طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14389

حقيقة الموت

المكان : المملكة العربية السعودية / الخرج / حي الريان / جامع الفاروق /
التصنيف الرئيسي : الحياة الآخرة
تاريخ الخطبة : 1419/09/21
تاريخ النشر : 1439/02/03
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ فتنة الحياة وفجأة الموت 2/ الاعتبار بموت الأخيار والأشرار 3/ تذكر الموت وهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في زيارة القبور
اقتباس

في غمرة التلذذ بتلك المواهب والأفراح يأتيه الأجل المقدر المحتوم، فيقطع اللذة، ويمزق الزينة، ويهدم العظمة، ويفيء الغني الرفيع، والعزيز الشريف؛ جيفةً قذرة، يحمل سريعاً إلى…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: 70 – 71].

 

معاشر المسلمين: في هذه الحياة الدنيا، يغدو الإنسان سائرا كادحا فيها، وهو يقابل فيها أحزاناً ومسرات، وأحوالا ومتغيرات، إنها ملأى بكل ما يريده الإنسان من جمال ورخاء وزينة وأفراح! يعمَدُ رجل إلى منصبه المرموق، راكباً سيارته الفاخرة، مرتدياً ملابساً نفيسة، عليه الأبهة والزينة والعظمة، له خَدم وحشم، وأحباب وأصحاب، وفي غمرة التلذذ بتلك المواهب والأفراح يأتيه الأجل المقدر المحتوم، فيقطع اللذة، ويمزق الزينة، ويهدم العظمة، ويفيء الغني الرفيع، والعزيز الشريف، جيفةً قذرة، يحمل سريعاً إلى المقبرة! نهاية مصيرية، حتمية الوقوع، لا يفر منها صغير أو كبير، شريف أو وضيع.

 

كل ابن أنثى وإنْ طالت سلامته *** يوماً على آلة حدباء محمولُ

 

ما الذي حدث؟ وما الأمر؟!

 

لقد سقطت الكرامة، وانتهت الوظيفة، وضاعت المؤسسة وطارت الأموال: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كَنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [ق: 19].

 

إنه الموت، هادم اللذائذ، وقاطع الأواصر والمطامع! بوقوعه خسرت كل ما تملك في الدنيا، إلا ما جعلته في طاعة الله -تعالى-.

 

الموت أمر مخيف، يرهبه جميع الناس، لماذا؟!

لأنه يعني الخروج من الدنيا، والصيرورة إلى الحساب والجزاء، إنه يعني محق الأمنيات، ونهاية الرغبات، فلا يبقى إلا العمل الصالح والذكر الحسن، ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يتبع الميتَ ثلاثة: أهله وماله وعمله؛ فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله“.

 

سبحان الله! أين من أسس وشاد، وعمر، وأقام وسحق وقتل؟!

لقد أفناهم الموت جميعاً.

 

أين نمرود وكنعان ومن *** ملك الأرض وولى وعزلْ؟!

أين من سادوا وشادوا وبنوا *** هلك الكل ولم تُغنِ القُلَلْ

أين أرباب الحجى أهل النهى *** أين أهل العلم والقوم الأول؟!

سيعيد الله كلا منهم *** وسيجزي فاعلا ما قد فعَلْ

 

الموت كأس كلنا شاربوه، احتُشي فظاعة وبشاعة، مقدماته تنسيك عمراً قضيته، ولذائذ طعمتها، وأفراحاً عشتها! فلا خير ولا سرور يبقى إلا عمل صالح وميزان رايح، قال تعالى: (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) [المؤمنون: 102 – 103].

 

أيها الإخوة: مات العظماء والشرفاء والأغنياء والفقراء، والكبار والصغار، فالناس سواء في تطعم الموت، لا يفرق بين شريف أو وضيع ولا صغير ولا كبير! مات قوم على خنا وفجور، وآخرون على مكوس ومظالم وآخرون على معازف وغناء! ما رأيكم هل هي ميتة شريفة؟ يغبطون عليها، كلا والله، إنها ميتة خسيسة، ونهاية مؤلمة كريهة.

 

إذًا، ما الميتة الحسنة الشريفة التي يهواها الصالحون، ويطلبها المتقون؟

 

إن الميتة الشريفة: أن تقبض على الخير والطاعة، شتان بين من مات مجاهداً في سبيل الله، ومن مات مجاهداً في الشهوة والرذيلة، مات خيار على الذكر والصلاة، ومات شرارٌ على الغفلة والشقاء كما لو مات على ترك الصلاة، أو أكل الربا، أو منع الزكاة، أو تعاطي السحر: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2]، قال صلى الله عليه وسلم كما صحيح مسلم: “فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؛ فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر”.

 

يا أيها الفضلاء: إن الموت يعنى القرار في الجنان أو النيران، إما أن تودع قبراً محفوفاً بالنور والبهجة والسرور، أو تُلقى في قبر ممتلئاً ظلمة وهولا ومخاطر، لا أنيس ولا جليس إلا عواقب الجرائم والمأثم، وأنت كسير صريح لا حول ولا قوة لك إلا ما قدمت من صالح الأعمال ومحاسن الخلال؛ أخرج الترمذي وابن ماجة وابن حبان بسند حسن عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى لله عليه وسلم-: “أكثروا ذكر هادم اللذات” (يعنى الموت).

 

تذكر عقلاءُ المسلمين الموت فأدركوا كربته وشدته! وأهمله آخرون اشمئزازاً منه، فجاءهم بغتة وهم لا يشعرون، كان في ذكراه للعاقلين حزناً وعملاً، وفى ذكراه للغافلين غصة وهماً، يروى أن ابن السماك قال لهارون الرشيد يوماً: يا أمير المؤمنين إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي الله -عز وجل-، والوقوف بين الجنة والنار حين يؤخذ بالكظم، وتزل القدم، ويقع الندم، فلا توبة تقبل، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال، فجعل الرشيد يبكى حتى علا صوته، فقال يحيى بن خالد له: يا ابن السماك! لقد شققتَ على أمير المؤمنين الليلة، فقام يخرج من عنده وهو يبكي، وقال له الفضيل بن عياض -رحمه الله-: “ضمن كلام كثير يا صبيح الوجه إنك مسؤول عن هؤلاء كلهم“، وقد قال تعالى: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ) [البقرة: 166]، قال: “حدثنا ليث عن مجاهد الوصَلات التي كانت بينهم في الدنيا، فبكى حتى جعل يشهق، وقال الفضيل: استدعاني الرشيد يوماً، وقد زُخرف منازله، وأكثر الطعام والشراب والملذات فيها ثم استدعى أبا العتاهية، فقال له: صِفْ لنا ما نحن فيه من العيش والنعيم، فقال:

عِشْ ما بدا لك سالما *** في ظل شاهقة القصورْ

تسعى عليك بما اشتهيت *** لدى الرواح إلى البكور

فإذا النفوس تقعقعت *** عن ضيق حَشْرجة الصدورْ

فهناكَ تعلم موقناً *** ما كنتَ إلا في غرورْ

 

قال: فبكى الرشيد بكاء كثيراً شديداً، فقال له الفضل بن يحيي: دعاك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته، فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى، فكره أن يزيدنا عمى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18].

 

اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء…

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

 

أما بعد:

 

أيها الناس: هل لكم فيما يرقِّق القلوب، ويَذرف الدموع، ويزهد في الدنيا، ويذكر بالأخرى؟ زيارة القبور، السنة المهجورة، والطاعة المبرورة، سنة حميدة جليلة، فعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- والسلف الكرام، إن القبر أول منزل لك بعد الممات، ومسكنك قبر الحشر إلى العرصات، منزل فسيح إن كنت لله عابداً، ودار ضيقة إن كنت للشيطان صاحباً، بيت منير إذا أنرت قلبك بالقران، ومظلم إذا نغصته بالعصيان.

 

إن المقابر عظة وعبرة لذوي الألباب، تأمل -يا أخي- أنك تزور أناساً صرعى تحت التراب قد بليت أجسادهم وانقطعت أخبارهم، تحوطهم الدود والهوام.

 

أيها الإخوة الكرام: زوروا القبور فإنها توطئة للموت، وصارفة عن الحياة الدنيا، وتقليل لشأنها وتنغيص لملذاتها، وداعية إلى العمل والجد، فالميت أمامك، انقطع عمله، وفنيت حياته، فلا عمل ولا سبق بل حساب وجزاء، روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ذهب ثلث الليل، قام فقال: “يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه…”.

 

لقد زار النبي -صلى الله عليه وسلم- المقابر ذاكرا وخاشعاً ومتعظاً، وعلم أصحابه ذلك؛ أخرج مسلم في صحيحه عن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها”، وأخرج أيضاً عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج من آخر الليل إلى البقيع، ويقول: “السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلَّون، وإنا بكم إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد“، وفيه أيضاً عن بريدة -رضي الله عنه- قال: “كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: “السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل لنا ولكم العافية“.

 

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

 

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نعمتك، وجميع سخطك.

 

اللهم بعلمك وقدرتك على الخلق، أحينا ما علمت الحياة خيرا لنا، وتوفنا إذا علمت الوفاة خيرا لنا.

 

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

 

اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.

 

اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة…

 

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم السداد والتوفيق والهداية.

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23].

 

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 180 – 181].

 

الملفات المرفقة
حقيقة الموت
عدد التحميل 13
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات