طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14335

عرش الرحمن

المكان : المملكة العربية السعودية / الخرج / حي الريان / جامع الفاروق /
التصنيف الرئيسي : التوحيد
تاريخ الخطبة : 1438/11/12
تاريخ النشر : 1439/01/24
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ كمال خلق الله 2/ المقصود بالعرش والفرق بينه وبين الكرسي 3/ بعض أوصاف العرش 4/ عظمة العرش واستواء الرحمن عليه 5/ مكان العرش وعدم زواله أو فنائه 6/ بعض المخلوقات حول العرش 7/ اهتزاز عرش الرحمن 8/ كنوز العرش
اقتباس

أعظم مخلوقات الله من حيث حجمها وعظمتها: عرش الرحمن، الذي هو كما يقول ابن كثير: “سريرٌ ذو قوائم، تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات”. والكرسي ليس هو العرش على الصحيح بل هو موضع قدمي الله -عز وجل-؛ كما…

الخطبة الأولى:

 

خَلَقَ الله هذا الخلق فأبدع خلقه، وأحسن صنعه، وأتقن تكوينه، وجعله أنواعا كثيرة، وضروبا متباينة، تتفاوت في حجمها، وتختلف في تفاصيل خَلقها، إلا أنها جميع تدل على توحيد الله -تعالى-، وكمال عظمته، وأن كل ما يدعى من دونه فهو باطل: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) [النحل: 17].

 

وأعظم مخلوقات الله من حيث حجمها وعظمتُها: عرش الرحمن، الذي هو كما يقول ابن كثير: “سريرٌ ذو قوائم، تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات“.

 

والكرسي ليس هو العرش على الصحيح، بل هو موضع قدمي الله -عز وجل-؛ كما ذكر ذلك ابن عباس، ومن جعلهما شيئا واحدا فقد جانب الصواب، يدل على ذلك ما رواه ابن خزيمة والبيهقي وصححه الذهبي وابن القيم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: “بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء  خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم!”.

الله أكبر ما أعظم اللهَ! وما أعظم مخلوقاته!

 

قال الشيخ ابن عثيمين عن أثَر ابن مسعود السابق: “هذا الحديث موقوف على ابن مسعود، لكنه من الأشياء التي لا مجال للرأي فيها، فيكون لها حكم الرفع؛ لأن ابن مسعود لم يُعرف بالأخذ من الإسرائيليات“.

 

للعرش أوصاف كثيرة وصفه بها ربُّنا في كتابه، وكذا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن هذه الأوصاف:

 

وصفه: بأنه مجيد؛ كما في قول الله -تعالى-: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) [البروج: 15] بجرّ لفظ: (المجيدِ)، وهي قراءة حمزة والكسائي، وأما على رفع (المجيدُ) وهي قراءة حفص التي نقرأ بها فيكون ذلك وصفا لله -تعالى- وليس للعرش.

وَوصْفُ العرش بأنه مجيد، يعني أنه متسع عظيم القدر.

ووصف الله العرش أيضا بأنه عظيم، فقال تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [التوبة: 129].

 

ووصفه بأنه كريم في قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 116]، (والكريم هو: الحسن).

 

ووصف النبي -صلى الله عليه وسلم- العرش بأن له قوائمَ؛ كما في البخاري من حديث أبي سعيد قال صلى الله عليه وسلم: “الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور“.

 

سبق معنا أن الله وصف عرشه بأنه عظيم، وقد بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- عظمة العرش بذكر أمرين اثنين:

 

الأول: بإخباره عن عظم الملائكة الذين يحملون العرش، فإن العرش يحمله ثمانية من الملائكة أو ثمانية صفوف من الملائكة؛ كما في قول الله -تعالى-: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة: 17].

 

وأيّاً كان المعنى فاستمع إلى وصفِ واحدٍ من ملائكة العرش لتعلم وتدرك عظمة الخالق -جل في علاه-؛ في سنن أبي داود وصححه الألباني عن جابر -رضي الله عنه- قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: “أذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش: ما بين شحمة أذنِهِ إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام“، وفي رواية: أنه يقول: “وعنقه مثنية تحت العرش إجلالا وانكسارا لربه: “سبحانك ما أعظمك ربَّنا!”.

 

وأما الأمر الثاني الذي يدل على عظمة العرش فهو المقارنة التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بين السموات والكرسي والعرش، قال صلى الله عليه وسلم: “ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي، كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة“.

 

ونؤمن بأنه عرشٌ على الحقيقة، وأن الله قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته؛ كما قال جل شأنه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [طه: 5 – 8].

هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة من سلف هذا الأمة الأبرار، فلا نكيّف الاستواء ولا نحرفه عن معناه، ولا نؤوله على غير ظاهره.

 

ولما دخل رجل على الإمام مالك فسأله عن قول الله -تعالى-: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5] كيف استوى؟! أطرق مالك تعظيما لله، واستعظاما لهذا السؤال، وأخذته الرحضاء وفي يده عودٌ ينكت به في الأرض، وهدأ المجلس سكينة وهيبة للإمام مالك، وانتظر جلساؤه ما سيقضي فيه، حتى سرّي عن الإمام مالك، ثم رفع رأسه فقال: “الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك إلا رجل بدعة“، ثم أمر به فأخرج من مجلسه!

 

وهذا من فقه الإمام -رحمه الله-؛ إذ كيف للعقل البشري القاصر أن يدرك كيفية استواء الخالق أو أن يحيط بها علما؟! سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى: 11].

 

أما قبل خلق السموات والأرض فقد كان العرش على الماء، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [هود: 7].

 

وأما بعد خلق السموات والأرض فهو أعلى المخلوقات وأرفعها، وكل المخلوقات دونه، وهو سقف الجنة؛ كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال صلى الله عليه وسلم: “إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ” جاء في بعض الآثار: “أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش، وهو تسبيحه وتعظميه“، وقال ابن كثير: “وما ذاك إلا لقربهم منه -والله أعلم-“.

 

ومن خصائص هذا العرش: أنه ومع مخلوقات أخرى لا يصيبها الفناء الذي يصيب الخلق، قال الإمام البربهاريّ -رحمه الله- في شرح السنّة: “وكلّ شيء ممّا أوجب الله عليه الفناء يفنى، إلا الجنّة والنار، والعرش والكرسيّ، واللوح والقلم والصور، ليس يفنى من هذا أبداً“.

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: حول العرش مخلوقات أخرى جاء ذكرها في عدد من الأحاديث الصحاح، فمن ذلك:

 

1- سجود الشمس لله تحت عرشه: ذكر البخاري في صحيحه عن أبي ذر قال: قال النبي -صلي الله عليه وسلم- لأبي ذر حين غربت الشمس: “تدري أين تذهب” قلت: الله ورسوله أعلم، قال: “فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤن لها، يقال لها: ارجعي من حيث، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يــس: 38]”.

 

2- أرواح الشهداء: في سنن ابن ماجة وصححه الألباني عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال في تفسير قوله تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169] قال: أما إنا سألنا عن ذلك، فقال: أرواحهم كطير خضر تسرح في الجنة في أيها شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فبينما هم كذلك إذ اطّلع عليهم ربك اطلاعة، فيقول: سلوني ما شئتم؟ قالوا: ربنا ماذا نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا؟! فلما رأوا أنهم لا يتركون مِنْ أَنْ يُسألوا، قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا في أجسادنا إلى الدنيا حتى نقتل في سبيلك! فلما رأى أنهم لا يَسألون إلا ذلك ترُكوا”.

 

ومما جاء في أخبار العرش، هذا المخلوق العظيم الذي فاق خلقُه خلق السموات والأرض: أنه قد اهتز احتفاء بأحد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين عرجت روحه إلى السماء، ألا وهو الصحابي الجليل سعد بن معاذ -رضي الله عنه وأرضاه-، فقد ثبت في المتفق عليه  عن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: “اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ“، وروى الحافظ البزار وجود إسناده ابن كثير والألباني عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لقد هبط يوم مات سعدُ بن معاذ سبعون ألف ملك إلى الأرض لم يهبطوا قبل ذلك!” كلهم نزلوا يشيعون جنازته ويشهدونها رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

 

قال الإمام الذهبي عن اهتزاز العرش: “عرش الرحمن هو خلق من خلق الله يهتز لمن يشاء الله أن يهتز له؛ كما قال النبي عن أحد: “إن أحدا جبل يحبنا ونحبه“، وهو خَلْق من خَلْق الله جماد.

 

ومما هو مدّخر فوق العرش كتابٌ يستشر به كل موحد، ففي المتفق عليه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن الله -تعالى- كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش“.

 

وللعرش كنوز عظيمة يغفل عنها أكثر الناس؛ فمن تلك الكنوز:

1- خواتيم سورة البقرة: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) [البقرة: 285] إلى نهاية السورة، في صحيح الجامع عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال صلى الله عليه وسلم: “أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها نبي قبلي“.

 

2- قول: “لا حول ولا قوة إلا بالله”، في مسند الإمام أحمد وصححه الألباني عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: “أمرني خليلي -صلى الله عليه وسلم- بسبع: أمرني بحب المساكين، والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: “لا حول ولا قوة إلا بالله”، فإنهن من كنز تحت العرش“.

 

3- ومن الكنوز والشهود للعبد يوم القيامة التسبيح والتحميد والتهليل: أخرج ابن ماجة وصححه الألباني عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّحْمِيدَ يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوْ لا يَزَالَ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُ بِهِ؟!”.

 

اللهم أعنا على ذكرك وعلى شكرك وحسن عبادتك.

 

صلوا على الهادي البشير والسراج المنير فقد أمرتم بذلك في محكم التنزيل…

الملفات المرفقة
عرش الرحمن
عدد التحميل 35
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات