طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15251

رمضان والتفكر

المكان : اليمن / صنعاء / بدون / ابن الأمير الصنعاني /
التصنيف الرئيسي : رمضان
تاريخ الخطبة : 1429/09/19
تاريخ النشر : 1439/09/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/التفكر مفهومه ومعيناته 2/من صور التفكر ومظاهره 3/فضل التفكر وآثاره 4/وقفة مع العشر الأواخر من رمضان وما فيها من أعمال.
اقتباس

دعا القرآن الكريم الإنسان إلى التفكر وإعمال النظر؛ لما في ذلك من آثار حسنة، وعوائد حميدة، قال بعض العلماء: “كثر الحث في كتاب الله -تعالى- على التدبر والاعتبار والنظر، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار، ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم، ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر الناس قد عرفوا فضله…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، أحمده على نعمه الوفيرة، وآلائه الغزيرة، وأشهد أن لا إله إلا هو المعبود الحق في أرضه وسمائه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد أوليائه، وخيرة أصفيائه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1].

(يا أَيَّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَ قُولُواْ قَولاً سَدِيداً * يُصلِحْ لَكُم أَعْمَالَكُم وَ يَغْفِرْ لِكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيمَاً)[الأحزاب: 70-71]،  أما بعد:

 

أيها المسلمون: في رمضان تتعدد الخيرات، وتتنوع الطاعات؛ فتسمو الروح إلى آفاق الصفاء والنور، وتتسع في النفس مساحات البهجة والسرور، وتحيا القلوب وتصفو العقول، وتسعد الجوارح بالإقبال على القُرب التي تجد فيه لذتها وأنسها.

 

عباد الله: هناك عبادة عظيمة من العبادات التي قد يكون الصيام الصحيح سبباً لقيام العبد بها؛ لأن هذه العبادة تفتقر إلى انتشال النفس من لهو الدنيا ومشاغلها، وتصفية العقل من مكدراته التي قد تحول دون الوصول إلى هذه العبادة؛ فطغيان الحياة المادية المعاصرة بملهياتها ومشكلاتها جعلت الإنسان مأسوراً في بحار الغفلة التي تتقاذفه أمواجها من مكان إلى آخر؛ فهو في ذلك دائم الانشغال بلذة تلهيه، أو مشكلة تنسيه.

 

تحتاج هذه العبادة إلى وقفة وتريث وإعمال للروح واللب والقلب معاً، ولا شك أن رمضان إذا صيم الصيامَ الشرعي مِن أحسن الأحوال للسياحة في آفاق هذه العبادة الشريفة؛ هذه العبادة هي: التفكر، نعم، التفكر بمعناه الشامل في ملكوت الله وأمره، وتشريعه لخلقه، وفي مصالح العباد وطرق اجتلابها، وفي مفاسد المعاد وطرق اجتنابها.

 

أيها الصائمون: لقد دعا القرآن الكريم الإنسان إلى التفكر وإعمال النظر؛ لما في ذلك من آثار حسنة، وعوائد حميدة، قال بعض العلماء: “كثر الحث في كتاب الله -تعالى- على التدبر والاعتبار والنظر، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار، ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم، ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته، لكن جهلوا حقيقته وثمرته“.

 

إن من أحسن الأحوال التي تعين على التفكر: الصيام؛ وذلك أن التقليل من الطعام والشراب والشهوات، والإقبال على قراءة القرآن وكثرة الصلاة وغيرهما من سائر العبادات تصقل الروح، وتصفي العقل، وتطهر القلب؛ فإذا وصل الإنسان إلى هذه الحال من الصفاء والنقاء انطلق فكره واتقد ذهنه، وراح ينظر ما يدركه بالمشاهدة أو الحس أو السمع أو الخبر الصادق بعين التأمل؛ ليجني من وراء ذلك العظة والعبرة.

 

فيا أيها الصائم الكريم، تفكر في أسماء الله وصفاته في معانيها وآثارها في خلقه تعالى، انظر إلى حلم الله -عز وجل- ورحمته بعباده، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)[النحل: 61].

 

وتفكر في علمه وقيوميته وإحاطته بكل شيء، (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[الأنعام: 59].

 

وتفكر في قوته وجبروته، (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[العنكبوت: 40]

 

وتفكر في عظمته؛ لتربي هيبته في قلبك؛ فتسعى لعبوديته، قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الزمر: 67].

 

قال بشر بن الحارث الحافي -رحمه الله-: “لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله -عز وجل-“.

وتفكر في شريعة الإسلام التي منَّ الله بها عليك، كيف أكملها وأتمها، ويسرها ورفع الحرج عنها، وكيف كانت مراعية لمصالح الخلق في كل زمان ومكان، شاملة لكل ما يهمهم، باقية قوية صامدة شامخة رغم شدة الحرب عليها والتآمر على مبادئها وأحكامها السماوية الخالدة، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)[الحج: 78]، وقال: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)[الأنعام: 38].

 

تفكر -أيها الصائم- في خلق الله -تعالى- كيف خلقه وأبدعه، وأنشأه وصنعه، (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)[النمل: 88]؛ فانظر هذه الأرض كيف بسطها وسواها، وهذه السماء كيف رفعها وبناها، وهذه الجبال كيف ثبتها وأرساها، وهذه الأنهار كيف أنبعها وأجراها، وهذه البحار كيف مدها ودحاها، والمواخر الجواري عليها كيف حفظها وأجراها إلى مهواها، والأرض الجدباء البور كيف أخصبها وأحياها، وأشجارها وثمراتها كيف تفاوتت -بقدرته- صنوفها وألوانها وطعومها، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[آل عمران: 190- 191].

 

قال ابن عمير لعائشة -رضي الله عنها-: “أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: “يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي” قلت: “والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟!” قال: “أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[البقرة: 164].

 

ألم تقرأ -أيها الصائم- قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)[الغاشية: 17 – 20]، أما نظرت إلى النحلة كيف هداها، والنملة كيف علمها، والطير كيف حفظها في طيرانها ورزقها، قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)[النحل: 68]، وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)[النمل: 18]، وقال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[النحل: 79].

تأمل في نبات الأرض وانظر *** إلى آثار ما صنع المليكُ

جفون من لجين ناضرات *** كأن حداقها ذهب سبيكُ

على قضب الزبرجد مخبرات *** بأن الله ليس له شريكُ

فيا عجبا كيف يُعصى الإله *** أم كيف يجحده الجاحدُ

وفي كل شيء له شاهد *** يدل على أنه واحدُ

 

أيها الصائمون: ألا تفكرنا في نعم الله علينا، وسوابغ آلائه فينا، خلقنا فأحسن خلقنا، ومنَّ علينا بالهداية إلى الإسلام وأكرمنا، ورزقنا وسخر ما في الكون لنا، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)[الانفطار: 6 – 8].

 

وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ)[يس: 71 – 73].

 

معشر الصائمين: هلا وقفنا وقفة تفكر صادقة، ونظرنا إلى هذه الدنيا التي نعيش فيها، وتأملنا في حقارتها وقلتها، وسرعة زوالها وتحولها، وكدر عيشها وتغير ما فيها، ماذا أخذ منها من دخلها حينما فارقها؟! ألم يأن للسكرى بشهواتها وهواها أن يصحوا ليعرفوا الحقيقة، قال تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[يونس: 24].

 

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: دخل عمر بن الخطاب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال: “يا عمر، مالي وللدنيا، وما للدنيا ولي، والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها“.

 

بكى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يوماً بين أصحابه فسئل عن ذلك فقال: “فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادكر“.

قال بعض الشعراء:

إني رأيت عواقب الدنيا *** فتركت ما أهوى لما أخشى

فكرت في الدنيا وعالمها *** فإذا جميع أمورها تفنى

وبلوت أكثر أهلها فإذا *** كل امرئ في شأنه يسعى

أسنى منازلها وأرفعها *** في العز أقربها من المهوى

تعفو مساويها محاسنها *** لا فرق بين النعي والبشرى

ولقد مررت على القبور فما *** ميزت بين العبد والمولى

أتراك تدري كم رأيت من ال *** أحياء ثم رأيتهم موتى؟

 

وفي مقابل ذلك أما تفكرنا في الآخرة الدار الباقية، وتأملنا في دوامها وخلودها، وراحتها وسعودها، واستمرار طيبها ولذائذها، وذهاب الأحزان والعناء عند دخولها، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)[فاطر:34].

 

خيرها متصل، وعيشها مستقر، (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[الزخرف: 71].

 

وقال تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)[العنكبوت: 64].

 

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادي يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)[مريم: 39]”.

 

ثم تفكر -أيها المسلم- في بضاعتك التي ستقدم بها على الله -تعالى-، ماذا عملت، وكيف عملت؟ قال تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[البقرة: 197]، وقال تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشعراء: 88- 89].

 

أيها المسلمون: إن عبادة التفكر تدل المتفكر على طريق الجنة فيعمل لها قبل مفاجأة الموت، وقد لِيمَ لقمانُ -رحمه الله- تعالى على الوحدة فقال للائمه: “إن طول الوحدة أفهم للفكر، وطول الفكر دليل على طريق الجنة“.

 

وحينما يتفكر الإنسان يدعوه ذلك إلى فعل الخيرات وترك المنكرات؛ لأنه علمَ بذلك أنه خلق لغاية فلا بد من سعيه لها.

 

كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: “اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى – وإن كان كثيرا – يعدل ما يبقى، وإن كان طلبه عزيزا، واحتمال المئونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية“.

 

ألا رحم الله امرئ تفكر قبل أن يُقبر، فساقه تفكره إلى إحسان العمل، وإصلاح الخلل، قبل حضور الأجل.

 

وتفكر في دنياه فلم يركن إليها، ولم يشغل قلبه بها، وتفكر في آخرته فأعد زاد النجاة، وبعث قلبه إليها فعاش في الدنيا غريباً بين أهلها؛ لأن دار أُنسه الحقيقية هي دار السلام بجوار الرب السلام.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

 

أيها الصائمون الفضلاء: فما زالت أيام رمضان ولياليه تتسارع وتتسابق، وأنفاس الصائمين الصادقين، والقائمين الخاشعين، والتالين المتدبرين تتصاعد وتتلاحق؛ خوف الفوات والفراق، ولكن تلك الأزمان الشريفة لا يزيدها مرور الوقت إلا شرفاً وحلاوة؛ فكلما تتقدم ازدادت حسناً وبهاء، وإنا مع تسارع هذه اللحظات السعيدة قد أصبحنا على مشارف خير زمان في رمضان، وأسعد لحظات يعيشها الصائم القائم في شهر البركة والغفران، بل لعلها أبهى لحظات تمر عليه في العام.

 

وبهذا المضي يزداد الشهر ألقاً، ويفتح أمام الصائم المجدِّ من الخير والفضل أبواباً كثيرة. تمضي أيام رمضان كالفجر الذي يخرج كبصيص ضعيف ثم يكبر ويكبر حتى ينير الآفاق والدروب. من هذا التجدد الزمني المشرق يفيد الإنسانُ منه الجدَّ؛ فإنه كلما كبر صغر عمره، وقرب أجله، وضاقت مهلة حياته، ومن كان كذلك فليقصر الأمل، وليحسن العمل مع تقدم الزمن ومروره.

 

أيها الصائمون: في ختام شهر رمضان ليالٍ مباركة هي العشر الأخيرة من رمضان، التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستعد له استعداداً خاصاً، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر.

 

وقد تميزت على العشرين السابقة بمزايا وخصائص تجعلها محل اهتمام المسلم الحريص على الخير والسبق إلى الفضل.

 

فمن فضائلها: مشروعية الاعتكاف في المساجد الجامعة؛ ليتفرغ فيها العبد الصائم لروحه وقلبه، بعيداً عن مشاغل الدنيا واهتماماتها.

 

وقد اعتكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من بعده؛ لنيل هذا الخير العظيم.

 

إن المعتكف يتأمل في هذه المدة اليسيرة في حاله ماذا قدم، وماذا سيقدم من الأعمال، فيتفكر في سالف أيامه: فإن كان محسناً يزد في إحسانه، ويعترف بتقصيره تجاه ربه، وإن كان مسيئاً تضرع إلى الله -تعالى- ودعاه بغفران ذنبه، وستر عيبه، مع ندم صادق على زمان انقضى في التضييع والعصيان.

 

ويتفكر في مستقبل أيامه التي يكتنفها المجهول، فيعزم على الجد وترك التفريط والفتور، ويدعو الله -تعالى- بالتوفيق والسداد في القول والعمل؛ فالاعتكاف فرصة للمراجعة والمحاسبة، وفرصة للتزود وشحذ الهمة الإيمانية، وطلب الصواب في قابل الأيام.

 

والاعتكاف فرصة لتعويض ما ضيع الصائم في أيام رمضان الأولى؛ فإن كان جرح صومه بمخالطة الناس فلم يسلم صومه من غيبة أو تعدٍّ فالاعتكاف مكان للسلامة والمداواة، وإن كان فاته القيام فيما مضى فالاعتكاف يعينه على المحافظة على القيام فيما بقي، وإن كان قد شُغل عن كثرة قراءة القرآن وتدبره فالاعتكاف ظرف كريم لما فاته من ذلك.

أيها الصائمون: ومن مزايا هذه العشر الأخيرة وفضائلها: أن فيها ليلة شريفة القدر عظيمة الفضل، لا يُلقى خيرها إلا ذو حظ عظيم من الصبر والجد والاجتهاد؛ هذه الليلة ليلة أنزل الله فيها القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

 

في هذه الليلة تقدر الآجال، وتقسم الأرزاق للعام القابل، ويضاعف فيها العمل الصالح، وتنزل فيها ملائكة السماء إلى الأرض؛ لكثرة خير هذه الليلة وبركتها؛ هذه الليلة هي ليلة القدر قال تعالى: (حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[الدخان: 1 – 6].

 

وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[القدر: 1 – 5].

 

هذه الليلة غير معروفة الزمن تحديداً؛ حتى يجتهد الناس في العبادة. غير أنها في العشر الأواخر أقرب، وفي أوتارها أقرب، وفي السبع الأواخر أقرب.

 

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى“.

 

ويستحب تحري هذه الليلة بكثرة العبادة، وتخصيصها بالدعاء الوارد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أدعو؟ قال: تقولين: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني“.

 

فيا -أيها الصائمون- هذا منهل عذبٌ فأين ورّاده، وزاد نافع أين أهله وقصاده؛ فيا سعدَ من ظفر بخيره، وغنم فضله، فصار من الفائزين؛ نسأل الله أن يجعلنا منهم.

 

هذا وصلوا وسلموا على خير البرية…

الملفات المرفقة
رمضان والتفكر
عدد التحميل 16
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات