طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

5381

تربية طفل التوحد

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / جامع البواردي /
التصنيف الرئيسي : أخلاق وحقوق الفئات الخاصة
تاريخ الخطبة : 1434/04/26
تاريخ النشر : 1434/05/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ 2/ من حكم الابتلاء 3/ فضل الصبر على الابتلاء 4/ الحث بالإحسان على ذوي الاحتياجات الخاصة 5/ من قصص ذوي الاحتياجات الخاصة 6/ التقصير في حق ذوي الاحتياجات الخاصة 7/ اهتمام الخلفاء بذوي الاحتياجات الخاصة 8/ واجبنا نحو ذوي الاحتياجات الخاصة 9/ معاقين عظماء 10/ تطوير ذوي الاحتياجات الخاصة 11/ الاهتمام بكبار السن والعناية بهم
اقتباس

إن ربنا جل في علاه لما خلق الدنيا لم يجعلها دار مقر، بل جعلها دار ممر، ولقد قدر الله تعالى أن يكون العباد في الدنيا يتقلبون بين أمور شتى، ما بين صحة وسقم، وما بين غنى وفقر، وما بين فراق وقرب، إلى غير ذلك من الأحوال، وقدر الله تعالى أن يتفاوت الناس في حياتهم، فمنهم الغني المعافى، ومنهم الفقير المبتلى، ومنهم…

 

 

 

 

الخطبة الأولى

 

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, جل عن الشبيه والمثيل، والكفء والنظير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربنا رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين, فهدى الله به من الضلالة, وبصر به من الجهالة، وكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة, ولم به بعد الشتات فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين وأصحابه الغر الميامين، ما اتصلت عين بنظر, ووعت أذن بخبر، وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد:

 

إن ربنا جل في علاه لما خلق الدنيا لم يجعلها دار مقر، بل جعلها دار ممر، ولقد قدر الله تعالى أن يكون العباد في الدنيا يتقلبون بين أمور شتى، ما بين صحة وسقم، وما بين غنى وفقر، وما بين فراق وقرب، إلى غير ذلك من الأحوال، وقدر الله تعالى أن يتفاوت الناس في حياتهم، فمنهم الغني المعافى، ومنهم الفقير المبتلى، ومنهم المريض السقيم، ومنهم الصحيح القوي: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ) [القصص: 68].

 

ولله جل وعلا في كل ذلك حكم عظيمة، ولا يضيع الله تعالى أجر المحسنين، ولا أجر الصابرين على بلاءهم، وإن الله جل في علاه قدر أن يبتلى بعض الناس بأن يولد له ولد أو بنت من ذوي الاحتياجات الخاصة، سواءا أن يكون معاقاً في جسده, أو أن يكون مبتلى بمرض، لا يجعله طبيعيا كبقية الأطفال.

 

ومن نظر في أحوال الناس اليوم وجد أن بعضهم ابتلي بطفل أصيب بشيء من هذه الأمراض, إما أصيب بما يسمى بمرض التوحد، أو بما يسمى بمتلازمة داون أن يكون له شكل منغولي، إلى غير ذلك من الأحوال، وإن هؤلاء إن احتسبوا أجرهم عند ربهم جل في علاه كان لهم في ذلك ثواب عظيم.

 

قال نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: "يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض" [الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الجامع- الصفحة أو الرقم:8177-خلاصة حكم المحدث: صحيح].

 

يعني ودوا لو أنهم أصابهم من البلاء في الدنيا أعظم البلاء؛ لأجل أن يجدوا من الثواب ما يجده من أصابه بلاء في الدنيا، ولقد كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه يلقي في قلوب أصحابه أن الدنيا دار ممر، وأن صبر الإنسان في الدنيا على المرض خير له عند رب العالمين.

 

جلس عليه الصلاة والسلام مع أصحابه يوما، فأقبلت إليه أمة سوداء، قالت: يا رسولَ اللهِ،" إنِّي أُصرَعُ وأتكشَّفُ".

 

يعني يصيبني الصرع وأتكشف، فانتفض ومن شدة ما يصيبني أني اشق ملابسي، فينكشف عند الناس شيء من جسدي: "فادْعُ اللهَ أن يشفيَني. فقال: إن شئتِ دعوتُ اللهَ أن يشفيَك، وإن شئتِ صبرتِ".

 

صبرت وإن تأذيت صبرت، وإن تأذى أهلك صبرت، وإن تأذى أبوك وأمك, صبرت وإن تأذى زوجك إن كان لك زوج أو أبناؤك إن كان لك أبناء, إن شئت صبرت ولك الجنة: "وإن شئتِ صبرتِ ولك الجنَّةُ" فإذا بالمرأة تقارن بين العرض الأول والعرض الثاني، وتقول: يا رسول الله، فقالت: "بل أصبِرُ".

 

مادام الجنة هي الموعد وثواب الله تعالى هو الملتقى: "فقالت: بل أصبِرُ ولي الجنَّةُ، ولكن ادْعُ اللهَ ألَّا أتكشَّفَ".

 

أنا سأصبر على مرضي يصيبني في كل موضع، وأتألم منه، لكن يا رسول الله لا أريد أن ينكشف جسدي عند الناس، أدعو الله لي: "ولكن ادْعُ اللهَ ألَّا أتكشَّفَ" فدعا لها، فكانت لا تتكشَّفُ [الراوي: أبو هريرة المحدث: أحمد شاكر – المصدر: عمدة التفسير

 

بل إن ربنا جل وعلا جعل لهؤلاء الذين ابتلوا بأنواع البلاء، جعل الله تعالى لهم مقاما, ألم ترى إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم، كان إذا لقي عبد الله ابن أم مكتوم، وكان رجلا أعمى، ليس مبصراً مثل بقية الناس، فكان عليه الصلاة والسلام إذا رائه، قال: "مرحبا بمن عاتبني فيه ربي" وذلك أن عبد الله ابن أم مكتوم, أقبل يوما إلى النبي عليه الصلاة والسلام وعنده نفر من كبار قريش يدعوهم ويحاورهم فأقبل ابن أم مكتوم وهو أعمى لا يبصر هؤلاء الصناديد، فجلس عند النبي عليه الصلاة والسلام وفي قلبه حرص على تعلم الدين وحرص على حفظ القرآن، قال: يا رسول الله علمني مما علمك الله, وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يكون مشغولاً بهؤلاء، فعبد الله ابن أم مكتوم لو أراده في أي وقت لوجده, أما هؤلاء فاجتماعهم اليوم فرصة، فاجتهد النبي صل الله عليه وسلم بأن يعطي وقته لهم، واعرض عنهم، فأنزل الله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) [عبس: 1- 7].

 

فلا يزال ربنا جل وعلا محسن إلى هؤلاء، مبين لنا أن لهم قدرا، ولهم حقا علينا, وقد أمر الله جل وعلا بالإحسان إلى كل صاحب حاجه، إن رأيت معاقا لا يستطيع أن يحرك يديه، أو لا يستطيع أن يمشي بقدميه، أو كان عقله قاصراً عن غيره، أو رأيت رجلا قد ابتلي بأحد أولاده، أصيب بمثل ذلك، فمأمور بالإحسان إليه, لأجل أن تدفع عن نفسك أن يصيبك بمثل ما أصابك، قال الله تعالى: (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195].

 

أحسنوا بعلمكم, أحسنوا بأموالكم, أحسنوا بعلمكم، أحسنوا بطبكم، أحسنوا بأنواع الإحسان إلى أمثال هؤلاء، أحسن ولو بشفقتك عليه، ورحمتك به، وتصبيرك له: (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195].

 

وقال نبينا صلوات ربي وسلامة عليه لما أقبل إليه رجل من الصحابة، قال يا رسول الله: دلني على أبواب الخير، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعدد له الأبواب، حتى قال له: "أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق".

 

أن تعين صانعا، أن تمر بنجار، أو حداد يحتاج أن يُمسك له شيءٌ من خشب أو نحوه، فتقف عنده خمس دقائق لتساعده، فأنت تتصدق عليه بذلك، قال: "أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق".

 

أن يكون شخصاً لا يستطيع أن يصنع لنفسه؛ لقصور في جسده، أو قصور في إدراكه، أو قصور في خبرته، أو في علمه، أو تصنع لأخرق، فعده النبي -عليه الصلاة والسلام- من أفضل القربات لربنا جل وعلا.

 

ونبه النبي صلى الله عليه وسلم: " أن المؤمن للمؤمن كالبنيان" فإذا ابتلي أخوك ببعض أبنائه من المصابين بهذه المصائب، فأنت مسؤول عنهم، كما أنهم لا ينبغي لك أن تراه يحمل طفله الثقيل ليركبه في السيارة، فتمر به بسيارتك وأولادك في كامل الصحة والعافية تنظر إليه وتمضي -كلا- "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ، " المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداع له سائر الجسد بالسهر والحمى".

 

والمرض مصيبة تنتقل من شخص إلى شخص، وربما في صباحه صحيحا سليما، وإذا به في الليل يمسي مريضا سقيما، من يدري المصيبة متى تلج بيت الإنسان، أو ربما تقعده بعد ضعف بعد قوته ونشاطه.

 

وإذا تأملت في أحوال الناس وجدت أن أعدادا منهم ابتلو بمثل ذلك.

 

سافرت مرة إلى أحد البلدان، فخرجت مع بعض أصحابي إلى بعض القرى، في هذا البلد، وكان معنا بعض الصدقات والزكوات، نريد أن نوزعها عليهم، فكنت أمر بالبيت وأطرق الباب، فأتحدث مع صاحب المنزل مع أصحابه فإذا رأيت شيئا من الحاجة أعطيته ما تيسر، مررت ببيت في هذه القرية، وهي بيوت قديمة، وإذا عند الباب امرأة قد بدأ عليه الضعف والحاجة والهزال، وإذا أمام بيتها مزرعة صغيرة، ربما لا تتعدى ستة أمتار في مثلها، فقلت لها: السلام عليكم،  أين زوجك؟, قالت: مات، قلت لها: أين أبناؤك، يخرج إلي بعض الأبناء لألاطفه، وأعطيه المال، ليوصله إلى أمه، قالت: أبنائي مرضى لا يستطيعون أن يخرجوا إليك، قالت: أدخل أنت وانظر إليه، وإذا البيت عبارة عن غرفة واحدة، حتى الحمام مقفل عنه بخشب يسير، ربما الرائحة تنتشر في البيت كله، ودخلت فإذا أربعة أطفال أكبرهم عمره 14 سنة، وإذا الكل قد بطحوا على بطونهم على الأرض ورؤوسهم متقابلة، وإذا بينهم في الوسط شيئا من الخضروات، كوسا، وجزر مسلوقة بالماء، وهم والله يأكلون بأفواههم، يأكلون من الأرض بأفواههم، وإذا الأربعة كلهم معاقون، ولا أحداً منهم والله يستطيع أن يحرك يده، ويدخل الطعام إلى فمه، وإذا البيت أيضا امتلأت برائحة الغائط والبول التي من أجسادهم، فلما رأيتهم قلت لها: أهؤلاء أبناؤك؟ قالت: نعم، قلت: يا أختي لكن ينبغي أن تعتني بهم أكثر، نظفيهم، أطعميهم أنت، اهتمي بهم أنت، قالت: اطعم من واترك من، أنا اعتني بهم، واعتني بالبيت، واعتني بالبقرة التي نحلب منها، أو اعتني بهذه المزرعة، وإذا بهؤلاء الأبناء وهم على هذا الحال معاقون، وبعضهم مصاب في أعصابه ينتفض طوال الوقت، وربنا جل وعلا يبتلي من يشاء، والله تعالى ارحم بهم منها.

 

لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا معه طفل صغير يضمه ويقبله، فقال عليه الصلاة والسلام له: "أتحبه وترحمه" قال: نعم يا رسول الله، والله إني لأحبه، اسأل الله أن يحبك كما أحببته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله ارحم بولدك منك لكن ربنا جل وعلا له حكمه: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ) [القصص: 68].

 

ورأيت قبل أيام ابنين لأحد الأصدقاء، وإذا كلاهما مصاب بمرض التوحد، وإذا الصبي أحدهم عمره 12 والثاني أصغر منه بسنتين، وإذا أحدهم منذ أن يصبح إلى أن يمسي وهو يجمع يديه على شكل قبضتين ويضرب وجهه ورأسه، لا يتوقف عن ذلك أبدا، ساعتين ثلاث أربع، لا يتوقف عن ذلك أبدا، ولا يكاد يتعب ويضرب وجهه ورأسه ويتألم ويبكي، وإذا أبوه يربط يديه منذ أن يصبح إلى أن يمسي، والطفل يبكي، والأب من رحمته به يريد أن يفهم الصبي لماذا نربطه، والصبي لا يفهم، ويأتي الأب فتارة يربطه بمنشفة؛ لتكون لينه على يديه، وتارة يربطه بفنيلة، وتارة يشتري شيئا أرق ليربط يده بها.

 

أفلا يحتاج هذا إلى رسالة لكل من لقيه من أصدقائه وأحبابه؛ يصبرونه على مصابه الذي نزل به؟!

 

وإذا نظرت في أحوال الناس وجدت أعدادا كبيرة منهم اليوم قد ابتلوا بأنواع من هذا البلاء، والصبر على هذا من أعظم القربات، ورحمة هؤلاء ومساعدتهم لمن كان يحتاج منهم، بعضهم يحتاج إلى مساعدة، بعضهم يريد أن يدرس ولده في مدرسة للمعاقين، أو في مدرسه لمتلازمة داون أو للتوحد وغير ذلك، ولا يجد من يعينه.

 

ومع الأسف أننا في البلد لا نزال مقصرين في مثل هذا، ولا يزال كثير من الذين أبناءهم مصابون بمثل هذه الحالات، سواءا بالتوحد أو متلازمة داون، أو غير ذلك من الأمراض أو فصام لا يزالون إلى اليوم يذهبون بأولادهم إلى خارج المملكة لأجل علاجهم.

 

عيب!! أن يوجد عندنا هذه الثروة وهذه الميزانية الضخمة، ولا يزال إلى اليوم لا يوجد لدينا مراكز تستطيع أن تحتضن هؤلاء.

 

مراكز أهلية بعضها يكلف الأب والأم للصبي الواحد أكثر من 50 ألف ريال للسنة الواحدة، وأقلها لا يقل عن 25 ألف ريال،  بل وبعضها والله يصل إلى 100 ألف إذا كان الأب لديه ولد أو ولدان وراتب الأب لا يكاد أن يكفي لإيجار منزله، أو للعناية بطفله ودواءه، فمن يعتني به فيجب على كل من ولي أمر المسلمين في وزارة الشؤون الاجتماعية، وغيرها من وزارات الصحة أن تعتني بمثل ذلك، ولقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبدٍ يسترعيهِ اللَّهُ رعيَّةً يموتُ يومَ يموتُ وَهوَ غاشٌّ لرعيَّتِهِ إلَّا حرَّمَ اللَّهُ عليهِ الجنَّةَ" [الراوي: معقل بن يسار المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 142-خلاصة حكم المحدث: صحيح].

 

وأي تقصير أعظم من أن يبدأ هؤلاء من أن يعانون من أولادهم، ولا أحد يقف معهم ولا ييسر لهم أمرهم.

 

عيب !! أن ننظر إلى أوروبا وإذا هم يجعلون مع كل مصاب من هؤلاء يجعلون معه خادمين، وقد رأيت هذا بعيني والله.

 

مرة في إحدى دول أوروبا دخلت في أحد المراكز الإسلامية، وإذا شاب معاق مسلم، عمره لم يتجاوز 15 سنة، وإذا هو على كرسيه ولا يتحرك منه إلا رأسه، وإذا معه رجلان موظفان لخدمته من وزارة الشؤون الاجتماعية عنده، ويصرف له أيضا راتب موظفان، قد أرسلوا من هناك.

 

تذكرت والله ما ذكره أصحاب التاريخ أن عمر ابن عبد العزيز: كان يرسل إلى ولاته في الأمصار أن يرفعوا إليه بعدد الزمنى، يعني بعدد المشلولين، ومن عندهم من العمى، وغير ذلك من الآفات، كانوا يرسلون إليه عددهم، ثم يخصص لكل أعمى قائد موظف، أنت مسؤول عنه، يريد أن يخرج إلى السوق تخرج معه، يريد أن يخرج إلى المسجد تخرج معه، موظف خاص له، ويجعل له مع الزمنى المشلولين، يعطي كل واحد منهم خادم يخدمه، يذهب به إلى الحمام ويعود به، هذا في عهد عمر ابن عبد العزيز، وهؤلاء اليوم يطبقونه، بل إن والي دمشق في عهد عمر ابن عبد العزيز جمع أسماء هؤلاء ممن لهم حالات، جمعها وجعل يصرف لهم من الزكاة والصدقات، فشكوا إلى عمر ابن عبد العزيز، قال: إنه يتصدق علينا من الزكاة، ولم يرتب لنا شيئا مستقرا، لم يرتب لهم راتبا مستقرا، إنما يعطي هذا زكاة كلما جاءت الزكاة, فأرسل إليه عمر، هب أنك واحد منهم، فما تحب ؟!- يعني- افرض أيها الوالي أنك كنت واحداً من هؤلاء؟ أي شيء أحب إليك أن تعطى من الزكاة كل رمضان أم أن يمشى لك راتب؟ هب أنك واحد منهم، فأي الشيء أحب إليك؟ ثم أمر أن يصرف لهم عطاءا من بيت مال المسلمين.

 

وكان عبد الملك بن مروان أيضا يفعل مثل ذلك، وكان قد جعل لكل من له من هذه الحالات، جعل له من ينفق عليه من بيت مال المسلمين، ومن يخدمه، هؤلاء لهم حق أن نقوم نحن بحقهم، وأن نساعد أهلهم، ولهؤلاء الأطفال أيضا حقوقا على أهلهم، من ذلك: أن لا يتأفف الأب من هذا الولد، فالنبي صل الله عليه وسلم يقول: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" [الراوي: – المحدث: محمد جار الله الصعدي – المصدر: النوافح العطرة -خلاصة حكم المحدث: صحيح].

 

ربما أن الرزق الذي يسوقه الله إليك أيها الأب بسبب هذا الولد، ربما أن المصائب التي تنزل بغيرك من احتراق منزل أو ذهاب مال أو مرض، ربما أن الله يصرفها عنك بهذا الولد: "إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم".

 

ولا شك أن هؤلاء الآباء والأمهات الواجب عليهم كبير، أول ذلك العناية التامة بذلك الولد والبنت المصاب، وعدم إهماله؛ أن يقفل عليه في غرفة، ومعاملة غير بشرية، أو أن يُلقى في بعض الدور المتخصصة برعايتهم، ولا يلتفت إليهم هذا.

 

ومع الأسف أن بعض هذه الدور تعاملهم أقسى المعاملة، ينفق الأب المال شهريا، أو ربما في كل فصل دراسي، يسدد هذا المركز المخصص بهم أو المدرسة، ثم تجد الأب لا يدري ماذا يحصل لابنه، عنده عشرة غيره ولا يدري ماذا يحدث له؟ ولذلك تجد الأب إذا جاء لزيارة ولده تمسك به، وبكى.

 

وربما لو جاء الأب مفاجأة إلى هذا المركز دخل إلى غرفة ولده، ربما رائه على حال لا يسره أبداً، من إهمال حفائظه، وإهمال تنظيفه، وربما ضربه، وما شابه ذلك.

"الرَّاحمونَ يرحمُهمُ الرَّحمنُ" [الراوي: عبد الله بن عمرو المحدث: ابن حجر العسقلاني – المصدر: فتح الباري لابن حجر خلاصة حكم المحدث: ثابت].

 

ينبغي أن تتعامل معه برحمة، والراحمون يرحمهم الرحمن.

 

الدنيا دار ممر وليست دار مقر, والدنيا فانية، وربما أن دخولك الجنة بهذا البلاء الذي نزل بك.

 

العناية به هذا أول واجب ينبغي على الأب والأم، ولا يجوز للأب أن يهمله للأم، وتصبح الأم هي التي تعتني بالابن، وتنام في غرفته، وتنظفه، وربما تذهب مع سيارة أجره لأجل أن يأخذ الولد العلاج الطبيعي، وما شابه ذلك، والأب لا يلتفت إلى هذا، وهذا حرام: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول".

 

الأمر الثاني: يجب أن تستثمر القدرات الباقية عند هذا الولد؛ ينظر ما هي ميوله،  كان هذا الولد يحب تعلم اللغات، فيمكن من ذلك.

 

وقد رأيت بنفسي في أحد مراكز تأهيل المعاقين شابا عنده إعاقة شديدة، وإذا هو يتكلم اللغة الإنجليزية، ربما أكثر من أهلها، ورأيت عنده القاموس العربي الإنجليزي، ويحفظه حفظاً تاماً وعلى سريره، وهذا القاموس معه في كل لحظة يحفظه حفظاً تاماً كما يحفظ اسمه، هذا عنده قدرات، وزرته بعدها بأشهر فلم أجده، فقالوا: إنه خرج وتوظف في إحدى الشركات.

 

ينبغي أن تنمى القدرات إن كان عنده قدرات علمية، تنمى ولا يقال: هذا مسكين، هذه حالات خاصة تنمى؛ عطاء ابن رباح من كبار علماء الإسلام إلى يومنا هذا، وكان عطاء ينادي في الحج: أن لا يفتي في الحج إلا عطاء، لا تقبل الفتوى إلا من هذا الرجل، وكان عطاء أعرجاً شديد العرج، إحدى رجليه أقصر من الأخرى، وأشل -يعني- أحد جانبيه لا يتحرك، كما يتحرك الجانب الآخر، وكان عنده عدد من الأمور التي تصنف عندنا أنه من ذوي الاحتياجات الخاصة، فكان عبدا مملوكا، فلما اعتقه سيده بكى عند أمه، قالت: ما يبكيك؟ أنت أعتقت وأصبحت حراً؟ قال: الآن أموت من الجوع يا أمي، في السابق كان ينفق علي والآن من أين أنفق, قالت:" يا ولدي هل تريد عز الدنيا والآخرة؟! قالت له وهو شباب، قال: نعم، قالت: "اطلب العلم، فو الله ليرفعنك فوق الرؤوس".

 

فانصرف وهو شاب إلى طلب العلم، يأتي بإعاقته ويجلس في المجلس، يحفظ، لم يحتقروه، لم يقولوا له: ممنوع أن تحضر، لم يقولوا له: لا نقبلك معنا، كلا، وإنما ما دام أن عندك حفظ، وعندك قدرة يستفاد منك، نحن نعدك لتصبح عالما، لا نعدك لتصبح لاعب كرة، أو متسابق في المرثون، نحن لا نحتاج إلى رجلك، ولا إلى قوة جسدك، نحتاج إلى رأسك وعقلك، وإذا به يصبح من كبار العلماء، ويرسل إليه هارون الرشيد في الحج أن أتوني بعطاء ليفتيني، فرد عليهم عطاء، قال للخليفة: "العلم يؤتى ولا يأتي" فيأتي الخليفة ويمسك مع الناس في الصف، حتى يصل إليه ليستفتيه، ثم يخرج الخليفة وهو يقول لأولاده، الأمين والمأمون: "اطلبا العلم، فو الله ما رأيت نفسي في موطن أذل مني كما كنت بين يدي هذا العبد".

 

إذا كان ولدك مصابا بأي نوع من أنواع الإصابة احرص على أن تنمي فيه القدرات، من أي مجال من المجالات، بحسب ميوله الذي يميل إليها، ويجب الحرص على العلاج، فما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، والله إن التوحد له علاج ومتلازمة داون والفصام، وغير ذلك من الأمراض، كل ذلك له علاج: "ما أنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ داءً إلا أنزلَ لهُ دواءً، عَلِمَه مَنْ عَلِمَه وجَهِلَه مَن جَهِلَه" [الراوي: عبد الله بن مسعود المحدث: أحمد شاكر – المصدر: مسند أحمد -خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح].

 

احرص إذا كان هناك علاج يخفف أو يعين على توقف تطورها، احرص على أن تتعامل مع هذا الولد كما تتعامل مع ولدك الصحيح، والحرص على علاجه.

 

ومهما اشتد بلاؤك فاحرص على الإحسان إليه؛ دخلت مرة إلى أحد المراكز المعتنية بالتوحد، وهي جمعية خيريه صغيرة، تعتمد على نفقات المحسنين، ولا تستطيع أن تستقبل أكثر من 20 أو ما قرب من ذلك العدد، وإذا مجموعة من الأطفال، وإذا أحدهم جالس هكذا، ويضرب بيديه على فخذه؛ لئن التوحد يجعله مفرطا في الحركة، فيضرب بيديه على فخذيه، ويحرك يديه ورجليه، فجئت إليه ووضعت يدي عليه، وسألت عن اسمه، ثم قام وأخذ يلمس وجهي حتى أسقط غترتي، وإذا الولد مصاب التوحد، وأعمى لا يبصر، وهو مصاب بالتوحد، وعمره لا يتجاوز 8 سنوات.

 

الوقوف مع هؤلاء والحرص على علاجهم، واستثمار القدرات الباقية عندهم، وإشعارهم أنهم مهمون في المجتمع، لا يقال: هذا معاق لا يدخل علينا في الوليمة التي أعددناها .. معاق ما فيه داعي أن يخرج معنا للنزهة .. معاق لا يخرج إلى السوق.. معاق لا يصلي الجمعة! لا يجوز..

 

مادام يستطيع وعاقل ويفهم ويدرك ولو شيئا يسيرا أعنه على أن يتطور ولا تزد الطينة بلة, يحترم يخرج به إلى الصلاة وتحسن نفسيته.

 

ويعجبني والله عدد من الإخوة عنده أولاد عندهم نوع من الإعاقة الذهنية عنده قليل من إدراكه، نقص في الإدراك ووالله لا أعلم أنه حضر وليمة معي مع أصدقاءنا إلا وولده معه، عمره 16 سنة، ولا أعلم أني جئت إلى بيته إلا جاء الولد وجلس معنا، وصحيح ربما يصدر منه بعض الحركات المؤذية، لكن الأب يضبطه، ونحن تعودنا عليه، وأصبحنا نجامله ونتلطف معه، والولد يتحسن مع هذا التعامل، أما لو قال الأب: أنا لا آخذه معي في كل موطن، ولا أريد أن هذا الولد أن يسبب لي إزعاجا، فخذه واحتسب الأجر، ربما أن باب دخولك إلى الجنة هو هذا الولد.

 

كذلك من الأمور أن يستفيد الناس بعضهم من بعض، من عنده طفل توحدي، من عنده طفل مصاب بأي مرض يستفيد من الآخرين، استفيد من لقائهم، يشترك في الجمعيات المتخصصة، يدخل إلى الشبكة العنكبوتية التي يلتقون فيها، ويتلاقحون فيها الأفكار، ويستفيد بعضهم من بعض.

 

كذلك أن تحرص الأم والأب على تطوير معلوماتهم، للتعامل مع هؤلاء لا يعتمد فقط على أحاسيسه ومشاعره، ادخل يا أخي إلى الشبكة العنكبوتية، واقرأ الكتب، واحضروا الدورات، كيف تتعامل مع ابنك المصاب، أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، كيف تتعامل معه؟ كيف تطوره؟ ما هي نفسيته؟ كيف تتصرف لما يغضب؟ كيف تتصرف لما يحزن؟ كيف تتصرف لما يطلب شيئا وأنت لا تفهم مراده؟ هناك بحوث عميقة في مثل ذلك، وخبرات ينبغي على الآباء والأمهات أن يطوروا أنفسهم في مثل ذلك، وكذلك أن يحتسب الأب كل درهم ينفقه في ذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام، قال: "دينار تنفقه في سبيل الله ودينار تتصدق به على مسكين ودينار تنفقه على عيالك خيرها وأحبها إلى الله الدينار الذي تنفقه على عيالك".

 

احتسب وأنت تشتري الدواء، احتسب وأنت في العلاج الطبيعي، احتسب وأنت تشتري الجهاز الذي يسير عليه، وتعلم كيف تدعو الله جل وعلا له، وأن تكون واثقا مطمئن النفس أن الله تعالى يسوق إليك الخير بسبب هذا الولد.

 

اسأل الله تعالى أن يشفي جميع مرضانا، اسأل الله تعالى أن يشفي جميع مرضانا، اسأل الله تعالى أن يشفي جميع مرضانا، وأن يقر أعيننا بذرياتنا.

 

أقول ما تسمعون واستغفر الله الجليل العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخلَّانِه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

أيها الأخوة الكرام: إن الكلام عن الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، لا يعني أننا نهمل من هو كبير في ذلك، من هو أكبر، وتقدم به السن، له حق علينا، في العناية به، والإحسان إليه، والوقوف معه، والتعبد والتقرب إلى الله تعالى بالتعامل الحسن معه، فهؤلاء لهم حق، فلعل الله تعالى أن ييسر لهم مقاماً آخراً، نتكلم عنه بالتفصيل.

 

اسأل الله تعالى أن يشفي مرضانا، اسأل الله تعالى أن يشفي مرضانا، وأن يقر أعيننا بذرياتنا.

 

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين.

 

اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء، والحشر مع الأتقياء ومرافقة الأنبياء، ونعوذ بك ربنا من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.

 

اللهم إِني أعوذُ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتِك، وفُجاءةِ نقمتك، وجمع سخطك.

 

 

 

 

الملفات المرفقة
طفل التوحد
عدد التحميل 1065
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات