طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14408

بلال بن رباح وعز الإسلام

المكان : المملكة العربية السعودية / المدينة المنورة / حي المسجد النبوي / المسجد النبوي الشريف /
التصنيف الرئيسي : الدعوة والتربية شخصيات مؤثرة
تاريخ الخطبة : 1439/02/07
تاريخ النشر : 1439/02/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ أحوال الأمة الإسلامية في الآونة المُتأخرة 2/ تأملات في قصة بلال بن رباحٍ - رضي الله عنه- 3/ ثبات بلال - رضي الله عنه - على دينِ الحقِّ 4/ قتله لسيِّده الذي أذاقَه صُنُوفَ العذابِ 5/ رؤية بلال لعزَّة الإسلام في البلد التي عُذِّب فيها مكة.
اقتباس

أذَّن ذاتَ ليلةٍ في السَّحَر بعد وفاةِ النبي -صلى الله عليه وسلم-،.. فخرجَ الناسُ مِن بيُوتِهم، فما رُئِيَ يومٌ أكثرَ باكِيًا وباكِيةً مِن ذلك اليوم. ولما فُتِح بيتُ المقدِس، وقدِمَ أميرُ المُؤمنين عُمرُ -رضي الله تعالى عنه- إلى الشام، أمرَ بلالًا أن يُؤذِّن، فقال: “يا أميرَ المُؤمنين! ما أردتُ أن أُؤذِّن لأحدٍ بعد رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن سأُطِيعُك إذ أمَرتَني في هذه الصلاةِ وحدَها”. فلما أذَّن بلالٌ، وسمِع الصحابةُ أذانَه، بكَوا بكاءً شديدًا. لقد ذكَّرَهم بحبيبِهم وقُرَّة أعيُنِهم، الذي أثارَ الإيمانَ في القُلُوب، وكان سببًا في نجاتِهم، فاشتاقَت إليه النفوس، وحنَّت إليه الأفئِدَة، واستكانَت لذِكرِه المشاعِر، وخالَطَ حُبُّه سُويدَاءَ الفُؤادِ وشَغافَ القُلُوب..

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسِنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمةَ، وجاهَدَ في الله حقَّ الجِهاد حتى أتاه اليقين، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِهِ، ومَن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فإنَّ خيرَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هَديُ مُحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمُور مُحدثاتُها، وكلَّ بِدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

عباد الله: إن ما تمُرُّ به الأمةُ الإسلاميَّةُ اليوم مِن فتنٍ وبلاء، ومِحَنٍ ولأولاء، وتسلُّط الأعداء، إنما هو امتِحانٌ وتمحيصٌ، ومُقدِّمةٌ لنصرٍ مُبين، وعزٍّ وتمكينٍ – بإذن الله رب العالمين -، قال تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [آل عمران: 179]، وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: 214].

 

معاشِر المُسلمين: قد كان مَن قبلَكم يُؤخَذُ الرجلُ فيُحفرُ له في الأرض، ثم يُؤتَى بالمِنشار فيُجعلُ على رأسِه، فيُجعلُ نِصفَين، ما يصرِفُه ذلك عن دينِه، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دُون عظمِه مِن لحمٍ وعصَبٍ، ما يصرِفُه ذلك عن دينِه، والله ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].

 

عبادَ الله: لقد كان أولَ مَن أظهرَ الإسلامَ سبعةٌ: رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكرٍ، وعمَّار، وأمُّه سُميَّة، وصُهيبٌ، وبلالٌ، والمِقدادُ.

 

فأمَّا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فمنَعَه الله بعمِّه أبي طالبٍ، وأما أبو بكرٍ فمنَعَه الله بقومِه، وأما سائِرُهم فأخذَهم المُشرِكُون فسامُوهم سُوءَ العذاب، فما مِنهم أحدٌ إلا وقد أتاهم على ما أرادُوا، إلا بلال؛ فإنه هانَت عليه نفسُه في الله، وهانَ على قومِه، فقامَ المُشرِكُون بإيذائِه وتعذيبِه لعلَّه يرجِعُ عن دينِه، فقابلَهم بالصَّلابة والثبات، فزادُوا في تعذيبِه وبلائِه.

 

فكان سيِّدُه أُميَّةُ بن خلَف يُخرِجُه إذا حمِيَت الظَّهيرة، فيطرَحُه على ظهرِه في بطحَاء مكة، ثم يأمُرُ بالصخرة العظيمة على صَدرِه، ثم يقول: لا تزالُ على ذلك حتى تمُوتَ أو تكفُرَ بمُحمدٍ! ويقول: أيُّ شُؤمٍ رمَانَا بك يا عبدَ السُّوء! لئِن لم تذكُر آلهتَنا بخيرٍ لنجعلنَّك للعبيدِ نكَالًا.

 

فيرُدُّ بلالٌ -رضي الله تعالى عنه- وهو ثابتٌ لا يتزَعزَع: “ربِّي الله، أحَدٌ أحَدٌ! ولو أعلَمُ كلمةً أغيَظُ لكم منها لقُلتُها“.

 

فلما بلغَ الكتابُ أجَلَه في تعذيبِه، أتَى الفرَجُ فاشتراه أبو بكرٍ -رضي الله تعالى عنه-، وأعتقَه لوجهِ الله – عزَّ وجل -، وفي ذلك نزلَ قولُه تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى) [الليل: 17- 21].

 

وتمضِي الأيام، ويُهاجِرُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- والمُسلمون إلى المدينة، ويُهاجِرُ بلالٌ -رضي الله تعالى عنه-، ويُصبِحُ مُؤذِّن الإسلام، ويخرُجُ مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى معركة بدرٍ.

 

وقد أقبَلَ المُشرِكون مِن قِبَل مكة بأسيادِهم، ومِنهم: أُميَّة بن خلَف وأبو جَهلٍ، يتقدَّمُون في خُيَلاء الكِبرِ والغُرورِ، جيشُهم نحو الألف، ومعهم القِيَان يضرِبن بالدُّفُوف، ويتغنَّون بهِجاء المُسلِمون، ويقولُون: واللهِ لا نرجِع حتى نرِدَ بدرًا، فنُقيمَ بها ثلاثًا، فنَنحَرَ الجَزُورَ ونَطعمَ الطعامَ، ونُسقَى الخمر، وتعزِف لنا القِيَان، وتسمَعَ بنا العربُ وبمسيرِنا وجَمعنا، فلا يزالُون يهابُونَنا أبدًا.

 

والمُسلمون في ثلاثمائة وبِضعة عشر، ليس فيهم فارِسٌ سِوى المِقداد.

وتبدأُ المعركة، ويشاءُ الله أن يمُنَّ على الذين استُضعِفُوا في الأرض، ويجعلَهم أئمةً ويجعلَهم الوارِثِين.

 

ويرَى بلالٌ سيِّدَه أُميَّةَ بن خلَف، الذي طالَما آذاه بمكة، فيشُقُّ الصُّفُوفَ ويزأَرُ ويقولُ: رأسُ الكُفر أُميَّةُ بن خلَف، لا نجَوتُ إن نجَا! رأسُ الكُفر أُميَّةُ بن خلَف، لا نجَوتُ إن نجَا! فمكَّنَه الله منه، فحمَلَ عليه فكان كأمسِ الدابِرِ، واليوم الغابِرِ.

 

فقال فيه أبو بكر الصِّدِّيق -رضي الله تعالى عنه-:

هنيئًا زادَك الرحمنُ عزًّا *** فقد أدرَكتَ ثأرَكَ يا بلالُ

 

أما عدوُّ الله أبو جهلٍ، فقد أقبلَ في كِبرٍ وغُرورٍ يرتَجِزُ ويقولُ:

ما تَنقِمُ الحربُ العوانُ مِنِّي .. بازِلُ عامَين حدِيثٌ سِنِّي .. لمِثلِ هذا ولَدَتْنِي أُمِّي

فأذاقَه الله الهوانَ على يدِ فِتيانٍ صِغارٍ من المدينة، وهما: ابنا عفراء، فجعلَ يتحسَّرُ ويقولُ: لو غيرَ أكَّارٍ قتَلَني لكان أحبَّ إلَيَّ وأعظمَ لشَأنِي، ولم يكُن علَيَّ نقصٌ في ذلك.

 

ويأتي ابنُ مسعُودٍ -رضي الله تعالى عنه-، فيضعُ رِجلَه على عُنقِه ويقول: “أخزاكَ الله يا عدوَّ الله!”، فينتقِصُ أبو جهلٍ منه ويقول قبل مُفارقَة الحياة: لقد ارتَقَيتَ يا رُوعِيَّ الغنَم مُرتقًى صعبًا.

 

ولما فُتِحَت مكة، صعد بلالٌ -رضي الله تعالى عنه- على ظهر الكعبة؛ ليجهرَ بكلمةِ التوحيد، على بُعد خُطواتٍ من المكان الذي يُعذَّبُ فيه.

 

وفي وقتِ الظَّهيرة، وعلى رُؤوس الأشهادِ يُؤذِّنُ: “اللهُ أكبر، الله أكبرُ، أشهَدُ أن لا إله إلا الله، أشهدُ أن مُحمدًا رسول الله“.

 

فهيَّجَ ذلك الموقِفُ غيظَ أعدائِه، حتى قال بعضُهم: لقد أكرَمَ الله أبي إذ ماتَ ولم يسمَع هذا! وقال آخر: ليتَنِي مِتُّ قبل هذا!

 

معاشِر المُسلمين: لم يتبوَّأ بلالٌ -رضي الله تعالى عنه- هذه المنزلَةَ السامِيةَ في الإسلام إلا بعد امتِحانٍ وابتِلاءٍ، وصبرٍ ومُجاهَدةٍ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ مُظهِر الحقِّ ورافِعِه، ومُذِلِّ الباطلِ ودافِعِه، أرسلَ رسولَه بالهُدى ودينِ الحقِّ ليُظهِرَه على الدين كلِّه ولو كرِهَ المُشرِكُون، اللهم صلِّ على مُحمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد.

 

عباد الله: إن الله يُمهِلُ ولا يُهمِل، ويُملِي للظالِمِ حتى إذا أخذَه لم يُفلِتْه، (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) [آل عمران: 178].

 

فما حلَّ بالمُستضعَفين مِن المُسلمين في مكة في بداية الإسلام، مِن المِحنة والبلاء، إنما كان لإعدادِ جيلٍ جديدٍ حديثٍ، وتمكينٍ ونصرٍ حثِيثٍ، وتمحيصٍ وتصفِيةٍ ليَميزَ الله الخبيث.

 

وما هي إلا فترة، ويمُنُّ الله على المُضطهَدين والمظلُومين الذين استُضعِفُوا في الأرض، ويجعلَهم أئمةً ويجعلَهم الوارِثين، ويُمكِّن لهم في الأرض.

 

وإذا بصنادِيدِ الشركِ والكُفر والظلمِ يُقتَلُون بسِلاحِهم وبأيدِي موالِيهم؛ كبلالٍ وأُميَّة، وابن مسعُودٍ وأبي جهلٍ، فيَشفُون غليلَهم، ويأخُذُون بثأرهم، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].

 

عباد الله: إن موازِينَ الفضلِ عند الله بالعمل، وليست بالنَّسَب، والمنصِبِ، والمالِ، والجاهِ، فالناسُ سواسِيةٌ كأسنان المِشط، كلُّكم لأدم، وآدم مِن تُراب، ولا فضلَ لا عربيٍّ على عجميٍّ إلا بالتقوَى، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13].

 

لعَمرُكَ ما الإنسانُ إلا بدينِهِ *** فلا تَترُكِ التقوَى اتِّكالًا على النَّسَبْ

فقد رفَعَ الإسلامُ سلمَانَ فارِسٍ *** وقد وضعَ الشِّركُ النَّسِيبَ أبا لهَبْ

 

ورُبَّ خفِيٍّ تقِيٍّ لا يُعبَأُ به مدفُوعٍ بالأبواب، ليس بينَه وبين الله حِجاب، لو أقسَمَ الله لأبَرَّه.

ولما نالَ أبو ذرٍّ مِن بلالٍ وقال له: “يا ابنَ السَّوداء!”، غضِبَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: “يا أبا ذَرٍّ! أعيَّرتَه بأمِّه؟! إنك امرُؤٌ فيكَ جاهِلِيَّة“.

 

وقد بشَّره النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالجنَّة، فقال: “يا بلال! حدِّثنِي بأرجَى عملٍ عمِلتَه في الإسلام؛ فإني سمِعتُ دفَّ نعلَيكَ بين يدَيَّ في الجنَّة“.

 

وبعدُ .. معاشِرَ المُسلمين: لقد ضاقَ بالمُشركين ذَرعًا، لما سمِعُوا صوتَ بلالٍ يصدَعُ بالأذان على ظهر الكعبة، ولئِن كان أذانُ بلالٍ يُؤذِي المُشرِكين، فإنه يُهيِّجُ قُلوبَ المُسلمين ويشتاقُون سماعَه، فكان إذا أذَّن بعد رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يتمالَك نفسَه، فيُهِيجُ الحُزنَ، ويُثِيرُ البكاء، ويُغشَى عليه، ويَفزَعُ الناس، وترتَجُّ المدينةُ لذِكرَى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

أذَّن ذاتَ ليلةٍ في السَّحَر بعد وفاةِ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاعتلَى سطحَ هذا المسجِد، فلما قال: “الله أكبر، الله أكبر” ارتَجَّت المدينة، فلما قال: “أشهدُ أن لا إله إلا الله” زادَت رجَّتُها، فلما قال: “أشهدُ أن مُحمدًا رسولُ الله” خرجَ الناسُ مِن بيُوتِهم، فما رُئِيَ يومٌ أكثرَ باكِيًا وباكِيةً مِن ذلك اليوم.

 

ولما فُتِح بيتُ المقدِس، وقدِمَ أميرُ المُؤمنين عُمرُ -رضي الله تعالى عنه- إلى الشام، أمرَ بلالًا أن يُؤذِّن، فقال: “يا أميرَ المُؤمنين! ما أردتُ أن أُؤذِّن لأحدٍ بعد رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن سأُطِيعُك إذ أمَرتَني في هذه الصلاةِ وحدَها“. فلما أذَّن بلالٌ، وسمِع الصحابةُ أذانَه، بكَوا بكاءً شديدًا.

 

لقد ذكَّرَهم بحبيبِهم وقُرَّة أعيُنِهم، الذي أثارَ الإيمانَ في القُلُوب، وكان سببًا في نجاتِهم، فاشتاقَت إليه النفوس، وحنَّت إليه الأفئِدَة، واستكانَت لذِكرِه المشاعِر، وخالَطَ حُبُّه سُويدَاءَ الفُؤادِ وشَغافَ القُلُوب.

 

نبِيٌّ صِدقٍ هدَى أنوارُ غُرَّتِه *** بعد العَمَى للهُدَى مَن كان عِمِّيتَا

وأصبَحَت سُبُل الدينِ الحنِيفِ بِهِ *** عوامِرًا بعد أن كانت أمارِيتَا

أحيَا بهِ اللهُ قَومًا قامَ سعدُهُمُ *** كما أماتَ بِهِ قَومًا طواغِيتَا

 

فلا يُلامُون على ذلك، وكيف وقد حنَّ له الجِذعُ وبكَى؟! واهتزَّ له أُحُدٌ ليُترجِمَ عن مشاعِرِ الحبِّ والتقدير! فالله ارزُقنا محبَّتَه واتِّباع سنَّته، واحشُرنا في زُمرتِه، وامنُن علينا بشفاعتِه.

 

معاشِر المُسلمين: الصبرُ مِفتاحُ الفرَج، والجنةُ حُفَّت بالمكارِه، وحُفَّت النارُ بالشهوات، وسينصُرُ الله دينَه، كما نصرَ المُستضعَفين في مكة، وكما نصرَ أولياءَه مِن قبلُ ومِن بعدُ، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 4- 6].

 

اللهم أعِزَّ الإسلام والمُسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمُسلمين، وانصُر عبادَك المُوحِّدين، واجعَل اللهم هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا وسائرَ بلاد المُسلمين.

 

اللهم احفَظ بلادَنا مِن الفتن، اللهم احفَظ بلادَنا مِن الفتن، اللهم احفَظها مِن كَيد الكائِدِين، ومِن شرِّ المُفسِدين، ومِن شرِّ الأعداء والحاسِدِين يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق وليَّ أمرِنا خادمَ الحرمَين الشريفَين بتوفيقِك، وأيِّده بتأيِيدك، وأعِزَّ به دينَك، اللهم اجزِه على ما قامَ به مِن خدمةِ سُنَّة نبيِّك -صلى الله عليه وسلم- خيرَ الجزاء، اللهم اجعَله عملًا خالِصًا لوجهِك الكريم، مُوجِبًا للفوز لدَيك في جنَّات النعيم برحمتِك يا أرحم الراحمين، اللهم وفِّقه ووليَّ عهدِه لِما فيه خيرٌ للإسلام والمُسلمين، ولِما فيه صلاحُ البلاد والعباد يا رب العالمين.

 

اللهم احفَظ حُدودَنا، وانصُر جُنودَنا يا رب العالمين، اللهم اشفِ مرضاهم، وتقبَّل موتاهم، واحفَظهم بحفظِك، واكلأهم برِعايتِك يا رب العالمين.

 

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا مِن القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا، سحًّا غدَقًا، نافعًا مُجلِّلًا غيرَ ضارٍّ، اللهم تُحيِي به البلاد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِر والباد.

 

اللهم سُقيَا رحمةٍ، لا سُقيَا هدمٍ ولا غرقٍ ولا بلاءٍ برحمتِك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نستغفِرُك إنك كنتَ غفَّارًا، اللهم إنا نستغفِرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا برحمتِك يا أرحم الراحمين.

 

عباد الله: صلُّوا وسلِّمُوا على مَن أمرَكم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وبارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالَمين، إنك حميدٌ مجيد.

 

وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشِدين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابِة أجمعين، وعنَّا معهم برحمتِك يا أرحم الراحمين.

الملفات المرفقة
بلال بن رباح وعز الإسلام
عدد التحميل 31
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات