طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17054

القلب السليم

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1440/12/22
تاريخ النشر : 1440/12/22
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/تقوى القلوب هي المقصود والغاية 2/القلب من أشرف مخلوقات الله وأعظمها 3/للقلوب أعمال خاصة 4/النية ركن ركين في العبادات 5/معنى القلب السليم وصفاته 6/طاعة الله ومعرفته طريق صلاح القلوب 7/آفات يجب الحذر منها
اقتباس

المرء بأَصْغَرَيْهِ، قلبِه ولسانِه، والذنوب والمعاصي سببُ الخوفِ والهلعِ، والطاعة هي الحصن الأعظم، فالقلوب لا تهدأ ولا تطمئنُّ إلا في كنف الله، وحِمى شرعِه، ولا تعمى بصيرتُها ويُطمس نورُها وتُحجب عن الحق والعلم والهدى إلا في كنف الشيطان ومهاوي الضلالة، وشتانَ بين قلب يتقرَّب إلى الله حتى يكون معه في شأنه كله، وبين قلب يستذِلُّه الشيطانُ بمعاصيه وذنوبه….

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله أهل الحمد والثناء، يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، أحمده على النعماء، وأعوذ به من حال أهل الشقاء، وأشهد ألَّا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ذو العظمة والكبرياء، وأشهد أنَّ سيدنا ونبيَّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله، سيِّدُ الأولينَ، وخاتم الأنبياء، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله السَّادة البررة الأتقياء، وأصحابه الأخيار الأوفياء، والتابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسان، وسار على نهجهم فاهتدى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مزيدًا، ليس له منتهى.

 

أما بعد: فأوصيكم -أيها الناسُ- ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله -رحمكم الله-، فتقوى الله خير زاد، في الدنيا ودار المعاد، واعلموا أنَّ خير ما يُعطى المرءُ -بعد الإيمان بالله- حُسْن الخُلُق، وحُسْن الخُلُق قد يُؤْتَاه قليلُ التعليم، ويفقده صاحبُ المؤهِّلات العالية، والتهنئة الصادقة لمن يتناسى الإساءاتِ، لا يحمل قلبًا غليظًا، ولا يعرف للعداوات طريقًا، في لقائه سرور، وفي حديثه سعادة.

 

يا عبد الله: لا يعتذر إلا الأشجع ولا يسامح إلا الأقوى، ومن العناء تتبُّع رضا الناس واتقِ غضبَ الحليم، (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[فُصِّلَتْ: 34-35].

 

معاشرَ المسلمين، حُجَّاجَ بيت الله: تقبَّل اللهُ حجَّكُم، وجعَل حجَّكم مبرورا، وسعيكم مشكورا، وذنبكم مغفورا، وأعادكم إلى دياركم سالمينَ غانمينَ.

 

حُجَّاجَ بيتِ اللهِ: يقول الله -عز وجل-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الْحَجِّ: 32]، نَعَمْ عبادَ اللهِ، إن المعوَّلَ عليه تقوى القلوب، قال أهل العلم: “والتقوى هنا أكثرُ مدحةً من الإيمان؛ لأن الإيمان قد يتخلَّله غيرُه، أمَّا تقوى القلوب فلا يتخلَّلها شيءٌ“؛ لماذا يا عباد الله؟ لأن القلب أعظم الأعضاء خطرًا، وأبلغها أثرًا، وأدَقُّها أمرًا، وأشقُّها إصلاحًا، يقول الحسن البصري -رحمه الله-: “داوِ قلبَكَ؛ فإنَّ حاجةَ الله إلى عباده صلاح قلوبهم، إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم“.

 

معاشرَ الإخوةِ: قلبُ الشيء خالصُه وشريفُه، وقد سُمي القلبُ قلبًا؛ لأنه أخلصُ شيء في الإنسان وأرفعه، ومن جهة أخرى: فإن القلب مأخوذ من التقلُّب والتحوُّل والتغيُّر، ومن معاني التقلُّب النظر في عواقب الأمور.

 

معاشرَ المسلمينَ: القلب في وظائفه من أشرف مخلوقات الله وأعظمها، لا يظهر للحِسِّ، بل هو من عالِم الغيب كالروح والنَّفْس واللُّبّ والفؤاد والعقل، وكلها مِنَح إلهية تُشرق على عالَم الحسِّ فتمنحه -بإذن الله- المددَ والغذاءَ والضياءَ، ضياءٌ ومددٌ يُفَرَّق فيه بين الحق والباطل، والصالح والفاسد، والنافع والضارِّ، والحقائق والأوهام، وفي الحديث عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ألَا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صَلُحَتْ صَلُحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فسَد الجسدُ كُلُّه، ألَا وهي القلبُ” (متفق عليه).

 

وصلاحُ القلبِ -أيها الأحبة- بالإيمان ومعرفة الحقائق ومعرفة الأحوال، وصلاحُ الجسدِ بطاعة الله والإذعان له.

 

وإذا فسَد القلبُ بالشرك والكفر ومساوئ الأعمال القلبية من الكِبْر والعُجْب والرياء والحسد وأمثالها فسَد الجسدُ، فسَد الجسدُ بالفسوقِ والعصيانِ، وظُلْم الخَلْق والإفساد في الأرض.

 

أيها المسلمون: القلب هو محلُّ التلقِّي، وهو الرابط بين باطن الإنسان وبين الظاهر من أعماله وسلوكه، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُكثِر من قوله: “يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دِينِكَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، أتخافُ علينا وقد آمَنَّا بكَ، وبما جئتَ به؟ قال: إنَّ القلوبَ بينَ إصبعينِ من أصابع الله يُقَلِّبُها” (رواه أحمد في مسنده، وإسناده على شرط مسلم).

 

وكان من قَسَم النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا ومقلِّبِ القلوبِ” (رواه البخاري).

 

معاشرَ الإخوةِ: والقلبُ موطنُ كلِّ خيرٍ، وقد ارتبط الخيرُ بالقلب في قوله -عز شأنه-: (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[الْأَنْفَالِ: 70]، فالقلبُ الذي فيه خيرٌ مهما قلَّ هذا الخيرُ لابد وأن ينفتح للإيمان، تأمَّلُوا قولَه -سبحانه-: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)[الْمُجَادَلَةِ: 22]، وقوله -عز شأنه-: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)[الْحُجُرَاتِ: 7]، وتأملوا قوله في حق أهل النفاق: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)[الْمَائِدَةِ: 41]، وقال عز شأنه في قوم من الأعراب: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)[الْحُجُرَاتِ: 14]، فالإيمان هو حياة القلوب ونعيمها.

 

أيها المسلمون: وللقلوب أعمال خاصة، تظهر على تصرُّفات العبد ومشاعره وتقلُّب أحواله؛ من الحُبِّ والفرح، والهمِّ والغمِّ، والحَزَن والغيظ، والحقد والحسد، والكيد والتربُّص والغضب والفَهْم والوعي والإدراك، وقد قال عز شأنه في أقوام: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا)[الْأَعْرَافِ: 179].

 

ومن أعظم أعمال القلوب وأهمها القصد والنية، وهي ما ينعقد عليه القلبُ ويعزم، وفي الحديث الصحيح: “إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى“، (والحديث مخرَّج في الصحيحينِ).

 

والنية ركنٌ ركينٌ في العبادات، وتمييز العادات من العبادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، بل النية تقلِب العادةَ إلى عبادة، وفسادُ النيةِ يُفسد العبادةَ، وما الإخلاصُ إلا صدقُ النية وصفاءُ القلب.

 

ومن أعمال القلوب الثبات، ثبات يُنتج الوقارَ والسَّكِينةَ، والثباتُ إذا رُزِقَه العبدُ يحفظ صاحبَه من القلق ومن الاضطراب، ويجعله يُدرك الواقعَ ويعمل للمستقبل، ولقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه- لَمَّا بعثَه إلى اليمن: “إنَّ الله مُثَبِّت قلبِكَ، وهادي فؤادِكَ” (رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن).

 

أيها المسلمون: وثمة صفات للقلوب عظيمة، تُبرز مظاهر الإيمان وحقائقه، ويتجلَّى فيها حياة القلوب ونعيمها، واستقامة العبد وصلاحه، فمنها: القلب السليم؛ كما قال عز شأنه: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشُّعَرَاءِ: 88-89]، ومن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: “اللهم إني أسألُكَ قلبًا سليمًا” (رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، من حديث شداد بن أوس -رضي الله عنه- بسند صحيح).

 

والقلب السليم ما سَلِمَ صاحِبُه من الدغل والشك والشرك والشرور والضلال، ظاهرُه كباطنه، وسِرُّه تنطق به جوارحُه، قلبٌ سليمٌ جمَع بين الإخلاص للمعبود، وإسلام الوجه له بالإنابة، واتَّبَع شرعَ الله حنيفًا مسلمًا، (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[الْبَقَرَةِ: 112].

 

معاشرَ الأحبةِ: ومن أعظم صفات القلوب الإخبات؛ وهو القبول والسكون إلى الله، يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: “واعلم أنه متى استقرَّت قَدَمُ العبدِ في منزلة الإخبات وتمكَّن فيها ارتفعت همتُه، وعَلَت نفسُه، فلا يفرح بمدح، ولا يحزن بذمٍّ، قد خرَج من حظ نفسه، وباشرت حلاوةُ الإيمانِ واليقينِ قلبَه، اقرؤوا إن شئتُم قوله -سبحانه-: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ)[الْحَجِّ: 54].

 

ومن صفات القلب الوَجَلُ: وقد قال ربُّ العزة: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)[الْأَنْفَالِ: 2]، وفي حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: “وَعَظَنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- موعظةً وَجِلَتْ منها القلوبُ” (رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح).

 

فأهلُ الإيمانِ على وجَل وقلَق ممَّا قدموه من طاعة وعمل صالح خشيةَ الردِّ وعدم القبول، ومنبعُه -منبع الوجل- إجلالُ الله وعظمتُه وهيبتُه وسلطانُه، قلوبٌ وَجِلَةٌ تنتقَّل من طاعة إلى طاعة؛ خوفًا من يوم تتقلَّب فيه القلوبُ والأبصارُ.

 

والقلبُ المطمئِنُّ -عبادَ الله- هو المدلول عليه بقوله -عز شأنه-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرَّعْدِ: 28]، والطمأنينة سكون وأمن واستراحة وأُنْس، وقد قال سبحانه مخاطِبًا نبيَّه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وأهلَ بدر -رضوان الله عليهم-: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ)[آلِ عِمْرَانَ: 126].

 

ومن أعظم ما يُرجى من الصفات القلبية الخشوعُ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)[الْحَدِيدِ: 16]، وقد استعاذ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من قلب لا يخشع. (رواه مسلم في صحيحه، من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه).

 

والخشوع ينتظم الاستكانةَ والتذلُّلَ والضراعة والخوف، ومدارُ ذلك كلِّه هو التجردُ من التعلُّق بغير الله في الدقيق وفي الجليل.

 

عبادَ اللهِ: القلب يصلُح إذا عرَف اللهَ وأطاعَه وهابَه خشيةً، ووقَف عند حدوده، وأصلَح مَطْعَمَه ومشربَه وملبَسَه، وإنَّ مَنْ أَهَمَّه أمرُ دينِه وانتبَه من رقادِ غفلتِه ورجا النجاةَ في الآخرة حَرِصَ غايةَ الحرص على سلامة قلبه، وتوقَّى أسبابَ عَطَبِه وهلاكه، يقول الحسن: “اعلم أنكَ لن تُحِبَّ اللهَ حتى تُحِبَّ طاعتَه“، ويقول يحيى بن معاذ: “ليس بصادق مَنِ ادَّعى محبةَ الله ولم يحفظ حدودَه، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن عندَه شيءٌ آثَرُ من هوى نفسه“.

 

وبعدُ عبادَ اللهِ: فالقلبُ يحيا بالمجاهَدة ومصاحَبة الصالحينَ الأخيار، والتعلُّقِ الصادقِ بالله -عز وجل-، وكلَّما ازداد القلبُ حُبًّا ازداد عبوديةً، وكلَّمَا ازداد لربِّه عبوديةً ازداد حُبًّا، ثم تأتي الأعمالُ الصالحةُ بجميع أنواعها وأبوابها، وما يفتح اللهُ على العبد منها، والسعيد مَنْ أسعَدَه اللهُ، والشقيُّ مَنْ أضلَّه اللهُ، والقلوبُ بيدِه يقلِّبُها كيف يشاء، لا إلهَ إلا هو، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[الْحَجِّ: 46].

 

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وسُنَّة نبيِّه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، الحمد لله الكريم المتعال، ذي الإنعام والإفضال، نحمده على كل حال، ونعوذ به من حال أهل الضَّلال، ونشهد ألَّا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، ذو الْمُلْك والملكوت، والعزة والجلال، وأشهد أنَّ سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبد الله ورسوله، كريم السجايا، وشريف الخصال، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آلِه وصحبِه خيرِ صحبٍ وآلٍ، والتابعينَ ومن تَبِعَهم بإحسان، وسلَّم تسليما كثيرا إلى يوم المآل.

 

أما بعد، أيها المسلمون: المرء بأَصْغَرَيْهِ، قلبِه ولسانِه، والذنوب والمعاصي سببُ الخوفِ والهلعِ، والطاعة هي الحصن الأعظم، فالقلوب لا تهدأ ولا تطمئنُّ إلا في كنف الله، وحِمى شرعِه، ولا تعمى بصيرتُها ويُطمس نورُها وتُحجب عن الحق والعلم والهدى إلا في كنف الشيطان ومهاوي الضلالة، وشتانَ بين قلب يتقرَّب إلى الله حتى يكون معه في شأنه كله، وبين قلب يستذِلُّه الشيطانُ بمعاصيه وذنوبه.

 

معاشر الأحبة: القلب يمرض ويموت ويعمى، (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)[الْأَنْعَامِ: 122]، فمِنْ أعظمِ آفاتِ القلوبِ الشركُ بالله والتعلُّق بغيره، ونعوذ بالله ممَّن شرَح بالكفر صدرًا.

 

ومن الآفات العظيمة اقتحام البِدَع ومخالَفة السُّنَّة، فخيرُ الهديِ هديُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وقد جعَل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من أسباب طهارة القلوب من الغل والهوى لزوم جماعة المسلمين وإمامهم وعدم مفارقتهم، فقال عليه الصلاة والسلام: “ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلبُ مسلمٍ أبدا: إخلاص العمل لله، ومناصَحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين” (رواه أصحاب السنن بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهما).

 

ومن الآفات العظيمة اتباع الشهوات والاستسلام لها، يقول ابن القيم -رحمه الله-: “ومن عقوبة المعاصي أنها تُعمي بصيرةَ القلب عياذًا بالله، وتطمِس نورَه، وتسدُّ طريقَ العلم وتحجُب موادَّ الهداية، وعمى القلب يسبِقُه أمراضُ القلب من الكِبْر والنفاق والاستهزاء والحسد والإفساد وغيرها من أمراض القلوب.

 

ألَا فاتقوا الله -رحمكم الله-، ألَا فاتقوا الله -رحمكم الله-، واعلموا أنه إذا كَثُرَ الاستغراقُ في المعاصي دخَل القلبُ في غمرة العماية والحيرة، قال سبحانه: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)[الْمُؤْمِنَونَ: 63]، فأمراضُ القلوبِ تصحبُها أحوالٌ كثيرةٌ من الزيغ والفسوق والخَتْم فيتولَّاه الشيطانُ ويسلكه حيث يريد، (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)[الصَّفِّ: 5]، (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)[الْبَقَرَةِ: 10]، نعوذ بالله من عذاب الله، ومن أليم عقابه، ونعوذ بالله من الخِذْلانِ.

 

هذا وصلُّوا وسَلِّموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله؛ فقد أمركم بذلكم ربُّكم في محكم تنزيله فقال -وهو الصادق في قيله- قولا كريما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدِكَ ورسولِكَ نبيِّنا محمد الحبيب المصطفى، والنبي المجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِكَ وجودِكَ وإحسانِكَ وإكرامِكَ وكرمك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركينَ، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا، خادم الحرمين الشريفين، اللهم وفقه بتوفيقك، وأعزه بطاعتك، وَأَعْلِ به كلمتَكَ، واجعله نصرةً للإسلام والمسلمين، ووفِّقْه ووليَّ عهده وإخوانه وأعوانه لِمَا تحب وترضى، وخُذْ بنواصيهم للبر والتقوى.

 

اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنينَ، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.

 

اللهم أصلح أحوالَ المسلمينَ، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقن دماءهم، واجمع على الحق والهدى والسُّنَّة كلمتهم، وَوَلِّ عليهم خيارَهم، واكفهم أشرارَهم، وابسط الأمن والعدل والرخاء في ديارهم، وأعذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

اللهم انصر جنودنا، اللهم انصر جنودنا المرابطين على حدودنا، اللهم سدِّد رأيهم، وصوِّب رميَهم، واشدد أزرهم، وقوِّ عزائمَهم، وثبِّت أقدامَهم، واربط على قلوبهم، وانصرهم على مَنْ بغى عليهم، اللهم أيِّدْهُم بتأييدِكَ، وانصرهم بنصرِكَ، اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن فوقهم، ونعوذ بك اللهم أن يغتالوا من تحتهم، اللهم وارحم شهداءهم، واشف جرحاهم، واحفظهم في أهلهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.

 

اللهم انصر إخواننا، اللهم انصر إخواننا المستضعَفين المظلومين في فلسطين وفي بورما وفي إفريقيا الوسطى وفي ليبيا وفي العراق وفي اليمن وفي سوريا، اللهم قد مسهم الضر، اللهم قد مسهم الضر وحل بهم الكرب واشتد عليهم الأمر، تعرضوا للظلم والطغيان والتهجير والحصار اللهم انتصر لهم، اللهم انتصر لهم، وتولَّ أمرَهم، واكشف كربهم، وارفع ضرهم، وعجِّل فرجَهم، وألِّف بين قلوبهم، واجمع كلمتهم، اللهم مدهم بمددك وأيدهم بجندك، وانصرهم بنصرك.

 

اللهم عليك بالطغاة الظالمين ومن شايَعَهم ومَنْ أعانَهم، اللهم فرِّق جمعهم وشتت شملهم، ومزِّقهم كلَّ ممزَّق، اللهم واجعل تدميرَهم في تدبيرهم يا ربَّ العالمين.

 

اللهم عليكَ باليهود الصهاينة الغاصبين المحتلين، اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين، فإنهم لا يعجزونك، اللهم وأنزل بهم بأسَكَ الذي لا يُرد عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.

 

اللهم اغفر ذنوبنا، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا ونفس كروبنا، وعاف مبتلانا، واشف مرضانا، وارحم موتانا.

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]، فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

الملفات المرفقة
القلب السليم
عدد التحميل 95
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
صالح بن عبد الله بن حميد
سيرة الشيخ ومعلومات عن حياته : إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة ورئيس شئون الحرمين سابقا ورئيس مجلس الشورى السعودي .
مواد الكاتب
مواد في نفس المحور
التعليقات