وما هي من الظالمين ببعيد

هلال الهاجري

2014-11-20 - 1436/01/27
عناصر الخطبة
1/ زمان انتكستْ فيه بَعضُ الفِطَرِ 2/ تأملات في قصة نبيِّ اللهِ لوطٍ -عليه السَّلامُ- وقومِه 3/ بشاعة جريمة قومِ لوطٍ 4/ عقوبات قوم لوط 5/ تذهب اللذات وتبقى الحسرات 6/ عقوبة اللواط.

اقتباس

لقد ذهب قومُ لوطٍ .. أَخَذَهُمْ رَبُّهُم عَلَى غِرَّةٍ وَهُمْ نَائِمُونَ، وَجَاءَهُمْ بَأْسُهُ وَهُمْ فِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَقُلِبَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ آلَامًا، فَأَصْبَحُوا بِهَا يُعَذَّبُونَ.. ذَهَبَتِ اللَّذَّاتُ، وَأَعْقَبَتِ الْحَسَرَاتِ، وَانْقَضَتِ الشَّهَوَاتُ، وَأَوْرَثَتِ الشِّقْوَاتِ، تَمَتَّعُوا قَلِيلًا، وَعُذِّبُوا طَوِيلًا، رَتَعُوا مَرْتَعًا وَخِيمًا، فَأَعْقَبَهُمْ أَلِيمًا، أَسْكَرَتْهُمْ خَمْرَةُ تِلْكَ الشَّهَوَاتِ، فَمَا اسْتَفَاقُوا مِنْهَا إِلَّا فِي دِيَارِ الْمُعَذَّبِينَ، وَأَرْقَدَتْهُمْ تِلْكَ الْغَفْلَاتُ، فَمَا اسْتَيْقَظُوا مِنْهَا إِلَّا وَهُمْ فِي مَنَازِلِ الْهَالِكِينَ، فَنَدِمُوا وَاللَّهِ أَشَدَّ النَّدَامَةِ حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَبَكَوْا عَلَى مَا أَسْلَفُوهُ بَدَلَ الدُّمُوعِ بِالدَّمِ، فَلَوْ رَأَيْتَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ..

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ ذي الجلالِ الأكبرِ، عزَّ في علاهِ فغلبَ وقهرَ، أحصى قَطرَ المطرِ، وأوراقَ الشَّجرِ، وما في الأرحامِ من أُنثى وذَكرَ .. خالقِ الخَلقِ على أحسنِ الصُّورِ، ورازقُهم نباتاتٍ وحيواناتٍ وبَشرٍ، ومميتُهم على صِغَرٍ وشبابٍ وكِبَرٍ .. أحمدُه حمداً يوافي نِعمَه ما خَفيَ منها وما ظهرَ، ويكافئُ مزيدَ كرمِه العظيمِ الأوفرِ ..

 

وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادةَ من أنابَ وأبصرَ، وراقبَ ربَّه واستغفرَ، وأشهدُ أن سيَّدَنا ومولانا محمداً عبدُه ورسولُه، وحبيبُه وخليلُه، الطَّاهرَ المطهَّرَ، المُختارَ من سيِّدِ البَّشرِ صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وذويه، ما أقبلَ ليلٌ وأدبرَ، وأضاءَ صبحٌ وأسفرَ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً وأكثرَ.

 

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[لقمان: 33].

 

أما بعد: في هذا الزَّمانِ الذي انتكستْ فيه بَعضُ الفِطَرِ .. وأصبحَتْ الحيواناتُ البَهيمةُ خيراً من كثيرٍ من البَشرِ ..

 

وخرجتْ علينا مؤتمراتُ العالَمِ بقراراتٍ تُذهبُ ما بَقيَ مِن الصَبرِ .. بجوازِ نكاحِ المرأةِ للمرأةِ وزواجِ الذَّكرِ من الذَّكرِ .. نحتاجُ أن نرجعَ إلى كتابِ اللهِ -تعالى- لنرى ما فيه مِن العِبَرِ .. فلعلَّنا نجدُ فيه الذِّكرى والموعظةَ والمُزدَجرَ.

 

الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ الخليفةُ الأُمويُّ الذي امتدَّتْ في زمنِه حدودُ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ من المغربِ الأقصى وإسبانيا غرباً، وإلى بلادِ الهندِ وتركستانَ فأطرافِ الصِّينِ شرقاً، حتى أصبحتْ الدَّولةُ الأمويَّةُ أكبرَ إمبراطوريَّةٍ إسلاميَّةٍ عرفَها التَّاريخُ، وانفتحتْ البِلادُ على كلِّ الحضَاراتِ، وخالَطتْ كلَّ الثَّقافاتِ، وجاءَ النَّاسُ من كلِّ مكانٍ إليه في دمشقٍ عاصمةِ العلمِ والعُمرانِ، يقولُ -رحمَه اللهُ-: "لولا أنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- قصَّ علينا خبرَ قَومِ لوطٍ، ما ظننتُ أنَّ ذَكَراً يعلو ذَكَراً".

 

عبادَ اللهِ.. إنَّ الكلامَ عن نبيِّ اللهِ لوطٍ -عليه السَّلامُ- وقومِه .. هو الحديثُ عن معركةٍ مُستمرةٍ بين طَهارةِ الحقِّ ورِجسِ القَبيحاتِ.. وعن الصِّراعِ الدَّائمِ بينَ المُصلحينَ وأصحابِ الهوى والشَّهواتِ .. ففي الوقتِ الذي يبتدئ فيه جميعُ الرُّسلِ في سورةِ الأعرافِ بدعوةِ أقوامِهم بقولِهم: (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 59].. يذكرُ لنا -تعالى- بدايةَ دعوةِ لوطٍ لقومِه بقولِه: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ)[الأعراف: 80].

 

 فلا إلهَ إلا اللهُ .. ما هذه الجريمةُ العظيمةُ التي ابتدأَ بها لوطٌ دعوتَه؟ .. كأنها تساوي الشِّركَ في الخطرِ .. حتى الزِّنا لم يأتِ فيه مثلُ هذا، بل قالَ اللهُ -تعالى- فيه: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) [الإسراء: 32]، فهو فاحشةٌ من الفواحشِ، وأما في جريمةِ قومِ لوطٍ فعبَّرَ عنها بلفظِ (الْفَاحِشَةَ) بالألفِ واللَّامِ ليفيدَ أنها جمعتْ جميعَ أنواعِ الفُحشِ والدَّناءَةِ والقُبحِ والشَّناعةِ ..

 

والأسوأُ في ذلك وأعظمُ أنهم هم أولُ من اخترَعَها وسنَّها فيكونُ عليهم وِزرُها ووِزرُ من فعلَها إلى يومِ القيامِةِ .. ويُحشرونَ جميعاً في موقفِ الخزيِ والعارِ، فساءَ السَّلفُ وبئسَ الخلفُ .. فما هي هذه الفاحشةُ التي ذمَّهم بها ربُّ العالمينَ، وفُضِحوا بها إلى يومِ الدِّينِ؟

 

قالَ لهم: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) [الأعراف: 81].. إنها يا أهلَ الإيمانِ انتِكاسُ الفِطَرِ .. إنها مانعةُ الخيرِ والبركةِ والمطرِ .. إنها طريقُ الفسادِ والغِوايةِ والإجرامِ .. بسببِها انتَشرتْ الأمراضُ والأسقامُ .. يقولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا" .. ألا يخافُ صاحبُها من ربَّه الذي يراهُ؟! ألا يستحي من الملائكةِ التي معه؟! ألا يستترُ من جوارحِه التي ستشهدُ عليه؟! ألا يعلمُ أن الملائكةَ والأرضَ والجبالَ تدعو عليه؟!

 

يقولُ ابنُ القيِّمِ -رحمَه اللهُ-: "تَكَادُ الْأَرْضُ تَمِيدُ مِنْ جَوَانِبِهَا إِذَا عُمِلَتْ عَلَيْهَا، وَتَهْرُبُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِذَا شَاهَدُوهَا، خَشْيَةَ نُزُولِ الْعَذَابِ عَلَى أَهْلِهَا، فَيُصِيبُهُمْ مَعَهُمْ، وَتَعِجُّ الْأَرْضُ إِلَى رَبِّهَا -تَبَارَكَ وَتعالى-، وَتَكَادُ الْجِبَالُ تَزُولُ عَنْ أَمَاكِنِهَا".

 

وَثَبَتَ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ"، وَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ لَعْنَةُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَكَرَّرَ لَعْنَ اللُّوطِيَّةِ، وَأَكَّدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .. فأينَ يَذهبونَ إذا طُرِدوا من رحمةٍ وسعتْ كلَّ شيءٍ .. ومن يرحمُهم إذا خرجوا من رحمةِ الغفورِ الرحيمِ.

 

(وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)[الأعراف: 82].. فعجيبٌ أمر هؤلاءِ .. هل لوطٌ -عليه السَّلامُ- جاءَ بما يستوجبُ المَلامِ؟ .. أم أن هذه عادة من أدمنَ الفواحشَ والشُّذوذَ والآثامَ .. فإنه يرى الطَّهارةَ جريمةً يستحقُّ صاحبُها الإخراجَ .. (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)[الصافات: 161- 167].. فإما أن يشتركوا معهم في فواحشِهم الذَّميمةِ .. أو يخرجوا مطرودينَ من مسرحِ الجريمةِ!!

 

لقد صدقَ لوطٌ لقومِه النَّصيحةَ .. ودعاهم إلى تركِ الفواحشِ والمُنكراتِ .. وحذَّرَهم من عقابِ ربِّ الأرضِ والسمواتِ .. (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)[العنكبوت: 28- 29] .. فلمَّا كَثُرَ الفسادُ وعمَّ .. وانتشرَ المنكرُ وطمَّ .. (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) [العنكبوت: 30].

 

وهذه سنَّةُ اللهِ -تعالى- في كلِّ مُتَّكبرٍ جَحودٍ .. وفي كلِّ من جاءَه الحقُّ فقابلَه بالصُّدودِ ..( إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) [هود: 76] .. فأرسلَ اللهُ –سبحانَه- ملائكتَه تحقيقاً للوعودِ.

 

ولكنَّ العجبَ هو في استقبالِ لوطٍ -عليه السَّلامُ- للملائكةِ الكرامِ .. (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) [هود: 77].. يقولُ ابنُ كثيرٍ -رحمَه اللهُ-: "يُخْبِرُ -تعالى- عَنْ قُدُومِ رُسُلِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بَعْدَ مَا أَعْلَمُوا إِبْرَاهِيمَ بِإِهْلَاكِ اللَّهِ قَوْمَ لُوطٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَأَتَوْا لُوطًا -عليه السَّلامُ-، وَوَرَدُوا عَلَيْهِ –وهو لا يعرفُهم-وَهُمْ فِي أَجْمَلِ صُورَةٍ تَكُونُ  عَلَى هَيْئَةِ شُبَّانٍ حِسَانِ الْوُجُوهٍ ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ وَاخْتِبَارًا وَلَهُ الْحِكْمَةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ فَسَاءَهُ شَأْنُهُمْ وَضَاقَتْ نَفْسُهُ بِسَبَبِهِمْ، وَخَشِيَ إِنْ لَمْ يُضِفْهُمْ أَنْ يُضِيفَهُمْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَيَنَالُهُمْ بِسُوءٍ، وَقَالَ-في نفسِه- هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ".

 

فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِهِ فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا، فَقَالَتْ: إِنْ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ، وهذه هيَ خيانةُ امرأةِ لوطٍ كما في قولِه -تعالى-: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) [التحريم: 10] ..

 

قالَ ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهما-: "كَانَتْ خِيَانَتَهمَا أَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى غَيْرِ دِينِهمَا فَكَانَتْ اِمْرَأَةُ نُوحٍ تَطَّلِعُ عَلَى سِرِّ نُوحٍ، فَإِذَا آمَنَ مَعَ نُوحٍ أَحَدٌ أَخْبَرَتْ الْجَبَابِرَةَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ بِهِ، وَأَمَّا اِمْرَأَةُ لُوطٍ فَكَانَتْ إِذَا أَضَافَ لُوطٌ أَحَدًا أَخْبَرَتْ بِهِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ يَعْمَلُ السُّوءَ".

 

(وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)[هود: 78]، أَيْ: يُسْرِعُونَ وَيُهَرْوِلُونَ مِنْ فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ .. ولكم أن تتخيلوا شعورَ ذلك النَّبيِّ الكريمِ .. أمامَ أضيافٍ في بيتِه آمنينَ .. وقومٍ (فِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) .. لجريمةٍ تتَّقطعُ لها أفئدةُ الصَّالحينَ ..(وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ)[الحجر: 67].. فما كانَ منه إلا أن قالَ لهم: (قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ) .. (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ) [الحجر: 68- 70] .. أوما نهيناك أن تُضِيفَ أحداً؟ ..

 

فبحثَ عن عاقلٍ بينَهم بقولِه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ؟) [هود: 78].. فلما لم يجدْ أحداً فيه خيرٌ، شكا إلى اللهِ -تعالى-: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) [هود: 80].. فأخبروه بحقيقتِهم ليطمئنَ قلبُه: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)[هود: 81] .. فماذا حدثَ في الصُّبحِ؟

 

العذابُ الأولُ: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) [الحجر: 73].. ففي الوقتِ الذي كانوا ينتظرونَ فيه الشَّمسَ من المشرقِ ليَسعوا في نورِها .. وينعموا بدِفئها .. يأتيهم ذلك الصَّوتُ القاصفُ الذي يُقطِّعُ الأفئدةَ.

 

العذابُ الثَّاني: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)[هود: 82] .. قالَ أهلُ التَّفسيرِ: إنَّ جِبْرِيلَ -عليه السَّلامُ-، لَمَّا أَصْبَحَ نَشَرَ جَنَاحَهُ، فَانْتَسَفَ بِهِ أَرْضَهُمْ بِمَا فِيهَا مِنْ قُصُورِهَا وَدَوَابِّهَا وَحِجَارَتِهَا وَشَجَرِهَا، وَجَمِيعِ مَا فِيهَا، ثُمَّ صَعِدَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا نُبَاحَ كِلَابِهِمْ، وَأَصْوَاتَ دُيُوكِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَهَا، فَأَرْسَلَهَا إِلَى الْأَرْضِ مَنْكُوسَةً، وَدَمْدَمَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا.

 

العذابُ الثَّالُثُ: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ) [هود: 82].. حجارةٌ من طينٍ مٌتتابعةٌ .. لا تُصيبُ أحداً إلا أَهلَكتْه .. (مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ) [هود: 83] مكتوبٌ عليها أسماءُهم .. فهل رأيتُم عذابَ أمَّةٍ كعذابِ قومِ لوطٍ؟ .. ثم يقولُ الجبَّارُ سبحانَه مُنذِراً لأمثالِهم: (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود: 83].. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق: 37].

 

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ .. أقولُ هذا القولَ وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ جعلَ فيما قصَّ على عبادِه عبرةً لأولي الألبابِ، وحرَّمَ عليهم أسبابَ الذُّنوبِ والعقابِ .. أبانَ السَّبيلَ، وأقامَ الدَّليلَ، ليهلكَ من هلكَ عن بيِّنةٍ ويحيا من حييَ عن بيِّنةٍ وإنَّ اللهَ لسريعُ الحسابِ .. وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ خلقَ الخلقَ وهو ربٌّ الأربابِ، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه إلى يومِ الدِّينِ والمآبِ.

 

 أمَّا بعد: يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ -رحمَه اللهُ-: "وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" .. يقولُ: وَلِهَذَا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَتْلِهِمَا جَمِيعًا، لَكِنْ تَنَوَّعُوا فِي صِفَةِ الْقَتْلِ: فَبَعْضُهُمْ قَالَ: يُرْجَمُ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: يُرْمَى مِنْ أَعْلَى جِدَارٍ فِي الْقَرْيَةِ وَيُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: يُحَرَّقُ بِالنَّارِ، وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُمَا يُرْجَمَانِ بِكْرَيْنِ كَانَا أَوْ ثَيِّبَيْنِ، حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ مَمْلُوكَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَمْلُوكًا لِلْآخَرِ وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّهَا بِمَمْلُوكِ أَوْ غَيْرِ مَمْلُوكٍ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، وَكَذَلِكَ مُقَدِّمَاتُ الْفَاحِشَةِ عِنْدَ التَّلَذُّذِ بِقُبْلَةِ الْأَمْرَدِ وَلَمْسِهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِ هُوَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ".

 

أيها الشَّبابُ .. لقد ذهب قومُ لوطٍ .. أَخَذَهُمْ رَبُّهُم عَلَى غِرَّةٍ وَهُمْ نَائِمُونَ، وَجَاءَهُمْ بَأْسُهُ وَهُمْ فِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَقُلِبَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ آلَامًا، فَأَصْبَحُوا بِهَا يُعَذَّبُونَ.

 

ذَهَبَتِ اللَّذَّاتُ، وَأَعْقَبَتِ الْحَسَرَاتِ، وَانْقَضَتِ الشَّهَوَاتُ، وَأَوْرَثَتِ الشِّقْوَاتِ، تَمَتَّعُوا قَلِيلًا، وَعُذِّبُوا طَوِيلًا، رَتَعُوا مَرْتَعًا وَخِيمًا، فَأَعْقَبَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، أَسْكَرَتْهُمْ خَمْرَةُ تِلْكَ الشَّهَوَاتِ، فَمَا اسْتَفَاقُوا مِنْهَا إِلَّا فِي دِيَارِ الْمُعَذَّبِينَ، وَأَرْقَدَتْهُمْ تِلْكَ الْغَفْلَاتُ، فَمَا اسْتَيْقَظُوا مِنْهَا إِلَّا وَهُمْ فِي مَنَازِلِ الْهَالِكِينَ، فَنَدِمُوا وَاللَّهِ أَشَدَّ النَّدَامَةِ حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَبَكَوْا عَلَى مَا أَسْلَفُوهُ بَدَلَ الدُّمُوعِ بِالدَّمِ، فَلَوْ رَأَيْتَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَالنَّارُ تَخْرُجُ مِنْ مَنَافِذِ وُجُوهِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَهُمْ بَيْنَ أَطْبَاقِ الْجَحِيمِ، وَهُمْ يَشْرَبُونَ بَدَلَ لَذِيذِ الشَّرَابِ كُئُوسَ الْحَمِيمِ، وَيُقَالُ لَهُمْ وَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ: (ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)[الزمر: 24]، (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور: 16].

 

والحذرَ .. الحذرَ .. فَقَدْ قَرَّبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَسَافَةَ الْعَذَابِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَبَيْنَ إِخْوَانِهِمْ فِي الْعَمَلِ، فَقَالَ مُخَوِّفًا لَهُمْ أَنْ يَقَعَ الْوَعِيدُ: (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود: 83].

 

اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمِكَ مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ لَهَا، وَأَتِمِمْهَا عَلَيْنَا ..

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .. رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ .. ‏

 

اللهم ‏إنا ‏نَشكو ‏إليكَ ‏اليهودَ ‏فإنهم ‏لا‏يعجزونكَ ‏يا ‏جبَّارَ ‏السمواتِ ‏والأرضِ .. اللهم ‏وأنزلْ ‏عليهم ‏عاجلَ ‏نقمتِك ‏اليومَ ‏أوغداً ‏.. اللهم ‏أحزنْهم ‏كما ‏أحزنونا ‏وآسفْهم ‏كما ‏آسفونا .. ‏اللهم ‏اجعلْ ‏قنابلَهم ‏عليهم ‏دَمْدَماً ‏وعويلَ ‏نساءِهم ‏عليهم ‏هَمْهَماً .. ‏اللهم‏اجعلهم ‏عِبرةً ‏للمعتبرينَ .. أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

 

 

 

 

المرفقات

هي من الظالمين ببعيد1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات