طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14414

أيها المضطرب القلق

المكان : سوريا / الباب / بدون / أبي بكر الصديق رضي الله عنه /
التصنيف الرئيسي : قضايا اجتماعية التربية
تاريخ النشر : 1439/02/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ كثرة القلق في العصر الحاضر 2/ علاج القلق في القرآن والسنة 3/ العظة والعبرة من تفشي ظاهرة القلق في الدول الغربية 4/ علاج القلق 5/ طمأنينة النبي -صلى الله عليه وسلم- رغم شدة المحن
اقتباس

إذا أردتم الاطمئنان وهدوء البال، وأن يكون تفكيرُكم سليماً صحيحاً فكونوا من الساجدين، إذا أردتم المسار الصحيح إلى حياةٍ طيبةٍ فكونوا من الساجدين، إذا أردتم سلامة أبدانكم فكونوا من الساجدين، إذا أردتم الخير للعباد والبلاد فكونوا من الساجدين، انخرطوا مع الكون الساجدِ كلِّه لله…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: عصرُنا الذي نعيش فيه عصرُ الاضطرابِ والقلق النفسيِّ، لا عصرُ الراحةِ والاطمئنان، الكلُّ في اضطراب -إلا من رحم ربي عز وجل-، الحاكم والمحكوم في اضطراب، القوي والضعيف في اضطراب، السليم والمريض في اضطراب، الغني والفقير في اضطراب.

 

مجتمع ساد فيه الاضطراب والقلق والفوضى، لا يعرف الواحد منهم ماذا يريد، تراه شارد الفكر والبال، يريد الراحة ولا يجدها، يريد الاطمئنان ولا يجده، يريد السكن ولا يجده، بحث عن ذلك في المال فلم يجده، بحث عنه في الجاه فلم يجده، بحث عنه في العلاقات مع الجنس الآخر فلم يجده، بحث عنه في الغناء والطرب والليالي الحمراء فلم يجده، بحث عنه في شرب المسكرات والمخدِّرات فلم يجده.

 

وإني أقول للمجتمع: ابحث عن ذلك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فلن تجد ذلك إلا في كتاب ربك، إلا في هدي ربك الذي جاء به سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) [طـه: 123- 124].

 

أيها المجتمع بكلِّ طبقاته: والله مهما بحثت وفتَّشت عن الاطمئنان والسكن والراحة في غير الهدي الذي جاء به سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- فلن تجده، بل لن تزدادَ إلا خوفاً وقلقاً واضطراباً، وذلك ليتحقَّق قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) [طـه: 124]، وليتحقَّق قوله تعالى: (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) [يوسف: 21].

 

أيها المجتمع بكلِّ طبقاته: العاقلُ من اعتبر بغيره، العاقلُ من استفاد من خبرة غيره، العاقلُ من اتَّعظ بغيره.

 

أيها المجتمع الحبيب: انظر إلى الغرب، لقد فتح الله عليه أبواب كل شيء -وأقول عليه لأوافق كلمات القرآن العظيم- حيث قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام: 44].

 

وإذا فتح الله عليهم أبواب كل شيء، فهو عليهم غُرمٌ لا غُنمٌ؛ فهل تحقَّق لهم ما أرادوا من سَكَنٍ وطمأنينة وراحة بال وسلامة بدن؟

 

أيها المجتمع: اعتبر من الغرب القَلِقِ المضطربِ الفوضوي، حيث هناك المال والنساء والمخدرات والمسكرات والملهيات، وإلى جانب ذلك الأطباءُ النفسانيون الذين انتشروا في ربوع الغرب من أجل علاج القلق والاضطرابات، ومع كل هذا فالاضطرابات في ازدياد لا في نقص، وعيادات الأطباء النفسانيين بدأت بالانتشار في بلادنا -ولا حول ولا قوة إلا بالله-.

 

أيها المجتمع الكريم: إذا أردت حياة الاطمئنان والاستقرار الداخلي الذي هو سرُّ سعادتك، بكلِّ بساطة وصراحة أقول لك آيةً واحدةً من كتاب ربك -عز وجل- تحقق لك هذا الذي تبحث عنه: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [الحجر: 98].

 

أيها المضطرب، أيها القلق: كن من الساجدين، كن من الراكعين، كن من المصلين، أيها الحاكم القلق المضطرب: كن من الساجدين الراكعين المصلين، أيها المحكوم، أيها الغني، أيها الفقير، أيها الرجل، أيتها المرأة، أيها المضطربون القلقون: كونوا من الساجدين الراكعين كونوا من المصلين.

 

إذا أردتم الاطمئنان وهدوء البال، وأن يكون تفكيرُكم سليماً صحيحاً فكونوا من الساجدين، إذا أردتم المسار الصحيح إلى حياةٍ طيبةٍ فكونوا من الساجدين، إذا أردتم سلامة أبدانكم فكونوا من الساجدين، إذا أردتم الخير للعباد والبلاد فكونوا من الساجدين، انخرطوا مع الكون الساجدِ كلِّه لله -عز وجل-؛ كما قال تعالى: (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) [الرعد:15]، وقال تعالى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) [الرحمن:6].

 

ولا تشذَّ عن الكون؛ فمن شذَّ شذَّ في النار.

 

أيها الحاكم: أدعوك للسجود لله -عز وجل-، أيها الطالب: أدعوك للسجود لله -عز وجل-، أيها التاجر: أدعوك للسجود لله -عز وجل-، أيها العازب: أدعوك للسجود لله -عز وجل-، أيها الغني: أدعوك للسجود لله -عز وجل-، أيها الفقير: أدعوك للسجود لله -عز وجل-، أيها المريض: أدعوك للسجود لله -عز وجل-.

 

أيها الإخوة: حصاد السجود عاجل لا آجل، قال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِين) [الحجر: 97-98].

 

هذا سيدنا يونس -عليه السلام- يقول الله -تعالى- فيه: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين) [الأنبياء: 87-88].

 

انتبه إلى قوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) الفاء تفيد التعقيب، فأثر السجود عاجل وليس بآجل.

زكريا

وهذا سيدنا زكريا -عليه السلام- يقول الله -تعالى- فيه: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران:38-39].

 

من اتَّصل بربه كان مستقرّاً مطمئنّاً لا يخاف إذا خاف الناس، ولا يحزن إذا حزن الناس، من اتصل بربه كان سعيداً آمناً، وكان في حفظ الله وكنفه.

 

أيها الإخوة: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لاقى أشدَّ مما يلاقيه الناس اليوم، حُوصِر في الشعب أعواماً، ضُيِّق عليه أشدَّ التضييق، قالوا عنه: ساحر ومجنون، اتهموه في عرضه، قتلوا أصحابَه، أخرَجوه من مكة المكرمة، جَمَّعوا له الجموع، اتَّفق المشركون وأهلُ الكتاب والمنافقون عليه، وتآمروا عليه، ومع كلِّ هذا كان مطمئناً ساكناً، ولم يكن قلقاً مضطرباً، ما السرُّ في ذلك؟

 

السرُّ في هذا هو امتثاله لأمر ربه -عز وجل- القائل له: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [الحجر: 98].

 

والقائل له: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق: 19].

 

والقائل له: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [المزمل: 1-4].

 

كان -صلى الله عليه وسلم- مستقرَّ البال والفؤاد والعقل لأنَّه كان من المصلِّين لله -عز وجل-، من الراكعين الساجدين؛ لأنَّه كان يقول صلى الله عليه وسلم: “وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ” [رواه أحمد]، لذلك “كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى” [رواه أحمد وأبو داود].

 

كيف كانت صلاته صلى الله عليه وسلم؟

 

أيها الإخوة: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان مطمئناً راسخاً؛ لأن الصلاة كانت قرَّةَ عينٍ له، فكان يقوم من الليل حتى تتورَّم قدماه، فتقول له السيدة عائشة -رضي الله عنها-: “لِمْ تصنعُ هذا يا رسولَ اللَّهِ وقدْ غفَرَ اللَّه لَكَ مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وما تأخَّرَ؟ فَقَالَ:أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا” [رواه مسلم].

 

ويحدثنا سيدنا حذيفة رضي الله عنه عن صلاة سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ” [رواه مسلم].

 

وفي رواية النسائي: “لا يَمُرُّ بِآيَةِ تَخْوِيفٍ أَوْ تَعْظِيمٍ لِله -عز وجل- إِلا ذَكَرَهُ“.

 

أيها الإخوة: نحن بحاجة إلى صلة مع الله -تعالى-، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فيا من يريد الاطمئنان والسكينة وراحة البال وسلامة البدن كن من الساجدين.

 

لا أقول: حافظ على الفرائض فقط، ولكن أقول لك ما قاله -صلى الله عليه وسلم- عن رب العزة -عز وجل-: “وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ” [رواه البخاري].

 

يا من يريد الطمأنينة والسكينة: حافظ على سنن الرواتب، حافظ على السنن القبليَّة والبعديَّة، حافظ على صلاة الضحى وصلاة الأوابين وصلاة قيام الليل وصلاة التهجد ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، كن من الطائفة التي قال عنها مولانا -عز وجل-: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ). كن مع هذه الطائفة التي سجدت لله -تعالى- مع سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتكون في كنف الله -عز وجل-.

 

عبادَ الله: علاج القلق والاضطراب هو: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [الحجر:98].

 

فالسجود لله -عز وجل- هو سرُّ سعادتنا، وليست العلاقات بين الجنسين أو الغناء أو الليالي الحمراء علاجاً للقلق والاضطراب.

 

أيها الحاكم: مُرْ بذلك شعبك، أيها المحكوم: مُرْ بذلك إخوانك، أيها الأب: مُرْ بذلك أبناءك، أيها الزوج: مُرْ بذلك زوجتك.

 

بسم الله الرحمن الرحيم: (وَالْعَصْر * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر) [العصر: 1-3].

 

فيا عباد الله: اصبروا على الطاعة، وعلى رأسها الصلاة وكثرة السجود، واصبروا عن المعصية، واصبروا على البلاء فهذا هو سرُّ سعادتنا، وإلا فنحن في خسارة وشقاء وقلق واضطراب.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فيا فوز المستغفرين.

الملفات المرفقة
أيها المضطرب القلق
عدد التحميل 6
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات