طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17211

المال … بين الخيرية والفتنة

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب التربية
تاريخ الخطبة : 1441/02/12
تاريخ النشر : 1441/02/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/المال عصب الحياة ومعاش الأحياء 2/للمال حرمته ومكانته 3/بعض فوائد المال 4/المال قد يكون من أسباب رضا الله أو سخطه 5/العبد مسئول عن ماله 6/أسباب حفظ المال 7/التحذير من فتنة المال
اقتباس

وقد جعَل اللهُ المالَ سببًا لحفظ البدن، وحفظَ البدن سببًا لحفظ النَّفْس، والنَّفْسُ هي محلُّ معرفة الله، والإيمان به، وتصديق رسله ومحبته، والإنابة إليه؛ فالمال سبب عمارة الدنيا والآخرة، وإنما يُذَمُّ منه ما استُخرج من غير وجهه، وصُرِفَ في غير حقه…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله مُعِزّ الإسلام بنصره، ومُذِلّ الكفر بقهره، ومُصَرِّف الأمور بقَدَره وأمره، وما قدَرُوا اللهَ حقَّ قدره، أحمده -سبحانه- وأشكره، توالَى علينا إحسانُه وخيرُه، وتتابَع علينا فضلُه وبِرُّه، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، لا ربَّ لنا سواه، ولا إلهَ غيرُه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبدُه ورسولُه، شرَح صدرَه، ووضَع عنه وِزْرَه، وأتمَّ له أمرَه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله النُّجُب السادات، وأصحابه أولي السَّبْق والمكرمات، والتابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسان ما دامت الأرض والسماوات، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أمَّا بعدُ: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله -رحمكم الله- واعلموا أن الصمت عند الانتصار ثقة، وعند الغضب قوة، وأثناء العمل إنجاز، والصمت عند السخرية ترفُّع، وعند النصيحة أدَب، وفي وقت الحزن صبر واحتساب، والفقير مَنْ فقَد الأدبَ، لا من فقَد الذهبَ، واللهُ يَمِيز الخبيثَ من الطيب، ويعلَم المفسدَ مِنَ الْمُصْلِح، ويُحِقُّ الحقَّ ويُبطل الباطلَ، ويُنجي المصلحينَ الذين ينهَوْن عن السوء، (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)[مَرْيَمَ: 76]، (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)[إِبْرَاهِيمَ: 27].

 

أيها المسلمون: شيء عجيب، شاء الله بحكمته أن تتوقَّف عليه الحياة في أصلها، وفي كمالها، وفي سعادتها، وفي عِزِّها، شيء به يأكل الإنسان ويشرب، ويلبس ويسكن، وبه يصنع غذاءه ولباسه، وسَكَنَه وسلاحه، شيء محتاج إليه في الصحة والعلم، وفي القوة والبنيان، وفي العمران وفي السلطان، إنه المال، المال -عباد الله- قضت سُنَّةُ الله أن يكون هو عصب الحياة، ومعاش الأحياء، جعله الله قيامًا للناس، فقال عز شأنه: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا)[النِّسَاءِ: 5]، وقيام الشيء ما به يحفظ ويستقيم، فالمال قوام المعاش، وقوام المصالح العامة والخاصة، ومن أجل هذا كله -عباد الله- كان حفظُ المالِ من المقاصد الكبرى في شرع الله، ومن الضروريات الخمس في دين الإسلام.

 

ورَد ذِكْرُ المالِ في كتاب الله أكثر من ثمانين مرة، وقد سمَّى اللهُ المالَ خيرًا فقال عز شأنه: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)[الْعَادِيَاتِ: 8]، وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)[الْبَقَرَةِ: 215]، وقال جلَّ وعلا: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)[الْبَقَرَةِ: 180].

 

معاشرَ الأحبةِ: وللمال حرمته ومكانته، ففي الحديث الصحيح: “لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطِيب من نفسه، ومن حلَف على يمين صبر كاذبًا متعمِّدًا يقتطع بها مال أخيه المسلم لَقِيَ اللهَ وهو عليه غضبان”(متفق عليه، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه)، و”مَنْ قُتِلَ دونَ مالِه فهو شهيدٌ“(رواه أبو داود والترمذي، من حديث سعيد بن زيد، وقال: حديث حسن صحيح).

 

أيها المسلمون: ولقد امتنَّ اللهُ بالمال على عباده، وجعله مثوبة وخيرا، إحسانا منه -سبحانه- وفضلا، فقال على لسان نبيه نوح -عليه السلام-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)[نُوحٍ: 10-12]، وقال جل وعلا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)[الطَّلَاقِ: 2-3]، بل قال عز شأنه في حق نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)[الضُّحَى: 8]، وقال عليه الصلاة والسلام لعمر بن العاص -رضي الله عنه-: “نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجل الصالح“(رواه أحمد بسند على شرط مسلم)، وقال عليه الصلاة والسلام: “وما نفعني مالٌ كَمَالِ أبي بكر“(رواه أحمد وابن حبان وغيرهما، وسندُ أحمد على شرط الشيخين)، وفي الحديث الصحيح: “ذهَب أهل الدثور بالأجور“(متفق عليه)، و”اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى“(متفق عليه).

 

وأطولُ آيةٍ في كتاب الله جاءت في تنظيم شأن المال، والتصرُّف فيه وتوثيقه وضبطه وحفظه، فقال تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)[الْبَقَرَةِ: 282]… الآيةَ. وتأمَّلُوا -عبادَ الله- هذا الامتنانَ الجليلَ من العلي الأعلى، (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ)[عَبَسَ: 24-32]، وقال جل وعلا في مقام آخر: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ)[ق: 9-11]، وقرن سبحانه الذين يسعون في الأرض ابتغاء فضل الله مع المجاهدين في سبيل الله، فقال عزَّ اسمُه: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[الْمُزَّمِّلِ: 20].

 

وللحافظ ابن القَيِّم -رحمه الله- كلمات جوامع في المال ومنزلته، فكان مما قال -رحمه الله-: “وأعلم اللهُ -سبحانه- أنه جَعل المالَ قِوامًا للأنفس، وأمَر بحفظه، ونهى أن يؤتَى السفهاءُ من الرجال والنساء والأولاد وغيرهم، ومدَحَه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: نِعْمَ المالُ الصالحُ للمرء الصالح“، وقال ابن المسيِّب: “لا خيرَ فيمن لا يريد جمع المال مِنْ حِلِّه، يكفُّ به وجهَه عن الناس، ويصل رحمَه، ويعطي حقَّه“، وقال ابن إسحاق السبيعي: “كانوا يرون السعة عونا على الدين“، وقال محمد بن المنكدر: “نِعْم الغنى عونٌ على التُّقَى“، وقال سفيان الثوري: “المال في زماننا هذا سلاح المؤمن“، وقال يوسف بن أسباط: “ما كان المال في زمان منذ خُلِقت الدنيا أنفعَ منه في هذا الزمن، والخيرُ كالخيل، لرجل سِتْر، وعلى رجل وِزْر“.

 

معاشرَ المسلمينَ: ومن فوائد المال -كما يقرِّر ابنُ القَيِّم -رحمه الله- أنه قِوامُ العباداتِ والطاعاتِ، وبه قام سوق بِرِّ الحج والجهاد، وبه حصَل الإنفاقُ الواجبُ والمستحَبُّ، وحصلت قربات الوقف وبناء المساجد والقناطر وغيرها، وعلى المال قام سوق المروءة، وظهرت صفحة الجود والسخاء ووُقِيَتِ الأعراضُ، واكتُشفت الإخوان والأصدقاء، وتوصَّل الأبرار إلى الدرجات العلا، ومرافَقة الذين أنعم الله عليهم؛ فهو مِرْقَاةٌ يصعد بها إلى أعلى غرف الجنة، ويهبط منها إلى أسفل سافلين، وهو مقيم مجد الماجد، كان بعض السلف يقول: “لا مجدَ إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال“، وكان بعضُهم يقول: “اللهم إني من عبادك الذين لا يُصلِحُهم إلا الغنى“.

 

والمالُ -أيها المسلمون- من أسباب رضا الله على العبد، كما كان من أسباب سخطه عليه، والكلام لا يزال لابن القيم -رحمه الله-، قال: “وهذا أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف -رضوان الله عليهم- وغيرهم من أفاضل جمهور الصحابة مع الغنى الوافر وتأثيرهم في الدِّين أعظمُ من تأثير أهل الصُّفَّة، وقد نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن إضاعته، وأخبَر أن ترك الرجل ورثتَه أغنياءَ خيرٌ له من تركهم فقراءَ، وأخبَر أن صاحب المال لن يُنفق نفقة يبتغي بها وجه الله إلا ازداد بها درجة ورفعة“.

 

معاشرَ المسلمينَ: المال له دور عظيم في حفظ نظام الحياة، والأحياء وتحقيق التقدم والعمران، ودون مراعاة ذلك يفسد نظام العالَم، ويتوقَّف عطاؤه وينهدم عمرانه.

 

أيها المسلمون: ومع هذه المكانة العظيمة للمال فإن العبد مسئول عن ماله، من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، فالمال ليس مقصودا لذاته، وإنما هو للإنفاق ودوران التجارة والاستثمار والانتفاع وابتغاء فضل الله وبلوغ رضوانه، قال عز شأنه: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)[الْحَشْرِ: 7]، والمال مال الله، (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)[النُّورِ: 33]، ويد الإنسان فيه يدُ وديعةٍ (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)[الْحَدِيدِ: 7]، ومن أصاب المال من حِلِّه فذلك الذي يبارك الله له فيه، فالمال ليس مرفوضا لذاته، بل قد يكون فيه الخير الكثير، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنما الدنيا لأربعة نفر، عبد رزَقَه اللهُ مالًا وعِلْمًا، فهو يتَّقِي فيه ربَّه، ويَصِلُ فيه رَحِمَه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل…”(الحديث، أخرجه أحمد والترمذي وسنده صحيح).

 

وليس التشمير في الدنيا مقصورًا على المعاد دون المعاش، بل المعاش ذريعة إلى المعاد، ومُعِينٌ عليه؛ فالدنيا مزرعة الآخرة ومَدْرَجة إليها، قال أبو سليمان الداراني: “ليست العبادةُ عندنا أن تَصُفَّ قدميكَ وغيرُكَ يقوت لكَ، ولكِنِ ابدَأْ برغيفيكَ فأحرزهما ثم تعبَّدْ، فالمال من أعظم النِّعم في الدين والدنيا“.

 

وبعد عباد الله: فللمال أسباب تحفظه، منها: أداء حق الله فيه، من الزكوات والصدقات ووجوه الإحسان وصلة الأرحام وتفقُّد المساكين والمحاويج، والاعتدال في الإنفاق من غير إسراف ولا تقتير، قال عز شأنه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[التَّوْبَةِ: 103]، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)[الْفُرْقَانِ: 67]، وفي الحديث الصحيح: “ما نقص مالٌ من صدقة“(رواه مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

 

ومن أسباب الحفظ -عباد الله- تجنُّب أكل الحرام، ومسالك الحرام؛ من السرقة والغصب والغلول والرشوة والغش والاختلاس والاحتكار والميسر والقمار، وتعمُّد الإتلاف والإفساد وكل أعمال أكل المال بالباطل، فكلُّ المسلمِ على المسلم حرامٌ؛ دمه وماله وعرضه، فالمال قرين الدم والعِرْض، وأمر بحفظ أموال اليتامى والقاصرين ومن أكل أموالهم فإنما يأكل في بطنه نارا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)[الْإِسْرَاءِ: 26-27]، نفعني الله وإياكم بهدي القرآن العظيم، وبهدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، الحمد لله دبَّر بحكمته شئون العباد، وأوضَح بفضله سبيل الرشاد، أحمده -سبحانه- وأشكره، على نِعَم تتكاثر، وآلاء تزداد، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، تنزَّه عن الأشباه والأنداد، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدا عبد الله ورسوله، أفضل نبي وخير هاد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، نالوا المكارمَ شرفًا، ونهجوا طريق السداد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المعاد.

 

أما بعد، أيها المسلمون: وقد جعَل اللهُ المالَ سببًا لحفظ البدن، وحفظَ البدن سببًا لحفظ النَّفْس، والنَّفْسُ هي محلُّ معرفة الله، والإيمان به، وتصديق رسله ومحبته، والإنابة إليه؛ فالمال سبب عمارة الدنيا والآخرة، وإنما يُذَمُّ منه ما استُخرج من غير وجهه، وصُرِفَ في غير حقه، واستَعْبَدَ صاحِبَه، وملَك قلبَه، وشغَلَه عن الله والدار الآخرة، فيُذَمّ منه ما يتوصل من صاحبه إلى المقاصد الفاسدة أو شغَلَه عن المقاصد المحمودة، فالذم للجاعل لا للمجعول.

 

معاشر المسلمين: ومن أجل هذا كله كان في المال فتنة وطغيان، وقد بيَّن القرآن الكريم ذلك أوضح بيان، قال عز شأنه: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)[الْعَلَقِ: 6-7]، وقال عز وجل: (أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)[الْأَنْفَالِ: 28]، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[التَّغَابُنِ: 16-18]، وقال سبحانه: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ)[الْهُمَزَةِ: 1-3]، فالإنسان جموع منوع، (وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا)[الْمَعَارِجِ: 21].

 

ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واحفظوا أموالكم وطَيِّبوا مكاسبكم، وأنفِقُوا خيرًا لأنفسكم.

 

هذا وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله؛ فقد أمركم بذلكم ربُّكم في محكم تنزيله فقال وهو الصادق في قيله قولا كريما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك، نبينا محمد، الحبيب المصطفي، والنبي المجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وإحسانك وإكرامك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذِلَّ الشركَ والمشركينَ، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمَنْ خافَكَ واتقاك، واتَّبَع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق إمامَنا وولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين بتوفيقك، وأعزه بطاعتك، وَأَعْلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، ووفقه وولي عهده وإخوانه وأعوانه لِمَا تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى.

 

اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسُنَّة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.

 

اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقن دماءَهم، واجمع على الحق والهدى والسُّنَّة كلِّمَتَهم، وَوَلِّ عليهم خيارهم، واكفهم أشرارهم، وابسط الأمن والعدل والرخاء في ديارهم، وأعذهم من الشرور والفتن ما ظهَر منها وما بطن.

 

اللهم انصر جنودنا، اللهم انصر جنودنا، المرابطين على حدودنا، اللهم سدِّد رأيهم، وصوِّب رميَهم، واشدد أزرهم، وقوِّ عزائمَهم وثبِّت أقدامَهم، واربط على قلوبهم، وانصرهم على مَنْ بغى عليهم، اللهم أيِّدْهُم بتأييدك، وانصرهم بنصرك، اللهم وارحم شهداءهم، واشف جرحاهم، واحفظهم في أهلهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.

 

اللهم انصر إخواننا، اللهم انصر إخواننا المستضعفين المظلومين في فلسطين وفي بورما وفي إفريقيا الوسطى وفي ليبيا وفي العراق وفي اليمن وفي سوريا، اللهم قد مسهم الضر، اللهم قد مسهم الضر وحل بهم الكرب واشتد عليهم الأمر، تعرضوا للظلم والطغيان والتهجير والحصار اللهم انتصر لهم، اللهم انتصر لهم، وتولَّ أمرَهم، واكشف كربهم، وارفع ضرهم، وعجِّل فرجَهم، وألِّف بين قلوبهم، واجمع كلمتهم، اللهم مدهم بمددك وأيدهم بجندك، وانصرهم بنصرك.

 

اللهم عليك بالطغاة الظالمين ومَنْ شايَعَهم ومن أعانهم، اللهم فرِّق جمعَهم وشتِّت شملَهم، ومزِّقهم كلَّ ممزَّق، اللهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم يا رب العالمين.

 

اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين، اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين، فإنهم لا يعجزونك، اللهم وأنزل بهم بأسَكَ الذي لا يُرَدُّ عن القوم المجرمين، اللهم إنَّا ندرأ بكَ في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.

 

اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، ونفس كروبنا وعاف مبتلانا واشف مرضانا، وارحم موتانا، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].

 

 

الملفات المرفقة
المال … بين الخيرية والفتنة
عدد التحميل 86
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
صالح بن عبد الله بن حميد
سيرة الشيخ ومعلومات عن حياته : إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة ورئيس شئون الحرمين سابقا ورئيس مجلس الشورى السعودي .
مواد الكاتب
مواد في نفس المحور
التعليقات