الحج وعشر ذي الحجة 25-11-1443

محمد آل مداوي
1443/11/24 - 2022/06/23 10:24AM

الحمدُ لله؛ جعَلَ بيتَهُ الحرام؛ مثَابةً للناسِ وأمْنًا، وأسبَغَ علينا نِعَمَهُ؛ فَضْلاً منه ومَنًّا، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريك له، الملكُ الحقُّ المبين، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صادقُ الوعدِ الأمين، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آل بيتِه الطيبين الطاهرين، وأصحابِهِ الغُرِّ الميامين، والتابعين ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.. أما بعدُ عبادَ الله: مَنْ لَزِمَ مَرَاضِيَ الله؛ فازَ برحمتِهِ ورِضَاه، وسَعِدَ في دُنياهُ وأُخْرَاه.. اتقوا اللهَ رحمكم الله؛ فإنَّ تقوى اللهِ خيرُ وصيةٍ تُوصَى، وأكرمُ زادٍ يُدَّخَر.. بتقوَى الله؛ تُجْلَبُ النِّعم، وتُدفَعُ النِّقم، وتَصْلُحُ الأعمال، وتُغفَرُ الخطايا والذنوبُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).

عبادَ الله: أَقْبَلَتْ نسَائمُ الحجّ، ودَنَتْ أيَّامُهُ المُبارَكة.. هَا هُم حُجَّاجُ بَيتِ الله، ومَنْ يَتهيَّؤونَ في بلادِهم للحجِّ، تَسْبِقُهم أشوَاقُهم، وتُسَابِقُهم أروَاحُهُم، وعَبَرَاتُهُم، نحوَ البيتِ العَتيق..

في مِثْلِ هذا اليوم؛ الخَامسِ والعِشرينَ مِنْ ذي القَعْدَة، خَرَجَ النبيُّ r بالنَّاسِ يومَ السبت، فأتى ذَا الحُلَيْفَة، وقد اجْتَمَعَ حولَهُ أكثرُ مِنْ مئةِ ألفِ حاجٍّ.

قال جابرُ t يَصِفُ لنا المشهدَ المهيبَ: (فصَلَّى رَسولُ اللهِ r في المسجِد، ثم رَكِبَ القَصْوَاء، حتى إذا استوَتْ به ناقتُه على البَيْدَاء، نَظَرْتُ إلى مَدِّ بصَري بينَ يدَيه مِنْ راكبٍ ومَاشٍ، وعن يمينه مِثلُ ذلك، وعن يسارِه مِثلُ ذلك، ومِن خَلفِه مثلُ ذلك، ورسولُ اللهِ r بين أَظْهُرِنا... الحديث) رواه مسلم.

تأمَّلوا رَحِمَكُمُ اللهُ هذا المَوكِبَ العظيم؛ كيفَ أظهَرَ اللهُ دِينَه، وأعزَّ جُندَه.. مِنْ: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ)، يومَ كانَ يَطُوفُ على القبَائِلِ قبلَ الهجرة، صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عليه، يقولُ لهم: (مَنْ يُؤوِيني حتى أُبلِّغَ رِسَالةَ ربِّي ولهُ الجنة؟!)..

وفي بِضْعِ سِنين؛ يَخرُجُ إلى بَلَدِهِ التي أُخرِجَ منها، ومَدُّ بَصَرِهِ مِنَ الرجال، يَحُوطونَهُ، ويَنصُرونَه، ويحتَفُّونَ برِكَابِه، وهكَذا نَصْرُ اللهِ لِعبَادِه: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ). و(مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا).

عبادَ الله: وبينَ يَدَيْ أيامِ الحج: أيَّامٌ عَظِيمَة، ومَوسِمٌ عَظِيمٌ مِنْ خَيرِ أيامِ الله، يَتَجَاوَزُ اللهُ فيهِ عَنِ الخَطايا، ويَغفِرُ فيهِ الذُّنوبَ، ويُقِيلُ فيهِ العثَرَات، ويَقبَلُ فيهِ الدَّعَوات، ويُغِيثُ فيهِ الَّلهَفَات، ويَقضِي فيهِ الحَاجَات؛ هيَ أيَّامُ عَشْرِ ذي الحِجَّة.. 

هي مَوسِمٌ للطاعاتِ والقُرُبات، ومِضمَارٌ للسَّابِقِينَ إلى الخَيرات، الاجتِهَادُ فيها أعظَمُ أجرًا، وأيامُها أرفَعُ قَدرًا، أقسَمَ اللهُ بها في كتابِهِ العزيز، فقالَ جلَّ شأنُه: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ). هيَ الأيَّامُ المعلُومَات التي ذَكرَها اللهُ تعالى في قَولِه: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ). ورُويَ عن النبيِّ r أنه قال: (أفضَلُ أيَّامِ الدُّنيَا: أيَّامُ العَشْر)، وقالَ عنها النبيُّ r: (ما مِنْ أيَّامٍ العمَلُ الصَّالِحُ فيها أحَبُّ إلى اللهِ مِنْ هذهِ الأيَّام)، قالوا: ولا الجِهادُ في سَبيلِ الله؟ قال: (ولا الجِهادُ في سَبيلِ الله، إلَّا رَجُلٌ خرَجَ بنَفسِهِ ومَالِهِ ثم لم يَرجِعْ مِنْ ذلك بشيء) أخرجه البخاري. وعِندَ الإمَامِ أحمد: (فأكثِرُوا فيهنَّ مِن التهليلِ والتكبيرِ والتحميدِ).

أيَّامٌ عَظِيمة؛ تُحيَى فيها السُّنَن، وتتنوَّعُ فيها العِبَادات، مَوسِمٌ للصَّالحين، لِتَزكِيَةِ النُّفُوس، وبَذْلِ المَعروف، والصِّلَةِ والإحسَان، وسُؤالِ اللهِ ودُعَائِه، وإنزَالِ الحوَائجِ كُلِّها بينَ يديهِ سُبحانَه. قالَ ابنُ حجر: (والذي يَظْهَرُ أنَّ السببَ في امتيازِ عَشرِ ذي الحجة؛ لمكَانِ اجتمَاعِ أُمَّهاتِ العِبَادةِ فيه، وهيَ: الصَّلاةُ والصِّيامُ والصَّدَقةُ والحَج، ولا يتَأتَّى ذلك في غَيرِه).

ألَا فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، أَروا اللهَ مِنْ أنفُسِكُم خيرًا، مِنْ كُلِّ أنواعِ العبادات؛ مِنْ صَلاةٍ وصِيَام، وصَدقَةٍ وقُرآن، وبِرٍّ وصِلَةٍ، وتَفريجٍ للكُرُبَات، وقضَاءٍ للحَاجَات، وسَائرِ أنوَاعِ الطاعات.. (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

بارك الله لنا في القرآنِ والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ، فاستغفِروه إنَّه كان غفَّارا

 

الخطبة اثانية 

 

الحمد للهِ ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ على الهادي الأمين، نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.. أما بعدُ عِبادَ الله:

فإنَّ مِنْ أفضَلِ أعمَالِ هَذهِ العَشر: حَجَّ بَيتِ اللهِ الحرَام، مَنْ أدَّاهُ بنيَّةٍ خَالِصَةٍ واتِّباعٍ صحيح، وفَازَ بالقَبول؛ فَهَنِيئًا له تكفِيرُ السيِّئات، ورِفعَةُ الدَّرَجَات، والفَوْزُ بالجنَّات؛ قالَ عليهِ الصَّلاة والسَّلام: (مَنْ حَجَّ فلَمْ يَرْفُثْ ولم يَفسُق؛ رجَعَ كيَومِ ولَدَتْهُ أمُّه) رواه البخاري.

وإنْ حَالَتِ الأعذَارُ بينَكَ وبينَ قَصْدِ البَيتِ ببَدَنِك؛ فإنَّهُ لا حَائِلَ بينَكَ وبينَ قَصْدِ اللهِ بقَلْبِك، فاقصِدْ إلى اللهِ بقَلْبِكَ ونِيَّتِك؛ فمَنَاطُ الأمرِ تقوَى القُلوب: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ).

ومَنْ نوَى الحجَّ وحُبِسَ عنه لِعُذرٍ؛ كُتِبَ لَهُ أَجرُه بفَضْلِ اللهِ وكَرَمِه، قالَ r: (إنَّ بالمدينَةِ أقوامًا ما سِرتُم مَسِيرًا ولا قَطَعتُمْ وَادِيًا إلَّا كانوا معَكُم)، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وهم بالمدينة؟ قال: (حَبَسَهُمُ العُذْر) رواه البخاري.. وربَّما سَبَقَ السَّائرُ بقَلْبِه السَّائرينَ بأبدانهم.

ألَا فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتعرَّضُوا لِنَفَحَاتِ ربِّكم، واسْتَقبِلوا عَشْرَكُم بالتوبةِ الصَّادقة، والأعمَالِ الصالحة، وأكْثِروا فيها مِنْ ذِكْرِ الله، والتَّكبيرِ والتَّحمِيد، والتَّسبيحِ والتَّهليل، واحذَروا ذَهَابَ الأيَّامِ في الَّلهوِ والغفلة؛ فمَواسِمُ الخيراتِ سَرِيعَةُ الانقِضَاء، ولا تَزولُ قَدَما عَبدٍ يومَ القيامة؛ حتى يُسْألَ عن عُمُرهِ فيما أفناه، ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ (ذَرَّةٍ خَيْرًا)؛ يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ (ذَرَّةٍ شَرًّا)؛ يَرَهُ.

ثم اعلَمُوا رحمكم الله؛ أنَّ اللهَ أمرَكُم بأَمرٍ كريمٍ ابتدأ فيهِ بنَفسِهِ فقالَ عزَّ مِنْ قائلٍ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللهم صلِّ وسلِّم وبَارِك عليه، وعلى آلِ بيتِه الطيبينَ الطاهرين، وعلى أزواجِه أُمَّهاتِ المؤمنين، وارضَ اللهمَّ عن الخُلفاءِ الراشدين، وعن الصحابةِ أجمعين، والتابعينَ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأَذِلَّ الشركَ والمشركين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعل هذا البلدَ آمِنًا مطمئنًا رخاءً سخاءً وسائرَ بلاد المسلمين.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لِمَا تحب وترضى، وخذ به للبر والتقوى، اللهم وَفِّقْه ووليَّ عهده لِمَا فيه صلاح العباد والبلاد.. اللهم وفِّق جميعَ ولاةِ أمور المسلمين لِمَا تحبه وترضاه، يا رب العالمين.

اللهم انصر جنودَنا المرابطين، اللهم انصرهم على عدوِّك وعدوِّهم، يا قويُّ يا عزيز.

اللهم فرِّجْ همَّ المهمومين، ونفِّسْ كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْنَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

المرفقات

1655979888_الحج وعشر ذي الحجة.docx

1655979888_الحج وعشر ذي الحجة.pdf

1655979888_الحج وعشر ذي الحجه نسخه للجوال.pdf

المشاهدات 719 | التعليقات 0