طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17472

الإيمان باليوم الآخر

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : الإيمان
تاريخ الخطبة : 1441/04/23
تاريخ النشر : 1441/04/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/للإيمان باليوم الآخر شأن عظيم 2/بعض مشاهد ومواقف يوم القيامة 3/الحقوق مصونة في يوم القيامة 4/إكرام الله للمؤمنين المتقين في اليوم الآخر 5/من مات على شيء بعث عليه 6/جزاء المكذبين المعاندين
اقتباس

ويقدُم الناس على الله -تعالى- في أرض المحشر على الحال التي فارقوا عليها الدنيا، فمن مات على شيء بعثه الله عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فمن الناس من يُبعَث ملبِيًّا؛ لأنه مات مُحرِمًا، ويأتي الشهيد وجُرْحُه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، وكل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه، (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[الْبَقَرَةِ: 20]، (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)[لُقْمَانَ: 28]، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك، وهو اللطيف الخبير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

أمة الإسلام: إن الإيمان باليوم الآخِر، من أعظم القضايا التي جاءت بها الرسل، ونزلت بشأنها الكتب، فما من نبي إلا ذكَّر أمته به، فهو أحد أركان الإيمان الستة، ففي حديث جبريل -عليه السلام- قال: “فأَخْبِرْني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره“(رواه مسلم).

 

ولعِظَم هذا اليوم أكثَر سبحانه من ذِكْره في القرآن العظيم، وبيَّن أحوالَه وأهوالَه، وحذَّر من نسيانه والغفلة عنه، وأمَر عبادَه بالاستعداد له، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)[الْحَجِّ: 1-2]، وسمَّاه في القرآن بأسماء كثيرة؛ فهو يوم الحاقة، والقارعة، والقيامة، وهو يوم الدين، ويوم الفصل، ويوم التغابن، وهو يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويلتقي فيه أهل السماوات والأرضين، (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)[هُودٍ: 103-105].

 

أيها المؤمنون بالله ورسوله: إذا جاء يوم القيامة أمر الله -تعالى- إسرافيل -عليه السلام- بأن ينفخ في الصور فتمور السماء مورا، وتسير الجبال سيرا، ويصعق كل من في السماوات والأرض، ولا يبقى إلا الله -جل جلاله-، الواحد الأحد، الملك الصمد، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)[الرَّحْمَنِ: 26-27]، ثم يأمر سبحانه وتعالى بأن تُمطِر السماء، فيَنبُت الناسُ في قبورهم كما ينبت البقل، وينفخ إسرافيل -عليه السلام- في الصور، نفخة البعث والنشور، فتعاد الأرواح إلى أجسادها، وتتشقَّق القبور عن أهلها، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)[الزُّمَرِ: 68]، فيخرج الناس من قبورهم كأنهم جراد منتشر، يُساقون إلى أرض المحشر؛ أرض بيضاء عفراء؛ أي: تميل إلى الحمرة، (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا)[طه: 107]، وليس فيها معلَم لأحد، يُحشَر الناس فيها حفاة عراة غرلا، قالت عائشة -رضي الله عنها-: قلتُ: يا رسول الله، النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال صلى الله عليه وسلم: “يا عائشةُ، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض“(رواه البخاري، ومسلم).

 

معاشر المؤمنين: في أرض المحشر يجتمع الخلق كلهم، فتدنو الشمس حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العَرَق، فمنهم من يكون إلى كَعْبَيْهِ، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقْوَيْهِ، ومنهم مَنْ يُلجِمُهم العرقُ إلجاما، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فيفزع بعض الناس إلى الرسل والأنبياء ليشفعوا لهم عند خالق الأرض والسماء حتى يأذن بالحساب، وفصل القضاء، وكلما أتَوْا نبيًّا من أُولي العزم اعتذر، وأحالهم إلى نبي آخر، حتى يأتوا إلى رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، فيقول: “أنا لها“، قال عليه الصلاة والسلام -كما في (صحيح البخاري)-: “فأستأذِنُ على ربي فيؤَذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها، لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأَخِرُّ له ساجدا، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يُسمع لكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشفع تشفَّع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي“، فحينئذ يأذن الرب -جل جلاله- بفصل القضاء، فيجيء مجيئا يليق بجلاله في ظُلَل من الغمام، وتجيء الملائكة الكرام، صفًّا صفًّا، صفوفَ ذُلٍّ وخضوع للملك العلام، ويؤتى بجهنم في أرض المحشر لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلَك يجرونها، (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)[الْفَجْرِ: 21]، فإذا جاء الرب -جل جلاله- (خَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)[طه: 108]، (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)[الزُّمَرِ: 69-70].

 

فالحقوق -يا عباد الله- في ذلك اليوم محفوظة مصونة، (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)[غَافِرٍ: 17]، فأول ما يقضى بين الناس في الدماء، وكل مَنْ كانت عليه مظالم للعباد فإنهم يأخذون من حسناته بقدر مظلمته، فإن لم تكن له حسنات يؤخَذ من سيئاتهم فتُطرح عليه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من كانت له مظلمة لأخيه مِنْ عِرْضه أو شيء، فليتحلله منه اليومَ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخِذَ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخِذَ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه“(رواه البخاري).

 

أمةَ الإسلامِ: يُعرَض العبادُ على ربهم في أرض المحشر لا تخفى عليه منهم خافية، فينادى بكل إنسان: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)[الْإِسْرَاءِ: 14]، فيقوم منفردا يجادل عن نفسه بكل ضَعْفه، أمام الملك -جل جلاله- وتقدَّست أسماؤه، (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[النَّحْلِ: 111]، و(في الصحيحين): قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أَيْمَنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة“. فأما العبد المؤمن فإن الله -تعالى- يُعَرِّفه ببعض ذنوبه، ويتجاوز عما يشاء من هفواته حتى يعرف العبدُ فضلَ الله ومِنَّتَه عليه؛ بستره عليه في الدنيا، وعفوه عنها في الآخرة، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن الله يُدنِي المؤمنَ فيضع عليه كنَفَه ويستره، فيقول: “أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نَعَمْ أَيْ ربِّ، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتُها عليكَ في الدنيا وأنا أغفرها لكَ اليومَ، فيُعطى كتابَ حسناته“(رواه البخاري، ومسلم).

 

ويُنكِر فئام من الناس ما حفظه عليهم الملائكة الكاتبون، ولا يرضون إلا بشاهد من أنفسهم، فيختِم اللهُ على أفواههم، وتستنطق جوارحهم، ففي (صحيح مسلم)، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: “كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قالوا: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربَّه، يقول: يا ربِّ ألم تُجِرْني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفي بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيُختَم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلَّى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعْدًا لكن وسُحْقًا، فعنكن كنتُ أناضل، فعنكن كنت أناضل” (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ)[فُصِّلَتْ: 20-22]، فأَعِدُّوا -يا عباد الله- للسؤال جوابا، ولذلك الموقف عملا صالحا، ففي الحديث القدسي يقول الله -عز وجل-: “يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجَد خيرًا فليحمد الله، ومن وجَد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه“.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)[الْكَهْفِ: 110]، بارَك الله لي ولكم في القرآن والسُّنَّة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه كان غفورا رحيما.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما مزيدا.

 

أما بعد معاشر المؤمنين: فإن أعظم ما يقدِّمه العبدُ للقاء الله -جل جلاله-، هو توحيده وإفراده بالعبادة، (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)[الْأَنْعَامِ: 82]، وفي الحديث القدسي يقول الرب -جل جلاله-: “ومَنْ لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرةً“(رواه مسلم).

 

ويقدُم الناس على الله -تعالى- في أرض المحشر على الحال التي فارقوا عليها الدنيا، فمن مات على شيء بعثه الله عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فمن الناس من يُبعَث ملبِيًّا؛ لأنه مات مُحرِمًا، ويأتي الشهيد وجُرْحُه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، وكل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يُفصَل بين الناس، وسبعة يظلهم الله -تعالى- في ظله يوم لا ظل إلا ظله: “إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إن أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شِمالُه ما تُنفِق يمينُه، ورجل ذكَر الله خاليًا ففاضت عيناه“.

 

وللمتاحبِّين بعظمة الله وطاعته منزلة رفيعة يوم القيامة، حيث ينادي بهم الرحمن فيقول: “أين المتاحبون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي”(رواه مسلم). قال ابن تيمية -رحمه الله-: “فقوله: أين المتحابون بجلال الله، تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه، مع التحاب فيه، وبذلك يكونون حافظين لحدوده، دون الذين لا يحفظون حدوده لضَعْف الإيمان في قلوبهم“.

 

وفي تلك العرصات يُكرِم اللهُ رسولَه -صلى الله عليه وسلم- بحوض عظيم، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من المسك، ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء، مَنْ شَرِبَ منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدا، وفي ذلك اليوم العظيم يأتي القرآن الكريم شفيعا لأصحابه، تقدمه سورة البقرة وآل عمران تظللان صاحبهما وتدافعان عنه، ففي (صحيح مسلم)، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “اقرأوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرأوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، ويقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنتَ ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها“.

 

وأما من أعرض عن ذكر الله فإنه يحشر يوم القيامة أعمى، (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)[طه: 125-126]، وثلاثة في ذلك اليوم لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: “المسبِل والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب“، وأما المتكبرون فإنهم يُحشَرون أمثال الذر، يطؤهم الناس بأقدامهم احتقارا لهم، ولكل غادر لواء يوم القيامة يُعرَف به، يقال: هذه غدرة فلان، وآكِل الربا يخرج إلى أرض المحشر كالمجنون، (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)[الْبَقَرَةِ: 275]، وأما الكافرون الجاحدون: فإنهم يُحشَرون على وجوههم عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، ففي الصحيحين أن رجلا قال: “يا رسول الله، كيف يُحشَر الكافرُ على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟!”.

 

فاتقوا الله يا عباد الله، (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[لُقْمَانَ: 33].

 

اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليتَ على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حمى الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا، وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نسألك بفضلك ومنتك وجودك وكرمك أن تحفظ بلاد المسلمين من كل مكروه وسوء، اللهم احفظ بلاد الحرمين، اللهم احفظها بحفظك، واكلأها برعايتك وعنايتك، اللهم أدم أمنها ورخاءها، واستقرارها برحمتك يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم وفِّق خادم الحرمين لما تحب وترضى، واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، اللهم وفقه ووليَّ عهده الأمين لما فيه خير للإسلام والمسلمين، اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين بفضلك وكرمكم ومنتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم انصر جنودنا المرابطين على حدود بلادنا، اللهم أيدهم بتأييدك، واحفظهم بحفظك، برحمتك يا رب العالمين، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[الْحَشْرِ: 10]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].

 

الملفات المرفقة
الإيمان باليوم الآخر
عدد التحميل 165
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات