معايير الأخوة الحقيقية بين المسلمين
يحيى الشيخي
الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، نحمده سبحانه على نعمه الظاهرة والباطنة، ونشكره على فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجي قائلها يوم يلقى ربه، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه، إمام المتقين، وقائد الغرّ المحجّلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن تقوى الله هي الزاد، وهي العاصم، وهي النجاة،
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾.
عباد الله، كثيرٌ من الناس إذا ذُكرت الأخوّة، انصرف ذهنه مباشرة إلى أخوّة الدم، وأخوّة النسب، وكأنها الضمان الوحيد، وكأنها الحصن المنيع!
لكن الواقع – عباد الله – يخالف ذلك؛
فكم من أخٍ من النسب خذل،
وكم من قريبٍ باع،
وكم من رحمٍ قُطعت عند أول اختبار!
فأيُّ أخوّةٍ نبحث عنها؟
وأيُّ أخوّةٍ نحتاجها إذا ضاقت الصدور، واشتدت الكروب، وادلهمّت الخطوب؟
يجيب عن هذا السؤال رسولُ الله ﷺ، جوابًا شافيًا كافيًا، فيقول:
«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلِمه».
أخوّةٌ ليست شعارًا يُرفع، ولا كلمةً تُقال، بل عملٌ ونصرة، ووفاءٌ وثبات. المسلم أخو المسلم: لا يظلمه في مال، ولا يطعن في عرض،
ولا يسفك دمًا، ولا يتركه فريسةً للظالمين. ثم اسمعوا – عباد الله – لهذه البشارة العظيمة التي تهز القلوب: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته». أي: أنَّ مَن سَعَى في قَضاءِ حاجةِ أخيه المسلمِ، أعانَهُ اللهُ تعالَى وسَهَّل عليه قَضاءَ حاجتِه لأنه وقف مع أخيه، وسعى في نصرته!
عباد الله، يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتعهد عجوزًا كبيرةً عمياءَ في بعض نواحي المدينة بالليل، فيسقي لها ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة؛ كيلا يُسبق إليها، فرصده عمر، فإذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي يأتيها وهو يومئذ خليفة؛ الله أكبرهذا سباق الصالحين على الخير. (تاريخ الخلفاء؛ للسيوطي، ص 75).. فالله الله يا عباد الله في تفريج الكرب، فإنها تجارةٌ رابحة، وأرباحها يوم لا ينفع مال ولا بنون. ثم قال ﷺ:
«ومن فرّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». وكرب يوم القيامة – عباد الله – ليست ككرب الدنيا، كربٌ تشيب له الولدان، وتضع فيه الحوامل حملها، ويفرّ فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه! فمن أراد الفرج هناك، فليفرّج هنا. ثم قال ﷺ: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة». الستر عبادة، الستر خلق الكبار، الستر دليل سلامة الصدر ونقاء القلب. لكن انتبهوا عباد الله: الستر على صاحب الزلّة رحمة، أما الستر على المفسد المعتدي فخيانة. فاتقوا الله في أعراض المسلمين، واتقوا الله في أسرارهم، وخاصةً من اؤتمن على العورات والعيوب؛ من طبيب، أو مغسّل أموات، أو صاحب مسؤولية. عباد الله، نحن اليوم أحوج ما نكون إلى أخوّة الإيمان، أخوّةٍ تُنصر ولا تُباع، وتُصان ولا تُخان، وتثبت عند الشدائد. ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ فكونوا كما أراد الله، لا كما أرادت الأهواء.
أقول ماتسمعون واستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ مِعْيَارَ صِدْقِ الأُخُوَّةِ لَيْسَ دَعْوَى تُقَالُ، وَلَا مُجَامَلَةً تُظْهِرُهَا الأَلْسُنُ، بَلْ مَوَاقِفُ صِدْقٍ تُثْبِتُهَا الأَعْمَالُ:
هَلْ نُحِبُّ لِإِخْوَانِنَا مَا نُحِبُّ لِأَنْفُسِنَا؟
هَلْ نَسْتُرُ عُيُوبَهُمْ؟
هَلْ نَدْفَعُ عَنْهُمْ الغِيبَةَ وَالْبُهْتَانَ؟
هَلْ نُسَارِعُ لِمُسَاعَدَتِهِمْ عِنْدَ الحَاجَةِ؟
وقدْ قالَ ﷺ:
«مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ، ذَبَّ اللَّهُ عَنْ عِرْضِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَتَآخَوْا فِي اللَّهِ صِدْقًا، وَكُونُوا لِإِخْوَانِكُمْ عَوْنًا وَسَنَدًا.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
كتبها: يحيى بن إبراهيم الشيخي.
المرفقات
1767342432_الاخوة.docx