قِـــصَّـــةُ الصَّــفْـــحِ الجَــمِــيْــــلِ
راشد بن عبد الرحمن البداح
الحمدُ للهِ يُقدِّرُ الآجالَ، ويُعقِبُ أجيالاً بأجيالٍ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وهو شديدُ المحالِ، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه حلَ في هذهِ الدنيا ثم آذَنَ بارتحالٍ، ولو قُدرَ لأحدٍ الخلودُ فيها لكانَ المصطفَى حياً مخلداً، فاللهم صلِّ وسلِمْ على الأشرفِ مَحلاً ومَحْتِدًا. أما بعدُ: فاتقوا اللهَ؛ فتقواهُ خيرُ زادٍ ليومِ المعادِ.
يا للهِ العجبُ هلْ تتصورُ أن رجلاً يكونُ لكَ عَدُوًا لَدُودًا، ثم ينقلبُ صديقًا وَدُودًا، فما الذي قلَبَ قَلْبَه؟ إنها الأخلاقُ العظيمةُ التي يجعلُها اللهُ في قلوبِ العظماءِ.
وإليكَ شاهدًا لقصةٍ عظيمةٍ، بَطَلُها رجلٌ عظيمٌ، وصفَهُ ربُّنا العظيمُ فقالَ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. إنهُ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
فهذا (أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْهُمَا حَلِيمَةُ، ، وكانَ وَجْهُهُ يُشْبِهُ وَجْهَ رَسُول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. ومعَ كلِ هذهِ الأوَاصرِ إلا أنهُ عَامَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمُعَامَلَاتٍ قَبِيحَةٍ، وَهَجَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، ونبيُّك يَحْلُمُ ويصبِرُ عليهِ، بل يُراعِيهِ، وَقَدْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَهْجُوَهُ فَلَا يَأْذَنُ لَهُ)([1]). (ثم قَالَ: «كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟» قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ)([2]). فأَذِنَ لهُ، فَقَالَ حَسَّانُ:
أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً، فَقَدْ بَرِحَ الخَفَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
وتمضي ثمانُ سنواتٍ، والصبرُ الجميلُ هوَ سجيةُ ذيِ الخُلُقِ العظيمِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- و(يَمْضِيْ هوَ وَأَصْحَابُهُ عَامَ الْفَتْحِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فيمتَلِئُ أبو سفيانَ رُعِبًا، فيُسرِعُ فزِعًا ليَلقَى رَسُولَ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَالْتَمَسَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ عَمِّكَ، فَقَالَ: « أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ» فاغتمَّ أبوُ سُفْيَانَ، وكانَ مَعَهُ ابْنٌ لَهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيَأَذْنَنَّ أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ ابْنِي هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا أَوْ جُوعًا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النبيُ الرحيمُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَقَّ لَهُ، فَأدَخَلَهُ عَلَيْهِ فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ مُعْتَذِرًا فَقَالَ:
............................... فَهَذَا أَوَانُ الْحَقِّ أَهْدِي وَأَهْتَدِي
هَدَانِيَ هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَدَلَّنِي ... عَلَى الْحَقِّ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ
فضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي صَدْرِهِ مُعاتِبًا، فَقَالَ: أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدِ)([3]).
فَخَرَجَ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي سُفْيَانَ: ارجِعْ وائْتِهِ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْ لَهُ مَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} فَإِنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْهُ فِعْلًا وَلَا قَوْلًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَيَرُدُّ عَلَيْهِ نبيُّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
(ثمَّ يقولُ لهُ: وَيْحَكَ يَا أبا سفيان أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ " قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ..)([4]).
فشرحَ اللهُ صدرَ أبي سُفيانَ للإسلامِ، وفرِحَ نبيُّك بذلكَ فَرَحًا شدِيدًا، وَقَرَّبَهُ، وأَحَبَّهُ. (وقالَ لهُ: أَبُو سُفْيَانَ أَخِي، وَخَيْرُ أَهْلِي)([5]).
ومِنْ بعدِ ذَلكَ التعامُلِ النبويِ العظِيمِ صَارَ أَبُو سُفْيَانَ يَستَحِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِنَّهُ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مُنْذُ أَسْلَمَ؛ حَيَاءً مِنْهُ([6]).
الحمدُ للهِ وحدَه، والصلاةُ والسلامُ على مَن لا نبيَ بعدَه، وبعدُ:
فلمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مكةَ فاتِحًا قَالَ له عمُّهُ العباسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أبا سفيان رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ " «مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سفيان فَهُوَ آمِنٌ» ".
أرأيتَ كيفَ أغرَقَه بالإكرامُ، وقابَلَ العِداءَ بالإخاءِ؟!.
(وبعدَ أيامٍ من إسلامِهِ يَشْهَدُ أَبُو سُفْيَان حُنَينًا، وَكَانَ ممن ثَبَتَ ولم يَفِرَّ يومئذٍ، ولم تُفَارِقْ يدُهُ لِجَامَ بَغْلَةِ رَسُول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حُبًا وحمايةً لهذا النبيِ الكريمِ)([7]).
والخلاصةُ من هذهِ القصةِ أن نقتديَ بأخلاقِ ذيْ الخُلُقِ العظيمِ، بمقابلةِ الإساءةِ بالإحسانِ، بالصبرِ الجميلِ، وبالصفحِ الجميلِ.
o فاللهم إنا آمنا بنبيِك صلى الله عليه وسلم واحببناهُ واتبعناهُ وما رأيناهُ اللهم فلا تحرمنا رؤيتَه يومَ القيامةِ.
o اللَّهُمَّ صُبَّ عَليْنا الخَيْر صَبَّا صَبَّا، ولا تَجْعَل عَيْشَنَا كَدَّا.
o اللهم مَن أرادَنا أو أرادَ بلادَنا ومقدساتِنا وحرماتِنا بسوءٍ فأشغلْه بنفسِه، ورُدَّ كيدَه في نحرِهِ.
o اللهم آمِنَّا في أوطانِنا ودورنِا، وأصلح أئمتَنا وولاةَ أمورنِا، وافرج لهم في المضائق, واكشف لهم وجوهَ الحقائق.
o اللهم احفظ وسدد جنودَنا في حدودِنا.
o اللهم أصلح أحوالَ المسلمين في كل مكان, واهد ضالَهم, واكْسُ عاريَهم, واحمل حافيَهم, وأطعم جائَعهم.
o اللهم يا ذا النعمِ التي لا تُحصَى عددًا نسألكَ أن تصليَ وتسلمَ على محمدٍ أبدًا.
([1]) بتصرف من المستدرك على الصحيحين للحاكم (4359)
([2])صحيح مسلم (2489)
([3])المستدرك على الصحيحين للحاكم (4359) وقال الذهبي: على شرط مسلم.
([4])المعجم الكبير للطبراني (7264)
([5])الطبقات الكبرى ط العلمية (4/ 39)
([6])الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1674) وعنه ابن القيم في: زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 353)
([7])الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1676)
المرفقات
1637851024_قصة الصفح الجميل.docx
1637851034_قصة الصفح الجميل.pdf
عبدالله حمود الحبيشي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشيخ راشد جزاك الله خيرا ونفع بك
هل يوجد لبس في الموضوع بين أبو سفيان بن حرب وأبو سفيان بن الحارث رضي الله عنهم أجمعين
في قصة فتح مكة
وهذا مقطع من فتوى للشيخ ابن باز رحمه الله
أبو سفيان ابن الحارث غير صخر بن حرب، صخر بن حرب هذا والد أم حبيبة زوجة النبي ﷺ، وهو الذي كان يقود الكفار يوم أحد ويوم الأحزاب، ثم أسلم وهداه الله والحمد لله، وأبو سفيان ابن الحارث ابن عم النبي ﷺ، فالحارث بن عبدالمطلب أخو عبدالله بن عبدالمطلب، وكان كافرًا ثم أسلم عام الفتح وحَسُن إسلامه.
تعديل التعليق