كيف تحب وتحب

الشيخ عبدالإله بن سعود الجدوع

2022-10-11 - 1444/03/15
عناصر الخطبة
1/ مفهوم الحب 2/ حث الإسلام على الحب 3/ من ألوان الحب 4/ فضل الحب 5/ الانحراف عند تطبيق وممارسة الحب 6/ حكم الاحتفال بعيد الحب 7/ واجب المربين تجاه المحتفين به

اقتباس

إنه لا يوجد دينٌ من الأديان يحث أبناءه على التحابب والمودة كدين الإسلام، ولقد حث على إظهار العاطفة والحب في... ولو نظرت أيضاً إلى ازدياد مشكلات مجتمعية كالعلاقات العاطفية التي تنتهي في الغالب لابتزازات شيطانية، أو لقضايا التعلق والإعجاب بين شباب وفتيات، لوجدت أن...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

تعلمون أن الحب عاطفة غريزية في الإنسان تنطلق منه ليحبَ الله ويحب رسوله ويحبَ وطنه ويحب مجتمعه، وكذلك يحب المال ويحب الجمال ويحب الزوجة والأولاد، وغير ذلك من الأمور.

 

وكلّ من هذه المحبوبات له معنى خاص، ومذاق مختلف، وحديث يطول؛ وليس هو محور حَـديثـِـنا معكم!.

 

إنما زاويةُ حَـديثـنا معكم الآن هي الزاوية التي فيها (الحب)، حتى نصل وإياكم إلى إجابة سؤال صغيرِ الكلمات، كبيرِ المعاني، وهو: كيف تحِـب؟ وكيف تُـحَـب؟ كيف نفهم الحب؟ وكيف نمارسه؟.

 

إننا نريد أن نصل وإياكم إلى حب نحيا به، وليس حباً نستهلكه؛ نريد أن نصل وإياكم إلى الحب الراشد الواعي، إن صحت التسمية.

 

لكن؛ قد يقول قائل: وما حاجتنا للحديث عن الحب؟ فنقول: ومن الذي يعيش بلا حب؟ فالحب شيء غريزي وجميل، بل وحث عليه الإسلام في مواطن سنأتي عليها إن شاء الله.

 

ولكي تعرف مدى أهمية أن نلقي الضوء على هذا الموضوع، انظر إلى أكثر المصادر التي يستسقي منها المجتمع المعلومات عن الحب! تجد أنها ما تمليه المسلسلات، وما تصدح به الأغنيات! والمعافى من هذين البلاءين قد يصعب عليه كيفية فهم الحب وممارسته، وكيف يُحِب ويُحَب؟.

 

ولو نظرت أيضاً إلى ازدياد مشكلات مجتمعية كالعلاقات العاطفية التي تنتهي في الغالب لابتزازات شيطانية، أو لقضايا التعلق والإعجاب بين شباب وفتيات، لوجدت أن مفهوم الحب عند هؤلاء كان مزيفاً، بينما كانوا يظنونه حقيقياً؛ فالفتاة تصدّق شاباً بأنه يحبها وسيتزوجها، والبعض يظن أن الحب لا يُشعل فـتيله إلا في يوم في السنة يسمى "عيد الحب" بينما الحب الحقيقي هو حياة كل أيامها حب!.

 

فإذاً؛ نحن هنا لهدف أرجو أن تركزوا عليه، وهو أنْ نعيد النظر في مفهومنا وتطبيقاتنا للحب، لأنه -وللأسف- يناله شيء من الضبابية والغبش في مفهومه، أو تستطيع أن تقول إن مفهومه عند البعض يُحصر في دائرة ضيقة، كمن يُعرّف الحب بأنه العلاقة الخاصة بين الزوجين فقط، ولا يتعدى أكثر من ذلك، والبعض ينغمر في الحب دون أن يفهَمه ثم يريد نتائج مبهرة! والبعض يستطيع أن يقول كلمة " أُحِـبـُك " لكن لا يعرف كيف يُطبقها! مع أن التطبيق أكثر أهمية للطرفين.

 

أيها الإخوة الكرام: لو قمنا بسؤال كل واحد منكم، هل تعرف الحب؟ سيقول بلا شك: نعم. ثم إذا قلت له: إذاً عرّف الحب؟ لصعبت عليه الإجابة! ولكننا نقول كما قال الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله-: "ليس في الناس من لم يعرف الحب، وليس فيهم من عرّف الحب".

 

فإذاً؛ هو شيء يُمارسُ كثيرا بطرق متعددة؛ لكن يصعب تعريفه، ومن ذاق الحب عَـرف، ومن عَـرف اغترف.

 

أيها الأحبة الكرام: إنه لا يوجد دينٌ من الأديان يحث أبناءه على التحابب والمودة كدين الإسلام، ولقد حث على إظهار العاطفة والحب في كل وقت، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "إذا أحب أحدكم أخاه فلْيُعْلِمْهُ إياه" رواه الترمذي.

 

بل؛ والأفضل منهم من كان أكثر حباً لصاحبه، لحديث أنس أن رسول الله قال: "ما تحاب اثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه" رواه الطبراني وصححه الألباني.

 

وهؤلاء في منزلة عظيمة يوم القيامة، كونهم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: "ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه".

 

وإذا دخلوا الجنة هم من المكرمين، إذ رسول الله يقول: "المتحابون في الله على منابر من نور، يغبطهم النبيون والصديقون والشهداء" رواه ابن حبان وصححه الألباني.

 

بل؛ ونُفي الإيمان عن الذي لا يحب الخير لصاحبه، قال رسول الله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

 

بل؛ وجُعلت المحبة طريقاً إلى الجنة، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

 

بل؛ إن المسلم تمتد عاطفته ومحبته لتشمل حتى الجمادات، فهذا جبل أُحُد يقول عنه -عليه الصلاة والسلام-: "هذا أُحُدٌ، جَبَلٌ يحبنا ونحبه".

 

والأمثلة التي تحث على المحبة العامة كثيرة.

 

لكن الوصية في النهاية كما قال علي -رضي الله عنه-: "أَحْبِبْ حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما".

 

أما ما يدخل في المحبة ويجدر بنا الإشارة له خصيصاً: المحبة التي تكون بين الزوجين، وسأكتفي بمثالين فقط، يحتفظ بها الأعزب منا حتى يتزوج، ويطبق معانيها المتزوج فوراً ودون تأخير.

 

أما المثال الأول لأولئك المتجاهلين لمعاني الحب العظيمة: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان متزوجاً من خديجة -رضي الله عنها-، وتوفيت، وبعد ذلك بسنين لازال النبي يذكرها ويدعو لها.

 

بل وكان يذبح الشاة ثم يرسل شيئاً منها إلى صاحباتها وفاءً لها، فغارت عائشة منها، ومن كثيرِ ما يتذكرها النبي ويدعو لها، ولم تكن قد اجتمعت بها، فغضب النبي على عائشة وكان يقول: "إنها كانت وكانت". يقصد خديجة. فانظر كيف كانت محبته ووفاؤه لها بعد موتها. فكيف كان وفاؤه ومحبته حال حياتها؟.

 

أما المثال الثاني، وهو رسالة لأولئك المتزوجين الذين ذبل الحب لديهم، وظنوا أنهم قد كَـبـروا عن الحب، إليهم هذا المثال: رسول الله في آخر لحظات حياته وفي مرض موته يستاك بالسواك الذي رطّبته له عائشة من ريقها، وتوفي ورأسه عند صدر عائشة رضي الله عنها.

ونأخذ من ذلك أن الحب الحقيقي هو المستمر في كافة ظروف الحياة، ونأخذ منه كذلك أن الحب يُـقـبَـل -وإن شئت قل يُـطـلـب- ممن تجاوز عمره الستين سنة.

 

بارك الله فيما قلت وسمعتم؛ فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان.

 

وأستغفر الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

إنّ حديثنا عن الحب هو ضبط لأُطرِه، ورسم لحدّه، ووجه للتعامل عند وقوعه، وتصويب للنظر عند معالجته.

 

ألا فليعلم -عباد الله- أن هناك يوماً رائجاً ينبغي التحذير منه، وهو اليوم الذي يسمى بـــ "عيد الحب".

 

وهو -أولاً- ليس عيدا للمسلمين، وتحرم المشاركة فيه أو الاحتفال به أو تبادل عبارات الحب احتفاء وابتهاجاً بذلك اليوم؛ لخطر الأحاديث الدالة على وجوب مخالفة المشركين، ولارتباط أصله بعقيدة عند النصارى، كما أفادت بذلك اللجنة الدائمة للإفتاء.

 

ثم -أيها الكرام- هم لا يقصدون بالحب معناه الصحيح، إنما يقصدون به معنى فاسداً لا يخفى على كل ذي لبٍ وعقل.

 

ألا وليحذر-عباد الله- من الانجرار وراء القنوات والمواقع الالكترونية التي تحتفل بذلك، وعلينا واجب النصح بالحسنى ممَن رأيناه وقع في شيء من ذلك.

 

ومن المتعين على الآباء والأمهات أن يلاحظوا هذا الأمر على أولادهم، وخاصة إذا رأوا من بناتهم تخصيص اللباس الأحمر في ذلك اليوم، وهكذا لو طلبوا منهم شراء الورود والبطاقات الخاصة بذلك اليوم، فلْيُبَيِّنوا لهم حقيقة الأمر بأسلوب شرعي تربوي مقنع.

 

إخوة الإسلام: هناك قاعدة عظيمة في الحب، إذا عملت بها أصبت خيري الدنيا والآخرة: تتحمل ما تكره إذا أحبه الله، وتترك ما تحب إذا كرهه الله.

 

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) [البقرة:165].

 

اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربنا لحبك.

 

 

 

 

المرفقات

تُحِبُّ وتُحَبُّ

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات