طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15522

اغتنام شرف الزمان وشرف المكان

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : الحج
تاريخ النشر : 1439/12/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/برغم قِصَر عمر المسلم يمكنه تحصيل الأجور العظيمة 2/المسلم يحرص على حياته ليكسب أكبر قَدْر من الحسنات 3/أمثلة على الأزمنة والأماكن التي تتضاعف فيها الحسنات 4/من فضائل العشر الأُوَل من ذي الحجة
اقتباس

وإذا كانت المسارعة في الخيرات محمودة مطلوبة في كل آن وحين، وكل مكان فإن حدوث ذلك بالأماكن المفضَّلة والأزمان الشريفة أكثر فضلا وخيرا، وأعظم أجرا، فتعرَّضوا -عباد الله- لنفحات الجليل، واغتَنِمُوا أوقاتَكم، وافعلوا الخيرَ، فعسى أن تُدْرِكَ المرءَ نفحةٌ من نفحات الكريم، فيسعد بذلك سعادةً ما بعدها شقاء…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، وتمسَّكُوا من الإسلام بالعروة الوثقى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102].

 

إخوة الإسلام: اقتضت حكمة الباري -سبحانه- أن تكون أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أقلَّ الأمم عُمْرًا في هذه الدنيا، فأعمارها قصيرة، مقارنةً بأعمار الأمم السابقة لها، فقد (روى الترمذي وابن ماجه) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم مَنْ يَجُوز ذلك” (وروى أبو يعلى في مسنده) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مُعْتَرَكُ المنايا بين الستين إلى السبعين“.

 

ومع كون هذه الأمة أقصر عمرا مِمَّنْ سبَقَها من الأمم لكن الله تفضَّل عليها بما لم يتفضَّل به على الأمم قَبْلَها، وأكرمها بما لم يُكرم بها غيرها، فقد عُوِّضَتْ ببركة أعمالها؛ فأعطاها الله أعمالا كثيرة مباركة في الثواب، وشرَع لها قُرُبات نافعة، ذات أَجْر عظيم وثواب عميم، متى استثمرها المسلمُ انتفع نفعًا عظيمًا، وطال عمرُه في الطاعة؛ بحيث يحصِّل أجورا عظيمة على أعمال قليلة، ويكسب حسنات كثيرة في وقت يسير، وكان الأصل أن يستغرق أداؤها زمنًا يفوق عمرَه المحدودَ، وبذلك يكون عمره الفعلي للعبادة أطول من عمره الحقيقي.

 

وإذا كان ذلك كذلك فينبغي على العبد أن يستثمر وقته؛ ليحقق أكبرَ قَدْر من الإنتاجية في عمر أقل، ويُثري عمره بالخير والطاعات والمنافع.

 

والمسلم -عباد الله- يحرص على حياته لا لِذَاتِهَا، ولكن ليكسب أكبرَ قَدْر ممكن من الحسنات، ويستثمر أوقاتَه المحدودة بالعمل الصالح الذي يرفع درجاتِه في الجنة، ويضرب بسهم في جميع مجالات الخير وأبواب البِرّ، فينال أعظم الأجر عند ربه الكريم، داعيًا إياه أن يجعله ممن حَسُن عملُه؛ فالعبرة بحُسْن العمل لا بطول العمر، فقد صحَّ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “خيرُ الناس مَنْ طال عمرُه وحَسُن عملُه” (رواه الترمذي من حديث عبد الله بن حصن -رضي الله عنه-).

 

ومن الشواهد البيِّنة والأمثلة الدالة على تعويض الله هذه الأمة عن قِصَر أعمارها أن هناك أياما وليالي مباركة، وأوقات ثمينة وأماكن فاضلة، وأعمالا كريمة، تتضاعف فيها الحسنات، وتَعْظُم أجورها؛ كليلة القَدْر، وعشر ذي الحجة، وأداء حجة مبرورة، وصيام عاشوراء، وصيام يوم عرفة، والصلاة في المسجد الحرام، وقراءة القرآن، وصلاة الجماعة، وصلة الرحم، وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية.

 

وإليكم مثالا واحدا يتجلى من خلاله كيف تتضاعف أجور بعض الأعمال فتكون مَرْبَحًا عظيمًا في حسنات المسلم:

 

فهذا هو المسجد الحرام، له مزية ليست لغيره؛ وهي مضاعَفَة أجر الصلاة فيه أكثر من غيره، كما جاء في الحديث الصحيح عن جابر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من مائة ألف صلاة” (رواه أحمد، وابن ماجه).

 

قال بعض العلماء: “فحسب ذلك على هذه الرواية فبلغت صلاةٌ واحدةٌ في المسجد الحرام عمرَ خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاةُ يومٍ وليلةٍ في المسجد الحرام؛ وهي خمس صلوات عمر مائتي سنة وسبع وسبعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال“، والله يضاعف لمن يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

 

ومما يجدر ذكره هنا -أيها الإخوة- أنه كثيرا من أهل العلم يرى أن مضاعفة الصلاة يشمل الحرم كله، وأن جميع بقاع مكة تسمَّى المسجدَ الحرامَ.

 

عباد الله: وَمِنْ فضلِ اللهِ على الأمة كذلك: أن شرَع لها موسمًا عظيمًا من التجارة الرابحة، يتنافس فيه المتنافسون ويربح فيه العاملون، ويجتمع فيه شرفُ الزمانِ وشرفُ المكانِ؛ أما الزمان: فالأشهر الحرم، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم، ورجب، وأما شرف المكان: فهذه مكة البلد الحرام أقدس بقعة على وجه الأرض، وهي مقصد كل عابد وذاكر، حرَّمها الله على خلقه أن يسفكوا فيها دما حراما، أو يظلموا فيها أحدا، أو يصيدوا صيدها، أو يقطعوا شجرها، في هذه الأجواء المباركة، يأتي موسم حج بيت الله العتيق الذي جعل اللهُ قلوبَ الناس تهوي إليه، وترق لذِكْره، وتخشع عند رؤيته، إجلالا لله، وتعظيما لشعائره، وها هي قوافل الحجيج تتقاطر على البيت العتيق من كل فج عميق، ملبينَ نداءَ خليل الله إبراهيم -عليه السلام- الذي أمره الله بقوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)[الْحَجِّ: 27].

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، شرَع لعباده مواسم الخيرات؛ ليغفر لهم الذنوب ويجزل لهم الهبات، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرَع الشرائع وأحكم الأحكام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل مَنْ صلَّى وصام، ووقف بالمشاعر وطاف بالبيت الحرام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: فها نحن -عباد الله- قد أظلَّنا موسم عظيم وأيام مباركة كريمة؛ هي أيام العشر الأُوَل من ذي الحجة، هذه الأيام التي هي أفضل أيام خلقها الله على الإطلاق، أفضل أيام الدنيا كما بيَّن ذلك -صلى الله عليه وسلم-.

 

إنها أيام خير وفوز وفَلَاح، فمن أدركها وتعرض لنفحاتها سَعِدَ بها، وهي فرصة عظيمة للتزود والاغتنام واستدراك ما فات، وموسمها مشترك بين الحاجِّين والقاعدين، فعلينا -عباد الله- أن نُري اللهَ من أنفسنا خيرًا، خاصةً في هذه الأيام العشر، التي أقسم اللهُ بها في كتابه فقال عز من قائل: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)[الْفَجْرِ: 1]، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- فضلها بقوله: “ما العملُ في أيام أفضل منها فيها في هذه، قالوا: ولا الجهادُ؟ قال: ولا الجهادُ إلا رجلٌ خرَج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء” (رواه البخاري).

 

وفي رواية: “ما مِنْ أيامٍ أعظمَ عند الله ولا أحبَّ إليه العملُ فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثِروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد” (رواه أحمد).

 

ولْيُعْلَم أنه من الفطنة والفقه أن يختار المسلم من الأعمال الصالحة أحبَّها إلى الله -تعالى- فيتقرب إليه بها، فالعمل في العشر محبوب أيًّا كان نوعه، فيُشرع فيها التسبيح والتهليل والتكبير والذِّكْر، والاستغفار وقراءة القرآن، والصيام والصدقة، والدعاء، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتوبة إلى الله، والاهتمام بالأعمال القلبية، ومنها: الصدق والإخلاص والصفح والعفو، والتخلص من الحقد والشحناء والبغضاء، وسائر المعاني المرذولة التي لا يحبها الله -عز وجل-.

 

معاشر المسلمين: وإذا كانت المسارعة في الخيرات محمودة مطلوبة في كل آن وحين، وكل مكان فإن حدوث ذلك بالأماكن المفضلة والأزمان الشريفة أكثر فضلا وخيرا، وأعظم أجرا، فتعرَّضوا -عباد الله- لنفحات الجليل واغتَنِمُوا أوقاتَكم، وافعلوا الخيرَ، فعسى أن تُدْرِكَ المرءَ نفحةٌ من نفحات الكريم، فيسعد بذلك سعادة ما بعدها شقاء.

 

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم ربكم بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صلِّ على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركتَ على آل إبراهيم إنكَ حميد مجيد.

 

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين، والصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين، وانصر عبادك الموحدين، ودمر أعداءك أعداء الدين واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين الله انصر من نصر الدين واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم آمِنَّا في الأوطان والدُّور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال، وكريم الخصال، يا حي يا قيوم.

 

اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.

 

اللهم كن لإخواننا المستضعفين والمجاهدين في سبيلك والمرابطين على الثغور، اللهم كن لهم معينا ونصيرا ومؤيدا وظهيرا

 

اللهم سلم الحجاج والمعتمرين، وأعنهم على أداء مناسكهم واغفر ذنبهم وآتهم سؤلهم واجعل حجهم مبرورا، وسعيهم مشكورا، اللهم زودنا من التقوى ووفقنا لاغتنام الأيام العشر، واكتب لنا فيها عظيم الثواب ووافر الأجر.

 

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وقنا عذاب النار.

 

وقوموا إلى صلاتكم يرحكم الله.

الملفات المرفقة
اغتنام شرف الزمان وشرف المكان
عدد التحميل 19
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات