طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: مقتل ألف مدنى فى سوريا خلال 4 شهور    ||    العراق: سنتوجه للأمم المتحدة إذا ثبث تورط إسرائيل في استهداف مقراتنا    ||    تقرير أممي: مليشيا الحوثي ارتكبت «جرائم حرب»    ||    الطبيب التاجر!    ||    السعادة في الرضا    ||    المتنمِّرون!    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17041

غلام الراهب رحمه الله

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : خطب الطفولة التربية
تاريخ النشر : 1440/12/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

1/أهمية مرحلة الطفولة في التربية والتعلم 2/القصص وسيلة تربوية نبوية 3/قصة الغلام والساحر وما تضمنته من دروس وعبر 4/حقيقة انتصار الغلام على الملك الكافر.

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا أَنْ رَزَقَنَا بِالذُّرِّيَّةِ؛ فَهُمْ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الَّتِي وَهَبَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، وَهَذِهِ النِّعْمَةُ الْعَظِيمَةُ تَتَطَلَّبُ مَسْؤُولِيَّةً أَيْضًا عَظِيمَةً، فِي الْعِنَايَةِ بِهِمْ وَرِعَايَتِهِمْ، وَالِاهْتِمامِ بِتَنْشِئَتِهِمُ النَّشْأَةَ الصَّالِحَةَ، وَتَعْلِيمِهِمُ الْعِلْمَ النَّافِعَ، وَلَا يُوجَدُ مَرْحَلَةٌ عُمْرِيَّةٌ تُضَاهِي مَرْحَلَةَ الطُّفُولَةِ لِغَرْسِ الْمَفَاهِيمِ الصَّحِيحَةِ، وَالتَّعَالِيمِ الْقَوِيمَةِ.

 

عِبَادَ اللهِ: لَا يَسْتَهِينَنَّ أَحَدُكُمْ بِالسِّنِّ الْعُمْرِيَّةِ الصَّغِيرَةِ لِطِفْلِهِ فَيَتَسَاهَلُ فِي تَقْوِيمِهِ وَتَثْقِيفِهِ؛ بَلْ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَحْرِصَ غَايَةَ الْحِرْصِ أَنْ يَنْشَأَ طِفْلُهُ عَلَى الْمِنْهَاجِ الْقَوِيمِ، وَأَنْ يَكْتَسِبَ الصِّفَاتِ الصَّالِحَةَ وَيَجْتَنِبَ كُلَّ مَا يَعِيبُ وَيَشِينُ, وَكَمْ خَلَّدَ لَنَا التَّارِيخُ مِنْ حِكَايَاتٍ لِصِغَارٍ فِي السِّنِّ، كَانَ لِتَعْلِيمِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ أَثَرٌ فِي سُلُوكِهِمْ! وَسَنَسْتَعْرِضُ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ الْمُبَارَكَةِ حِكَايَةَ طِفْلٍ صَغِيرٍ، حَكَاهَا نَبِيُّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-لِأَصْحَابِهِ، تُبَيِّنُ أَنَّ الْعَظَمَةَ لَا عِبْرَةَ فِيهَا بِالسِّنِّ، وَأَنَّ الْكِبَارَ هُمْ كِبَارُ الْأَفْعَالِ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْمَارُهُمْ فَتِيَّةً، وَأَسْنَانُهُمْ صَغِيرَةً، هَذِهِ الْقِصَّةُ هِيَ قِصَّةُ الْغُلَامِ وَالرَّاهِبِ.

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: كَانَ مِنْ عَادَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَحْكِيَ الْقَصَصَ لِأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ غَيْرُ مُبَاشِرَةٍ، يُسْتَلْهَمُ مِنْهَا الْعِبَرُ وَالْعِظَاتُ، فَقَرِّبُوا مِنِّي أَسْمَاعَكُمْ، وَاجْمَعُوا إِلَيَّ شَتَاتَ أَذْهَانِكُمْ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ صُهَيْبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قَالَ: “كَانَ مَلِكٌ فيمَنْ كَانَ قَبلَكمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ؛ فَبَعثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ“؛ تَأَمَّلُوا مَعِي أَنَّ السَّاحِرَ طَلَبَ تِلْمِيذًا لِيُلْقِيَ إِلَيْهِ عِلْمَ السِّحْرِ؛ لَيَخْلُفَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَاخْتَارَ غُلَامًا صَغِيرًا، وَلَمْ يَكُنِ اخْتِيَارُهُ لِهَذَا السِّنِّ عَبَثًا؛ بَلْ لِأَنَّهُ هُوَ أَهَمُّ سِنٍّ لِلتَّعْلِيمِ؛ فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَحْرِصَ عَلَى الصِّغَارِ فِي تَبْلِيغِهِمُ الْعِلْمَ؛ فَإِنَّ مَرْحَلَةَ الصِّغَرِ وَالطُّفُولَةِ مَرْحَلَةٌ صَافِيَةٌ مِنَ الْأَكْدَارِ وَالْهُمُومِ وَالْمَشَاغِلِ الَّتِي تَأْخُذُ بِأَلْبَابِ الْكِبَارِ.

 

وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَتَجَلَّى أَمْرٌ مُهِمٌّ، وَهُوَ مَا لِلْأُسْرَةِ مِنْ دَوْرٍ تَرْبَوِيٍّ أَسَاسٍ فِي تَنْشِئَةِ الْأَوْلَادِ، وَحِفظِهِمْ مِنَ الشُّرُورِ وَالْمَكَائِدِ، لَكِنْ هُنَا غَابَ دَوْرُهُمْ حِينَ تَرَكُوهُ لِلسَّاحِرِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا إِهْمَالٌ كَبِيرٌ، وَمِنَ الْمُؤْسِفِ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَتَكَرَّرُ فِي حَيَاةِ بَعْضٍ مِنَّا، فَيَتْرُكُونَ أَطْفَالَهُمْ مَعَ الْقَنَوَاتِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تَبُثُّ الْفِسْقَ وَالْفُجُورَ، أَوْ يَتَسَاهَلُونَ مَعَهُمْ فَيَجْلِبُونَ لَهُمُ الْأَلْعَابَ الَّتِي تَمْتَلِئُ بِالْمُخَالَفَاتِ, سَوَاءً فِي الْعَقِيدَةِ أَوِ السُّلُوكِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخَلَلِ التَّرْبَوِيِّ.

 

ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-عَنِ الْغُلَامِ فَقَالَ: “وَكانَ في طرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ, فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ فَأَعْجَبَهُ, وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ, مَرَّ بالرَّاهبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ, فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ, فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ, فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ, فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي, وَإذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ, فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ“؛ هَلْ رَأَيْتُمْ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ؟! لَمْ يُسْلِمْ عَقْلَهُ لِمَا اخْتَارُوهُ لَهُ مِنَ السِّحْرِ! بَلْ سَمِعَ مِنَ الرَّاهِبِ، وَقَارَنَ وَمَايَزَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَوَجَدَ أَنَّ مَا يَقُولُهُ الرَّاهِبُ هُوَ مَا يَسْتَحِقُّ الْإِعْجَابَ، وَهَذَا مِنْ فِطْنَةِ وَذَكَاءِ هَذَا الْفَتَى.

 

وَنَسْتَفِيدُ أَنَّ التَّأْدِيبَ لِمَنْ يَتَخَلَّفُ مِنَ التَّلَامِيذِ مُهِمَّةٌ، لَكِنْ تَكُونُ بِالْأُسْلُوبِ الْأَنْفَعِ، وَالطَّرِيقَةِ الْأَجْدَى.

 

وَفِيهِ أَهَمِّيَّةُ اسْتِشَارَةِ أَهْلِ الْخَيْرِ فِيمَا تَعْتَرِضُنَا مِنْ مُشْكِلَاتٍ لَاسِيَّمَا الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ؛ فَهَذَا الْغُلَامُ طَرَحَ مُشْكِلَتَهُ عَلَى الرَّاهِبِ، وَقَدْ أَعْطَاهُ حَلًّا يُسَاعِدُهُ عَلَى تَجَاوُزِ تِلْكَ الْمُشْكِلَةِ الَّتِي حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِمَاعِهِ لِلْحَقِّ.

 

إِخْوَةَ الدِّينِ: ثُمَّ قَالَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “فَبَيْنَما هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ, فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمضِيَ النَّاسُ, فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ, فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ, فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى, وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى, فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلاَ تَدُلَّ عَلَيَّ“؛ سُبْحَانَ اللهِ! لَمْ يَنْبَرِ لِهَذِهِ الدَّابَّةِ إِلَّا هَذَا الْغُلَامُ؛ لِتَفْكِيرِهِ فِي مَصْلَحَةِ النَّاسِ، وَاهْتِمَامِهِ بِأَمْرِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ يَسَعُهُ مَا وَسِعَ الْجَمِيعَ مِنَ التَّرَقُّبِ وَالِانْتِظَارِ، لَكِنْ هُنَا يَظْهَرُ الْحِسُّ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ؛ لِيُوَضِّحَ لَنَا أَنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ نَزْعَةٌ نَفْسِيَّةٌ قَدْ تَظْهَرُ حَتَّى فِي الصِّغَرِ.

 

وَفِي تَسَاؤُلِ الْغُلَامِ: “الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟“؛ دَلَالَةٌ أَنَّ السُّؤَالَ هُوَ مِفْتَاحُ الْعِلْمِ، وَقَدْ أَتْبَعَ السُّؤَالَ بِالْفِعْلِ لِاخْتِبَارِ مَا تَعَلَّمَهُ مِنْ مَعَارِفَ؛ لِيَصِلَ إِلَى الْحَقِيقَةِ وَالصَّوَابِ؛ فَلَا يُغْلِقُ الْمَرْءُ عَقْلَهُ حِينَ يَتَلَقَّى؛ بَلْ يُمَحِّصُ مَا يَتَلَقَّاهُ لِيَصِلَ إِلَى الْحَقِّ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مُسَاعَدَةَ النَّاسِ مِنْ أَوْلَوِيَّاتِ طَالِبِ الْعِلْمِ، وَهَذَا الْإِحْسَانُ مِنْ أَسْبَابِ مَيْلِ قُلُوبِ الْخَلْقِ إِلَيْكَ؛ لِيَسْمَعُوا بَعْدَهَا مَا تَقُولُهُ؛ فَالْبَشَرُ مَجْبُولَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ.

 

أَحْسِنْ إلى النَّاسِ تَسْتَعبِدْ قُلُوبَهُمُ *** فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ

 

وَيُنَبِّهُنَا قَوْلُ الرَّاهِبِ لِلْغُلَامِ: “أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ منِّي” إِلَى مَبْدَأٍ تَرْبَوِيٍّ نَافِعٍ جِدًّا، أَلَا وَهُوَ التَّشْجِيعُ لِلْمُتَمَيِّزِ لِمَا لَهُ مِنْ أَثَرٍ بَالِغٍ عَلَى نَفْسِيَّةِ الْمُحَفَّزِ عُمُومًا؛ وَلَدًا كَانَ أَوْ طَالِبًا أَوْ عَامِلًا أَوْ زَوْجَةً، فَالنَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ التَّشْجِيعِ وَالتَّأَثُّرِ بِهِ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَعَلِى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَبَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: …… ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ, وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاءِ, فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ, فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ, فَقَالَ: مَا هَا هُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي, فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشفِي اللهُ -تَعَالَى-، فَإنْ آمَنْتَ بِاللهِ -تَعَالَى-دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ, فَآمَنَ بِاللهِ -تَعَالَى-فَشَفَاهُ اللهُ –تَعَالَى-“؛ يَنْبَغِي عَلَى الدُّعَاةِ أَنْ يُعَلِّقُوا قُلُوبَ النَّاسِ بِاللهِ -تَعَالَى-, وَلَا يَرْبِطُوهُمْ بِالْأَشْخَاصِ وَالْأَسْبَابِ؛ فَهَذَا الْغُلَامُ قَالَ لِلْأَعْمَى: “إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ“.

 

فَأَتَى المَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ, فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي, قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ, فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ, فَجِيءَ بِالْغُلاَمِ, فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ! قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وتَفْعَلُ وتَفْعَلُ! فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا, إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ -تَعَالَى-, فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ؛ فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ, فَأَبَى, فَدَعَا بِالْمِنْشَارِ فَوُضِعَ الْمِنْشَارُ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ, فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ, ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ, فَأَبَى, فَوُضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرِق رَأْسِهِ, فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ, ثُمَّ جِيءَ بالْغُلاَمِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ, فَأَبَى, فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ, فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلاَّ فَاطْرَحُوهُ“.

 

لَقَدِ اسْتَخْدَمَ الْمَلِكُ التَّعْذِيبَ كَوَسِيلَةٍ لِلصَّدِّ عَنِ الْحَقِّ وَرَدِّ أَهْلِ الْإِيمَانِ عَنْ دِينِهِمْ, وَهِيَ سُنَّةُ الْمُجْرِمِينَ قَالَ -تَعَالَى- فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)[الكهف: 20], وَلَكِنْ مَنْ صَدَقَ فِي إِيمَانِهِ صَبَرَ, وَثَبَّتَهُ اللهُ -تَعَالَى-, وَفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ لِأَبِي سُفْيَانَ: “وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا, وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ“(رواه البخاري).

 

فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الجَبَلَ, فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ, فَرَجَفَ بهِمُ الْجَبلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ, فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهمُ اللهُ -تَعَالَى-, فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ وتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ, فَإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَّ فَاقْذِفُوهُ, فَذَهَبُوا بِهِ, فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنيهِمْ بمَا شِئْتَ, فَانْكَفَأَتْ بِهمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا, وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ, فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ تَعَالَى“؛ وَفِيهِ حُسْنُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ -تَعَالَى-, وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ حِفْظِ اللهِ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ؛ (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق: 3]؛ أَيْ: “كَفَاهُ مَا أَهَمَّهُ”(رواه البغوي).

 

فَقَالَ لِلمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ, قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ, ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي, ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلاَمِ، ثُمَّ ارْمِني، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ, وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ, ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ, ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ, ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ, ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ فَمَاتَ, فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ, فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَاللهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ, قَدْ آمَنَ النَّاسُ, فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ بأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وأُضْرِمَ فيهَا النِّيرَانُ وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا, أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا, حَتَّى جَاءَتِ امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا, فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ اصْبِري؛ فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ“.

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ صُوَرِ الِانْتِصَارِ عَلَى الْبَاطِلِ: أَنْ يَثْبُتَ الْمُؤْمِنُ عَلَى إِيمَانِهِ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ. وَلَا يُهِمُّ مَا خَسِرَ الْمُؤْمِنُ مِنَ الدُّنْيَا بِسَبَبِ إِيمَانِهِ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ يَهُونُ أَمَامَ الْجَزَاءِ فِي الآخِرَةِ, وَفِي قِصَّةِ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ؛ (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[طه: 72-73].

 

فَعَلَيْنَا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- أَنْ نُنَشِّئَ أَبْنَاءَنَا عَلَى الْإِيمَانِ، وَصُحْبَةِ أَهْلِ الْخَيْرِ؛ حَتَّى يَكُونُوا عَوْنًا لَهُمْ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَالْبُعْدِ عَنِ السَّيِّئَاتِ؛ فَإِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ كَانُوا لَنَا زِينَةً فِي الْحَيَاةِ وَذُخْرًا بَعْدَ الْمَمَاتِ.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَبْنَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْبِتْهُمْ نَبَاتًا حَسَنًا، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرِّهْ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ.

 

 

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

الملفات المرفقة
غلام الراهب رحمه الله
عدد التحميل 27
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات