يهب لمن يشاء إناثًا

إبراهيم بن صالح العجلان

2010-10-10 - 1431/11/02
عناصر الخطبة
1/ واقع المرأة في الجاهلية الأولى 2/ إبطال الإسلام لمفهوم المرأة في الجاهلية 3/ فضل تربية البنات في الإسلام 4/ حق البنات على الآباء 5/ التحذير من التفرقة بين الأولاد والبنات 6/ ضرورة اهتمام الآباء بالاستماع إلى بناتهم

اقتباس

ولعِظَم مكانة البنت، ومنزلتها السامية، وبَرَكتها المتعدية؛ ذَكَرها المولى -عزَّ وجلَّ- في معرِض الامتنان على عباده، ونَعَتها بالهِبة؛ قال سبحانه: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ). قال بعض السلف: "البُنوة نِعمة، والبنات حسنات، والله يُحاسب على النِّعمة، ويُجازي على الحسنات".

 

 

 

 

عِبَادَ اللَّهِ: هَا هُوَ الزَّوْجُ، يَعِيشُ لَحَظَاتٍ مُتَوَتِّرَةً، يَذْهَبُ وَيَجِيءُ، يَقُومُ وَيَقْعُدُ، مُضْطَرِبَ الْحَالِ، مُتَلَهِّفَ الْفُؤَادِ، يَنْتَظِرُ خَبَرَ زَوْجَتِهِ الَّتِي ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، وَيَتَحَيَّنُ عِنْدَهَا بُشْرَى تُزَفُّ إِلَيْهِ، أَوْ هَمْسَةُ عَزَاءٍ تَسْعَى إِلَيْهِ، وَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، يَأْتِيهِ الْخَبَرُ أَنْ قَدْ رُزِقْتَ بِنْتًا، فَعَبَسَ وَبَسَرَ، تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَتَقَطَّبَ جَبِينُهُ، وَعَلَا مُحَيَّاهُ كَآبَةٌ سَوْدَاءُ، وَلَازَمَ مَخْبَرَهُ رُكَامٌ مِنَ الضِّيقِ وَالْأَسَى.

 

أَمَّا لَحْظَةُ تَفْكِيرِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَهُوَ أَمَامَ خِيَارَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، إِمَّا أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى هُونٍ، أَوْ يَدُسَّهَا فِي التُّرَابِ، أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ.

 

ذَلِكَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاقِعٌ مُظْلِمٌ مِنْ حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، الَّتِي كَانَتْ تَتَشَاءَمُ بِالْبِنْتِ، وَتَرَى أَنَّهَا عُنْوَانُ الْعَارِ، وَرَمْزُ التَّعْيِيرِ، وَكَانَ مِنْ مَأْثُورِ قَوْلِهِمْ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا إِذَا رُزِقَ أَحَدُهُمْ بِنْتًا: أَمَّنَكُمُ اللَّهُ عَارَهَا، وَكَفَاكُمْ مُؤْنَتَهَا، وَصَاهَرْتُمْ قَبْرَهَا!

 

بَلْ بَلَغَ مِنْ جَهْلِهِمْ وَجَهَالَتِهِمْ: أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَحْلِفُ عَلَى زَوْجِهِ أَنْ يُفَارِقَهَا إِذَا وَضَعَتْ لَهُ بِنْتًا، حَتَّى قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ تَشْتَكِي حَالَ زَوْجِهَا:

مَا لِأَبِي حَمْزَةَ لَا يَأْتِينَا *** يَظَلُّ فِي الْبَيْتِ الَّذِي يَلِينَا

غَضْبَانَ أَلَّا نَلِدَ الْبَنِينَـا *** تَاللَّهِ مَا ذَلِكَ فِي أَيْدِينَا

فَنَحْنُ كَالْأَرْضِ لِزَارِعِينَا *** نُنْبِتُ مَا قَدْ زَرَعُوهُ فِينَا

 

فَجَاءَ قَانُونُ الْإِسْلَامِ، وَجَاءَتْ شَرِيعَةُ السَّمَاءِ، فَرَفَعَتْ تِلْكَ الْبِنْتَ مِنْ قُمْقُمِ الذُّلِّ وَالْمَهَانَةِ، إِلَى قِمَمِ الْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ، وَجَعَلَ الْإِسْلَامُ لِلْبِنْتِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمِنَحِ، مَا تَمْتَدُّ نَحْوَهَا الْأَعْنَاقُ، وَتَهْفُو إِلَيْهَا الْقُلُوبُ وَالْأَشْوَاقُ.

 

فَيَا عَائِلًا لِلْبَنَاتِ: أَبْشِرْ بِحِجَابٍ مِنَ النَّارِ، وَاسْتَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ دَارِ أَهْلِ الْأَبْرَارِ، وَابْتَهِجْ بِصُحْبَةِ الْمُصْطَفَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ.

 

رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ" وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ، كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ"، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ يُؤْوِيهُنَّ، وَيَكْفِيهُنَّ، وَيَرْحَمُهُنَّ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَثِنْتَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: "وَثِنْتَيْنِ".

 

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ" وَضَمَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.

 

وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ".

 

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "بِشَيْءٍ مِنَ الْبَنَاتِ" يُفِيدُ بِعُمُومِهِ أَنَّ السِّتْرَ مِنَ النَّارِ يَحْصُلُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنَ الْبَنَاتِ.

 

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: وَلِعِظَمِ مَكَانَةِ الْبِنْتِ، وَمَنْزِلَتِهَا السَّامِيَةِ، وَبَرَكَتِهَا الْمُتَعَدِّيَةِ؛ ذَكَرَهَا الْمَوْلَى -عَزَّ وَجَلَّ- فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ عَلَى عِبَادِهِ، وَنَعَتَهَا بِالْهِبَةِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) [الشورى: 49].

 

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "الْبُنُوَّةُ نِعْمَةٌ، وَالْبَنَاتُ حَسَنَاتٌ، وَاللَّهُ يُحَاسِبُ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيُجَازِي عَلَى الْحَسَنَاتِ".

 

أَمَّا أَكْرَمُ الْخَلْقِ، وَخَيْرُ الرُّسُلِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَمَا عَاشَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ إِلَّا الْبَنَاتُ، فَكَانَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَبًا لِأَرْبَعِ بَنَاتٍ.

 

أَمَّا حَالُهُ مَعَ بَنَاتِهِ، وَإِكْرَامُهُ لَهُنَّ، وَعَطْفُهُ عَلَيْهِنَّ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِقَلْبٍ كَانَ يَتَدَفَّقُ رَحْمَةً وَمَحَبَّةً لِأَصْحَابِهِ، فَكَيْفَ بِنَسْلِهِ وَبُنَيَّاتِهِ؟!

 

لَقَدْ حَبَاهُنَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الرِّعَايَةِ أَعْظَمَهَا، وَكَسَاهُنَّ مِنَ الْعِنَايَةِ أَكْرَمَهَا، فَعِشْنَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ حَيِيَّاتٍ، هَادِيَاتٍ، تَائِبَاتٍ، عَابِدَاتٍ، مَهْدِيَّاتٍ.

 

تَرْوِي لَنَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- شَيْئًا مِنْ عَطْفِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَحُسْنِ تَعَامُلِهِ مَعَ إِحْدَى بُنَيَّاتِهِ، فَتَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلًّا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- كَانَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، قَامَ إِلَيْهَا، فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا مَجْلِسَهُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ، فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا.

 

زَوَّجَ النَّبِيُّ أَكْبَرَ بَنَاتِهِ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَسْلَمَتْ بِنْتُهُ زَيْنَبُ، وَبَقِيَ زَوْجُهَا عَلَى الشِّرْكِ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- تَطْمَعُ فِي إِسْلَامِ زَوْجِهَا، وَتُؤَمِّلُ ذَلِكَ، وَهَاجَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَقِيَتِ ابْنَتُهُ زَيْنَبُ مَعَ أَبِي الْعَاصِ فِي مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، أُسِرَ زَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ مَعَ مَنْ أُسِرَ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَسْرَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُطْلَقَ سَرَاحُ كُلِّ مَنْ فَدَاهُ أَقَارِبُهُ وَعَشِيرَتُهُ، فَرَقَّتْ زَيْنَبُ لِحَالِ زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ مَأْسُورًا، فَسَعَتْ إِلَى إِطْلَاقِهِ مَعَ مَنْ أُطْلِقَ مِنَ الْأَسْرَى، فَأَرْسَلَتْ زَيْنَبُ مَعَ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ أَخِي زَوْجِهَا قِلَادَةً لَهَا، هَذِهِ الْقِلَادَةُ يَعْرِفُهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَعْرِفُ مُهْدِيَتَهَا وَصَاحِبَتَهَا، وَالْمُنَاسَبَةَ الَّتِي أُهْدِيَتْ فِيهَا، إِنَّهَا الْقِلَادَةُ الَّتِي زَفَّتْهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- لِبِنْتِهَا زَيْنَبَ فِي لَيْلَةِ عُرْسِهَا، وَالَّتِي احْتَفَظَتْ بِهَا زَيْنَبُ، وَلَمْ تُفَرِّطْ فِيهَا؛ تَذْكَارًا لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ الَّتِي لَا تُنْسَى.

 

جَاءَ عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ، وَنَثَرَ قِلَادَةَ زَيْنَبَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ بَيْنَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِفِكَاكِ أَسِيرِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِهَذِهِ الْقِلَادَةِ، تَحَرَّكَ فِي كَوَامِنِهِ حَنَانُ الْأُبُوَّةِ، وَرَقَّ لِحَالِ ابْنَتِهِ رِقَّةً شَدِيدَةً، حَتَّى عَرَفَ الصَّحَابَةُ هَذَا التَّأَثُّرَ بَادِيًا عَلَى وَجْهِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ الْتَفَتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ مُشَاوِرًا لَهُمْ: "إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا أَسِيرَهَا، وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا" يَعْنِي: قِلَادَتَهَا الَّتِي أَرْسَلَتْ بِهَا. وَأَمَامَ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمُؤَثِّرِ، بَادَرَ الصَّحَابَةُ إِلَى فِكَاكِ أَبِي الْعَاصِ، وَرَدُّوا إِلَى زَيْنَبَ مَتَاعَهَا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَلِلْبَنَاتِ عَلَى آبَائِهِنَّ حَقٌّ مَعْلُومٌ، وَوَاجِبٌ مَحْتُومٌ، مَنْ فَرَّطَ فِي حَقِّهَا، فَقَدْ ظَلَمَ الْبِنْتَ، وَخَانَ الْأَمَانَةَ، وَفَرَّطَ فِي الْأَجْرِ الْكَبِيرِ الْوَارِدِ فِي فَضْلِ رِعَايَةِ الْبِنْتِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا.

 

إِنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى الْأَبِ تُجَاهَ بِنْتِهِ -عِبَادَ اللَّهِ- أَنْ يُرَبِّيَهَا عَلَى الصَّلَاحِ، وَيَغْرِسَ فِي قَلْبِهَا بَذْرَةَ التَّقْوَى، وَيُنَمِّيَ فِي شُعُورِهَا مَخَافَةَ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتَهُ، وَيُغَذِّيَ فِي وِجْدَانِهَا مَحَبَّةَ اللَّهِ وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالِاسْتِسْلَامَ لِأَوَامِرِهِمَا، مَعَ تَعْلِيمِهَا مُنْذُ صِغَرِهَا الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ، وَالْآدَابَ الْإِسْلَامِيَّةَ.

 

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: الْحَيَاءُ سِرُّ أُنُوثَةِ الْبِنْتِ، وَأَصْلٌ فِي فِطْرَتِهَا، فَاحْرِصْ -أَيُّهَا الْأَبُ الْمُبَارَكُ- عَلَى تَأْصِيلِ هَذَا الْخُلُقِ الْكَرِيمِ فِي نَفْسِ ابْنَتِكَ؛ لِيَكُونَ لِقَاحًا لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَهَالِكِ، فَإِنْ مَشَتْ فَعَلَى اسْتِحْيَاءٍ، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ فَعَلَى حَيَاءٍ، وَإِنْ عَمِلَتْ مَنَعَهَا الْحَيَاءُ عَنْ مُمَاسَّةِ مَوَاطِنِ الرِّجَالِ، وَصَدَقَ الْحَبِيبُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ .. وَالْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ".

 

أَيُّهَا الْأَبُ الْمُبَارَكُ: خِيَانَةٌ فِي حَقِّ الْبِنْتِ، وَغِشٌّ فِي تَرْبِيَتِهَا حِينَمَا تُسَهِّلُ لَهَا الْفَسَادَ وَالِانْحِرَافَ، وَتُشَرِّعُ أَمَامَهَا أَبْوَابَ الشَّرِّ، مِنْ خِلَالِ قَنَوَاتِ السُّوءِ، وَالْمَجَلَّاتِ الْخَلِيعَةِ، وَالْقِصَصِ الْغَرَامِيَّةِ، الَّتِي تُثِيرُ الشَّهَوَاتِ، وَتُؤَجِّجُ الْعَوَاطِفَ، وَتَقْتُلُ الْحَيَاءَ، وَتَنْخَرُ الْقِيَمَ، وَتُخَادِعُ الْعُقُولَ بِالْحُبِّ الْبَرِيءِ، وَالْعَلَاقَاتِ الْهَادِئَةِ مَعَ الْجِنْسِ الْآخَرِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي وَقَعَ فِي كَمَّاشَتِهَا بَعْضُ بَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّاتِي مَا عِشْنَ إِلَّا فِي بُيُوتٍ طَاهِرَةٍ، وَأُسَرٍ مُتَعَفِّفَةٍ.

 

أَيُّهَا الْأَبُ الْمُبَارَكُ: اعْلَمْ -وَفَّقَكَ اللَّهُ- أَنَّ مِلْءَ فَرَاغِ الْبِنْتِ ضَرُورَةٌ فِي هَذَا الْعَصْرِ، فَاحْرِصْ عَلَى مِلْءِ وَقْتِهَا بِالنَّافِعِ الْمُفِيدِ، مِنْ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتِهِ، وَالْقِرَاءَةِ النَّافِعَةِ، أَوْ إِشْغَالِهَا بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ، وَالْهِدَايَاتِ الْمُنَاسِبَةِ لِأُنُوثَتِهَا.

 

أَيُّهَا الْأَبُ الْمُبَارَكُ: بِنْتُكَ وَفِلْذَةُ كَبِدِكَ أَمَانَةٌ فِي عُنُقِكَ، وَسَعَادَتُهَا فِي الْحَيَاةِ، وَاسِتْقِرَارُ عَيْشِهَا مَنُوطٌ بِحُسْنِ اخْتِيَارِكَ لِزَوْجِهَا، فَاحْرِصْ -رَعَاكَ اللَّهُ- عَلَى أَنْ لَا تُسْلِمَ صَفِيَّتَكَ إِلَّا لِمَنْ تَرْضَى دِينَهُ وَخُلُقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَسِيرَتَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ يَقُولُ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ، فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

 

مَا أَحْسَنَ -وَايْمُ اللَّهِ- مَنْ تَاجَرَ بِمَهْرِ ابْنَتِهِ، وَجَعَلَهَا سِلْعَةً وَقَنْطَرَةً لَهُ نَحْوَ الثَّرَاءِ.

 

وَمَا أَحْسَنَ إِلَى ابْنَتِهِ أَيْضًا مَنْ تَرَكَهَا خَرَّاجَةً وَلَّاجَةً، لَا يَسْأَلُ عَنْ ذَهَابِهَا وَمَجِيئِهَا.

 

وَلَا أَحْسَنَ أَيْضًا مَنْ تَغَافَلَ عَنْ حِجَابِ ابْنَتِهِ، وَتَعَامَى عَنْ لِبَاسِهَا، وَكَأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَعْنِيهِ، وَكَأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِعِفَّةٍ، وَطَهَارَةٍ، وَخُلُقٍ، وَحَيَاءٍ، وَدِينٍ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: 6] قَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ".

 

أَيُّهَا الْأَبُ الْمُبَارَكُ: حَذَارِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ! أَوْ تَمْيِيزِ بَعْضِ الْإِنَاثِ عَلَى بَعْضٍ، فَهَذَا جَوْرٌ بَيِّنٌ، حَذَّرَ مِنْهُ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَوْلِهِ: "اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ".

 

وَقَالَ لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُ الشَّهَادَةَ عَلَى أُعْطِيَةٍ خَصَّ بِهَا بَعْضَ وَلَدِهِ: "أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" وَفِي لَفْظٍ قَالَ: "لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ" وَالْجَوْرُ ظُلُمَاتٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْجَوْرُ مَقْرُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِالْفَوَاحِشِ وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 33].

 

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِهَدْيِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ:

 

فَيَا أَيُّهَا الْأَبُ الْمُبَارَكُ: اعْلَمْ -وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِطَاعَتِهِ- أَنَّ مِنْ حُسْنِ رِعَايَةِ الْبِنْتِ وَجَمِيلِ تَرْبِيَتِهَا: الْجُلُوسَ مَعَهَا، وَالتَّبَسُّمَ لَهَا، وَالْحَدِيثَ إِلَيْهَا.

 

كُنْ -أَيُّهَا الْأَبُ الْمُبَارَكُ- قَرِيبًا مِنِ ابْنَتِكَ، تَسْمَعُ شِكَايَتَهَا، وَتَتَلَمَّسُ حَاجَاتِهَا، وَتُنْصِتُ لِهُمُومِهَا، وَتُنَمِّي اهْتِمَامَاتِهَا، مَعَ غَضِّ الطَّرْفِ عَنْ عَثَرَاتِهَا وَزَلَّاتِهَا، حَتَّى تَشْعُرَ الْبِنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَمَانِ الْقَلْبِيِّ، وَالِاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ مَعَ وَالِدِهَا، وَحَتَّى لَا تُحْدِثَ فَجْوَةً وَاسِعَةً، وَهُوَّةً كَبِيرَةً بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا.

 

لِتَسْتَمِعْ مِنْكَ ابْنَتُكَ -أَيُّهَا الْأَبُ الْمُبَارَكُ- عِبَارَاتِ الْحَنَانِ، وَكَلِمَاتِ الْعَطْفِ، وَلُغَةَ اللِّينِ، كُنْ مُسْتَمِعًا جَيِّدًا لِحَدِيثِهَا، لَا تَمْنَعْهَا الْكَلَامَ، وَلَا تُصَادِرْ مِنْهَا حَقَّ الْحَدِيثِ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ الْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ فِي حَيَاتِهَا، فَلَا تَقْتُلْ هَذَا الْقُرْبَ مِنْكَ، وَالثِّقَةَ الْعَمْيَاءَ بِكَ، بِالْمَشَاعِرِ الْمَيِّتَةِ، وَاللُّغَةِ الصَّاخِبَةِ، وَالتَّعَامُلِ الْفَجِّ.

 

لَقَدْ جَفَا آبَاءٌ تُجَاهَ بَنَاتِهِمْ، فَحَرَمُوهُمُ الْمَشَاعِرَ الْحَانِيَةَ، وَالْأَحَاسِيسَ الدَّافِئَةَ، فَكَانَتْ نَتِيجَتُهَا أَنْ تَلَقَّفَهُنَّ ذِئَابٌ، أَوْقَعُوا فَرِيسَتَهُمْ بِمَعْسُولِ الْكَلَامِ، وَجِيَاشَةِ الْعَاطِفَةِ.

 

ثُمَّ لَا تَنْسَ بَعْدَ ذَلِكَ -أَخِي الْمُبَارَكَ- أَنْ تَرْفَعَ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ لِمَنْ رَزَقَكَ هَذِهِ الْهِبَةَ، أَنْ يُصْلِحَهَا فِي دِينِهَا وَدُنْيَاهَا، وَأَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهَا فِي دُنْيَاهَا وَأُخْرَاهَا، فَابْتِهَالُ الْأَبَوَيْنِ وَدُعَاؤُهُمَا لِأَوْلَادِهِمَا مِنْ أَسْبَابِ قَبُولِ الدُّعَاءِ، كَمَا صَحَّ بِذَلِكَ الْخَبَرُ عَنِ سَيِّدِ الْبَشَرِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهِيَ صِفَةٌ لِعِبَادِ الرَّحْمَنِ الصَّالِحِينَ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74].

 

أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، وَالنِّعْمَةِ الْمُسْدَاةِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ تَعَالَى فَقَالَ -جَلَّ فِي عُلَاهُ-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

 

 

 

المرفقات

لمن يشاء إناثًا1

لمن يشاء إناثًا - مشكولة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات