الأمانة لتضاهي صلة الرحم في الدين ولها من الموقف يوم القيامة ما للرحم فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وسلم- في ذكر المحشر ووقوف الناس “وتُرسَل الأمانة والرحم فتقومان جَنَبَتَي الصراط يمينًا وشمالاً“‌.

 

عباد الله: لنراجع أنفسنا هل نحن من الأمناء؛ فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ودع أصحابه في السفر يدعو بحفظ أمانتهم، أخرج الترمذي في سننه من حديث ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ودَّع رجلاً أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده ويقول: “أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك“.

 

اللهم احفظ علينا ديننا، وأدم علينا أمننا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين..

 

أما بعد فيا أيها الناس: من رزق الأمانة فقد رزق خيرًا كثيرًا، ولا يضره ما فاته من الدنيا بعدها أخرج الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عمر قال -صلى الله عليه وسلم-: “أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة مطعم“.

 

أيها المؤمنون: سنعرض لبعضٍ من صور فقد الأمانة الموجود لدى كثير من الناس هذه الأيام؛ فالأمانة تقلّ في قوم وتوجد في آخرين، فمن صور فقد الأمانة: إفشاء السر بين الناس فتجد الرجل يحدّث الرجل بالحديث مؤتمنًا له ثم يقوم الآخر بإفشائه، وهذا تضييع للأمانة حتى ولو لم يقل لك: اكتم عليَّ؛ فالأحاديث يعرف منها ما يحب صاحبه أن ينشر مما يحب إخفائه، ولو حدثك وهو يلتفت أثناء حديثه فهذا دلالة على حبّ كتم الحديث أخرج أبو داود من حديث جابر قال -صلى الله عليه وسلم-: “إذا حدَّث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة“. ‌

 

ومن تضييع الأمانة: حديث الرجل بما يصنع مع امرأته في الجماع وغيره من الخصوصيات، أخرج مسلم من حديث أبي سعيد قال -صلى الله عليه وسلم-: “إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة؛ الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها“.

 

أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: “هل منكم رجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه وألقى عليه ستره واستتر بستر الله؟” قالوا: نعم قال: “ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت كذا فعلت كذا“، فسكتوا ثم أقبل على النساء فقال: “هل منكن من تحدث؟” فسكتن فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها وتطاولت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليراها ويسمع كلامها؛ فقالت: يا رسول الله! إنهم ليتحدثون، وإنهن ليحدثن، فقال: “هل تدرون ما مثل ذلك؟ إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانًا في السكة فقضى حاجته والناس ينظرون إليه“.

 

ومن الخيانة: الفتوى بغير علم أو الإشارة على المستشير بغير الصواب؛ أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وسلم-: “من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه“.

 

ومن تضييع الأمانة: جحد العارية وهذا معروف، ومن ذلك أخذ أموال الناس قرضًا ثم عدم ردها، فالبعض من الناس يقترض المال وفي نيته ألَّا يرده لصاحبه، فأفسد مال أخيه، وأفسد على من أراد الاقتراض؛ حيث أصبح الناس يُخوّن بعضهم بعضًا، ‌فأغلق بفعله هذا باب القرض الحسن، أخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وسلم-: “من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله“.

 

ومن أعظم تضييع الأمانة: تضييع الصلاة، والاعتداء على حدود الله، فمن عصى الله فقد خانه، والله -جل وعلا- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[الأنفال:27].

 

ومن تضييع الأمانة: الاطلاع على عورة أخيك المسلم وهو لا يعلم؛ سواء كان في الشارع أو المنزل، ويعظم الخطب إذا كان جارًا لك، فالبعض ينظر إلى محارم أخيه المسلم ولربما صَوَّر الصور، وهذا من أعظم الخيانة.

 

ومن تضييع الأمانة: الخلل الحاصل عند بعض الأطباء من عدم الإخلاص للمريض في تشخيص العلاج أو تكليفه بما لا يلزم من إشاعة وتحليل ونحوه.

 

ومنها: كتابة العلم؛ فالبعض يسرق من مؤلف غيره ولا ينسب ذلك له ولربما سرق كتابًا كاملاً ونسبه إليه، أو خان الأمانة بقلب الحقائق في تأليفه؛ فلبَّس على القارئ وضلَّل عليه.

 

ومنها: الاطلاع على أسرار غيرك إما بالتصنت أو قراءة الأوراق والرسائل.

 

ومن إضاعة الأمانة: خروج المرأة من بيت زوجها بلا إذنه، خصوصًا الأماكن التي تعلم أنه لا يرتضيها، أو إدخالها بيته من لا يحب دخولهم له.

 

ومنها كذلك: الإهمال في تربية الأبناء ووضع وسائل الإعلام الفاسدة.

 

وختامًا أيها المسلمون: إن الأمانة من كمال الإيمان وحُسْن الإسلام، وهي التي يقوم عليها أمر السماوات والأرض، وهي محور الدين وامتحان رب العالمين، وبالأمانة يحفظ الدين والأعراض والأموال والأجسام والأرواح والمعروف والعلوم، وغيرها من أمور الدين، والأمين يحبه الله ويحبه الناس، ألا فلنحافظ على الأمانة ولنعلمها لأبنائنا فمَن شَبَّ على شيء شَابَ عليه.

 

اللهم أعنا على أداء الأمانة، ووفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك يا رب العالمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

الملفات المرفقة
الأمانة
عدد التحميل 43
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات