طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14762

نعمة الحب ونقمته

المكان : اليمن / صنعاء / بدون / ابن الأمير الصنعاني /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1436/02/27
تاريخ النشر : 1439/04/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ جمال كلمة [الحب] وتشويه الإعلام لها 2/ حب الله تعالى ورسوله الكريم 3/ من مجالات الحب المحمود 4/ جفاف ثقافة الحب بين المسلمين 5/ من صور نقمة على صاحبه
اقتباس

تكوّنت من هذين الحرفين كلمة من أجمل كلمات المعجم العربي، فظهرت قليلة المبنى، عميقة المعنى، تتنعم الشفتان بنطقها، وأسْرِ آخر حرفيها، كأنهما حينما تنطقان بهما تهديان للعالم قبلةً رائعةً. هذه الكلمة ذات الحرفين كلمة جميلة، لكن الإعلام غير الجميل دنسها عندما اختزلها في مستنقعات آسنة أورثت الخطيئة، وصوّرتْ الجريمة عزاً وبطولة.

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أما بعد: سقا الله روضَ الحُب بالطلِّ والنَّدى *** ودامَ شذيَّ العَرْف ما بقيَ الدهرُ

فإني رأيتُ العيش إن صار عاطلاً *** من الحب قبراً لا يطيب به العمر

 

أيها الناس: كلمة من حرفين يحتويان على معانٍ رقراقة، ومشاعر دفاقة. إنهما حرفان يلتذّ بهما اللسان، وتستريح لهما الأسماع، وتشتاق إليهما القلوب. حرفان يبنيان في القلوب مراكز للأمر والنهي، ليتحول الإنسان إلى مسالك ما كان يسلكها، وميولٍ ما كان يميل إليها. تكوّنت من هذين الحرفين كلمة من أجمل كلمات المعجم العربي، فظهرت قليلة المبنى، عميقة المعنى، تتنعم الشفتان بنطقها، وأسْرِ آخر حرفيها، كأنهما حينما تنطقان بهما تهديان للعالم قبلةً رائعةً.

 

هذه الكلمة ذات الحرفين كلمة جميلة، لكن الإعلام غير الجميل دنسها عندما اختزلها في مستنقعات آسنة أورثت الخطيئة، وصوّرتْ الجريمة عزاً وبطولة.

 

فبعض الناس إذا سمعوا كلمة “حُب” انصرفت أذهانهم إلى العشق الجنسي، والغرام الغريزي؛ لأن الإعلام بمسلسلاته وأغنياته وقصصه ورواياته وشِعره ونثره اختصر محتويات هذه الكلمة بعلاقة بين رجل وامرأة على بساط الهوى، وآفاق كسر ضوابط الإسلام، وهتك أستار الفضيلة والعادات الحسنة.

 

أيها المسلمون: إن الناس مختلفون في الجهات التي يُصرف إليها الحب؛ فلذلك صار الحب نعمة عظيمة على بعض الناس، ونقمة شديدة على آخرين. فالحب إذا اتجه إلى سبيله الصحيح بُنيت به الحياة، وعُمرت به الأرض، وسعد سكانها، وتلذذت الروح، واستراح البدن، وصلحت الدنيا والآخرة.

 

عباد الله: إن أعظم من يصرف له حب المحبين، ووداد الوادّين، هو الله رب العالمين -سبحانه وتعالى-. فالمحب الصادق لله -تعالى- يحب ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، ودينه الذي شرعه. وكيف لا نحب الله -تعالى- حبًا لا يعلوه حب، وهو ذو الكمال والجلال والجمال؟ وكيف لا نحب الله -عز وجل- وهو الذي خلقنا ورزقنا وصوّرنا فأحسن صورنا؟ كفانا وآوانا، وحمانا وأعطانا. إن أحسنّا آجرنا وأثابنا، وإن أسأنا حلم علينا وأمهلنا، وإن تبنا رحمنا فغفر لنا. وكيف لا نحب ربنا -تبارك وتعالى-، وكل خير نحن فيه فمن عنده، وكل شر دُفع عنا فمن فضله.

 

أيها الأحبة الفضلاء: إن محبة الله -تعالى- ليست دعوى تقال على اللسان، أو تكتبها البنان، بل هي عقيدة في القلب، وعمل صادق على الجوارح، واستقامة تامة على ما يحب الله ويرضى؛ ولذلك كذَّبَ اللهُ -تعالى- اليهودَ والنصارى الذين زعموا حبه وهم يعصونه فقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [المائدة:18].

 

قال الشاعر:

تعصي الإله وأنت تزعم حبه *** هذا لعمري في القياس شنيع

لو كان حبك صادقًا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع

 

إن المحب لله -تعالى- حبًا صادقًا يستريح إذا سمع ذكر الله -تعالى-، ووصل إلى سمعه ذكرُ أسمائه وصفاته، قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]. بخلاف المشركين به الذين قال الله فيهم: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الزمر:45].

 

والمحب لله حبًا صادقًا مسارعٌ إلى طاعة الله، بطيء إلى معصيته، فمن أحب الله أطاعه واتبع رضاه.

 

والمحب لله -تعالى- يؤثر ما يرضي الله على ترضاه نفسه، فيقدم ما يحب الله على ما تحبه النفس، فإذا حضرت الصلاة فإن المحب ينطلق إلى إجابة داعي الله، وإن كانت النفس تحب الخلود إلى الراحة أو الانشغال بالكسب.

 

وإذا كان بين المسلمين فقر وحاجة ويتمٌ وفاقة، وكان المسلم المحب صاحب مال، فإنه ينفق في هذه السبل، وإن كانت النفس تحب الإمساك والبخل.

 

المحب الصادق لله -تعالى- يحب ما يحب الله، ويكره ما يكره الله، فالله يحب الطاعة وأهلها، ويكره المعصية وأهلها؛ ولذلك فهو يحب أهل الطاعة لطاعتهم، ويكره أهل المعصية لمعصيتهم. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله -تعالى- يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي” رواه مسلم.

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رجلاً زار أخًا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك، إن الله قد أحبك كما أحببته فيه” رواه مسلم.

 

والمحب الصادق لا يقدّم على حب الله حبَّ أحد، مهما كان محبوبًا إلى النفس، قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:24].

 

أيها المحب الصادق لله -تعالى-: يكفيك غُنمًا أن الله يحبك ما دمت صادقًا، وتحبك ملائكته وعباده المؤمنون، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله -تعالى- إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله -تعالى- يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض” رواه مسلم.

 

فالمحب لله يحسن عبادة الله ويحسن إلى عباد الله، والله يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة:195]. والمحب لله يتقي الله فيعمل بأوامره وينتهي عن نواهيه، والله يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:7]. والمحب لله يعدل في حكمه، والله يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجرات:9]. والمحب لله كثير التوبة، طهور الظاهر والباطن، والله يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:222].

 

أيها المسلمون: إن نعمة الإسلام التي ننعم بها هي فضل من الله -تعالى-، جاءت عن طريق رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، أفلا يستحق نبينا وحبيبنا وقرة عيوننا محمد -صلى الله عليه وسلم- أن نحبه حبًا عظيمًا؟ بلى يستحق؛ فكل خير نحن فيه في هذا الدين فمن الله -تعالى-، أرشدنا إليه هذا النبي الكريم، فما من خير إلا وقد دلنا عليه، وما من شر إلا وقد حذرنا منه.

 

إن محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تعني اتباع سنته والعمل بهديه، ومحبة ما يحب، وكره ما يكره، وهذا من محبة مُرسِله -سبحانه وتعالى-. قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران:31].

 

إن من أمارات حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: طاعتَه، والبعدَ عن معصيته، وهذا طريق الجنة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “كُلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى“، قالوا: ومن يأبى؟ قال: “مَن أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى” رواه البخاري.

 

ومن أمارات حبه: تقديم حبه على كل محبوب من البشر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” رواه مسلم.

 

والعاقبة الحسنة للمحب الصادق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يكون معه في الجنة، فعن أنس -رضي الله عنه- أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: متى الساعة؟ قال: “وما أعددت لها؟”، قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله، قال: “أنت مع من أحببت“، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أنت مع من أحببت“، قال أنس: “فأنا أحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم” متفق عليه.

 

أيها الأحبة الكرام: ومن مجالات الحب المحمود: حبُّ العمل الصالح؛ لأنه يقرب إلى محبة الله، فالمسلم الصادق يحب تلاوة القرآن؛ ولذلك يكثر من قراءته، والعمل به، وترك هجره.

 

ويحب الصلاة؛ ولذلك يحافظ عليها في الأماكن التي يحب الله أن تقام فيها، فيجد بذلك راحته وأنسه. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “وجعلت قرة عيني في الصلاة” رواه أحمد والنسائي والبيهقي وهو صحيح.

 

ومن مجالات الحب المحمود الذي يصير نعمة على صاحبه: حب المسلمين، وحب الخير لهم. فالمسلم الذي يحب المسلمين يكرمهم ويرفق بهم ويرحمهم، ويتعاون معهم، ويصنع لهم المعروف ما استطاع لذلك سبيلا، ويبتعد عن إيذائهم بالقول أو بالعمل. قال -تعالى-: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:128]. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به” رواه مسلم.

 

عباد الله: إن من المشكلات التي يعانيها المسلمون اليوم: جفاف ثقافة الحب بين المسلمين، فلو تمثلوا هذه الثقافة في واقعهم العملي لاجتمعوا واتحدوا، ولرحلت من بينهم الشحناء والبغضاء والتقاتل والتمزق. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” رواه البخاري. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” متفق عليه.

 

معشر المسلمين: إن من أحق الناس بمحبة الإنسان والديه اللذين أحسنا إليه، وتعبا من أجله، فلهم بذلك نصيب من الحب والعطف والحنان، ويصدق ذلك الحب ببرهما وطاعتهما والبعد عن عقوقهما. قال -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [العنكبوت:8].

 

أيها الأحباب الكرام: إن من المجالات الخصبة التي ينبغي أن يقيم فيها الحب وينصب عليها خيامه الحياةَ الزوجية. قال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم:21].

 

لقد خلق الله -تعالى- في الرجل ميلاً فطريًا إلى المرأة، وخلق كذلك في المرأة الميل إلى الرجل،؛ لأن هذا الانجذاب سبب لإقامة الأسرة التي يقوم عليها المجتمع وتستمر بها الحياة. والحياة الزوجية إذا كانت محاطة بالحب ألفى فيها الزوج راحته من العناء، وأنسه من الوحشة حتى يذوق طعم الحياة، وكذلك تجد فيها الزوجة سعادتها وأنسها وعزها.

 

فالحياة الزوجية بستان لا يزدهي ولا يطيب إلا بسقيه بماء الحب، فإن جفّ عنه ذلك الماء صار قائمه إلى ذبول، وذهب نجمه إلى أفول.

 

لكن ذلك لا يعني أن تسلم الحياة من المكدرات والمشكلات، فحرارة الحب الزوجي ستمرُّ بها رياح التغيير فتطفئ بعض وهجها ولا بد، روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه جاءه رجل يريد تطليق امرأته، فلما سأله عمر عن سبب ذلك فقال: إنه لا يحبها، فردَّ عليه عمر -رضي الله عنه-: “وهل لا تُبنى البيوت إلا على الحب؟!”، وقال عمر -رضي الله عنه، أيضاً – لامرأة سألها زوجُها: هل تبغضه؟ فقالت: نعم، فقال لها عمر: “فلتكذبْ إحداكن، ولتجمل، فليس كل البيوت تُبنى على الحب، ولكن معاشرة على الأحساب والإسلام“.

 

فالخلافات، وتعقّد العلاقات أمر وارد على الحياة الزوجية، غير أن هذه المكدرات كالجدب الذي لا يدوم إذا عاد إلى الروض الزوجي وابلُ الحب، وعولجت المشكلات علاجًا صحيحًا ورجع الزوجان إلى الشرع والعقل، متذكرينِ رباط الزوجية الوثيق، وودهما القديم العميق، والعلاقة الطاهرة التي لا تنسى فيها أيام الحب.

 

قلّبْ فؤادك حيث شئت من الهوى *** ما الحب إلا للحبيب الأولِ

كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى *** وحنينه أبداً لأول منزل

 

أيها المسلمون: ومن مجالات الحب المحمود: حب الأولاد الذين هم ثمرة الفؤاد، وفلذات الأكباد، وزينة الحياة الدنيا، قال -تعالى-: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف:46].

 

فللأولاد نصيبٌ من حب الوالدين، وحظ من حنانهما عليهم؛ لأن ذلك يساعد على نموهم العقلي والجسمي والنفسي والعاطفي. وأي بيت لا يجد فيه الأولاد طعم الحب والعطف فإن ذلك يربي في نفوسهم الكراهية والعُقد النفسية والميل إلى الانتقام، وربما لعقوا رضابَ الحب والغرام من أفواه الحرام.

 

فما أحسنَ الحب للأولاد إذا خلط ببلسم الحزم والتربية الحسنة!.

فقسا ليزدجروا ومن يك راحمًا *** فليقسُ أحيانًا على من يرحم

 

قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

أما بعد: أيها المسلمون، وبضدها تتميز الأشياء، فحتى تكتمل الصورة كان من المهم أن نتعرف على نقمة الحب كما تعرفنا على نعمة الحب؛ وذلك حينما رأينا انحراف الحب عن مساره الصحيح.

 

فمن صور نقمة الحب على صاحبه: حب الأنداد والنظراء الذين تُقدَّم طاعتهم وحبهم على طاعة الله وحبه، سواء كانوا من البشر أم من غيرهم. قال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) [البقرة:165].

 

ومن صور نقمة الحب: أن يبلغ الأمر ببعض من يدعي حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يسأله جلب المنافع ودفع المضار، فيسأله الأولاد والرزق وسائر وجوه الخير، ويسأله دفع الفقر والمرض وسائر وجوه الشر، وهذه الأمور لا تُسأل إلا من الله -تعالى-.

 

ومن صور نقمة الحب: حب المعاصي وأهلها، حتى غدا بعض الناس يعشق الذنوب عشقًا لا يستطيع معه تركها وفراقها، فمنهم من يعشق الشرك، ومنهم من يعشق القتل، ومنهم من يعشق الزنا واللواط، ومنهم من يعشق السرقة، ومنهم من يعشق المخدرات والمسكرات. ويحب أهلها حبًا جمًا.

 

وهذه المحبة بين أصدقاء السوء على السوء تنقلب عداوة يوم القيامة، بخلاف أهل الطاعة والاستقامة. قال -تعالى-: (الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67].

 

ومن صور نقمة الحب: حب المال حبًا يجاوز الحب المشروع، فهناك من الناس من طبع الطمع في قلبه فأصبح يحب جمع المال من وجوه الحلال والحرام ولا يبالي، سواء من المال العام أم من المال الخاص. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام” رواه البخاري.

 

أيها الأحبة الفضلاء: ومن صور نقمة الحب: أن يزجّ الإنسان بنفسه في لُجج الهوى وأمواج العشق الحرام، فيسعى إلى ربط علاقات مع نساء، وكذلك نساء مع رجال، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها. وهذه نقمة عظيمة تسوق صاحبها إلى الأوجاع والآلام والأسر والذل والفضيحة، وقد تكون سبب الشقاء في الدنيا والآخرة.

 

سُئلت أعرابية عن الهوى، فقالت: الهوى هو الهوان، وإنما غُلِظ باسمه، واشتُقّ من طبعه، ولن يعرف ما أقول إلا من أبكته المنازل والطلول؛ وأنشأت تقول:

ليت الهوى لذوي الهوى لم يُخلقِ *** بلْ ليت قلبي بالهوى لم يَعلقِ

إن الذي عَلِق الهوى بفؤاده *** كمنوَّطٍ دون السماء مُعلَّقِ

لا يستطيع نزوله لشقائه*** لكن إليه كل همٍّ يرتقي

 

وقال أبو تمام:

أما الهوى فهو العذاب فإن جرتْ *** فيه النوى فأليمُ كلِّ أليمِ

 

وقال أيضًا:

نونُ الهوانِ من الهوى مسروقةٌ *** فإِذا هويتَ فقد لقيتَ هوانا

وإِذا هويتَ فقد تعبّدكَ الهوى *** فاخضعْ لإِلفِكَ كائناً من كانا

 

ولا مانع -أيها الأحبة- أن يحب المرء امرأة ويسعى إلى الزواج بها عبر الطريق المشروع، ويأتي البيوت من أبوابها، بدلاً من سلوك الطرق السيئة التي قد تضر الرجل والمرأة أو أحدهما.

 

فيا أيها المسلمون: رِدوا مناهلَ الحب الصافي في نعمة الحب، وتضلّعوا منها حتى تُرُوا أنكم قد صدقتم الحب، وإياكم وورودَ مستنقعات الحب الكدِر في نقمة الحب؛ فإن الارتواء منها ظمأٌ يهدَّ البدن، ويذبل الروح، ويُضِلّ العقل في متاهات لا مدى لها! وإن الظمأ منها ريُّ الأرواح والأبدان والعقول.

 

هذا وصوا وسلموا على خير البشر…

 

الملفات المرفقة
نعمة الحب ونقمته
عدد التحميل 59
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات