ولكن .. أين من يبدأ الطريق .. لينفرجَ عن القادِمين المضيق؟!

رشيد بن إبراهيم بو عافية

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ طريق الحق محفوف بالمكاره 2/ أنواع الفتن والعوائق وطرق علاجها من خلال قصص الأنبياء في سورة العنكبوت 3/ سنة الله في التغيير والإصلاح 4/الأمة لم تتعلم بعد فقه التغيير المنشود 5/ من أين نبدأ؟

اقتباس

عجيبٌ –والله- سيرُ هذه الأمة؛ كلما طالت الآماد والنتائج تفسُدُ المقدمات والأعمالُ وتتعثر. وكلما طالت فترةُ جَنيِ الثّمار نَقْطَعُ الأصولَ والأشجار، لماذا؟! كلما طالت المراحلُ والصفحاتْ؛ تُرْمَى الأقلامْ، وتطيشُ الأحلامْ، لماذا؟! داءٌ عظيمٌ أصابَ الأمَّة في مراكزها العصبية، جعلها تتعثّر كلما أرادت النهوض والسير والحركة؛ لأنّها ...

 

 

 

 

الاستفتاح بما تيسّر.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة في الله: سورة عظيمة من السور المكّيّة في القرآن، هي سورة العنكبوت؛ فيها دروس عظيمة للمؤمنين الذين يعيشون ويموتون في سبيل الله جلّ جلاله.

 

حين تقرأ هذه السورة متدبِّرًا، وتعيشُ معها متأمِّلاً، تدرِكُ السِّرَّ في نزولها في الفترة المكية خاصَّة، فترةِ البناءِ القيمِيّ العقديِّ للأمَّة، وتدركُ السِّرَّ في تناسب آياتها، وارتباط فاتحتها بخاتمتها بما بين ذلك من المقاطع والآيات، لنا وقفةٌ مع هذا، ونسأل اللهَ العظيم التوفيق إلى ما يحبُّ ويرضَى.

 

فاتحةُ هذه السورة العظيمة بيانُ طبيعةِ طريقِ الإيمانِ والحقْ، وأنهُ طريقٌ محفوفٌ بالفتن، والامتحانات والمكاره، وأن هذا الطريق قديم عتيق، سار عليه الشرفاء في كل زمان ومكان، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال الله تعالى: (أَلَم * أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت:2-3].

 

ثم يأت بعد ذلك تفصيلُ أنواعٍ من الفتن، والعوائق متكرّرة، تعترض طريق الإيمان في كل زمان، ليستعدَّ لها المؤمن إن صادفته في الطريق، فَيُجَرِّدها من عامل الزمن والمشقة والألم، ويراها خيالاً مرَّ وانقضى.

 

ففي قصة نوحٍ عليه السلام تظهر فتنةٌ عظيمة في طريق السائِرين إلى الله عز وجل؛ إنها فتنَةُ طول الطريق، وضخامة الجهد، مع كثرة الإعراض، وضآلة الحصيلة، وما أثقلها وأشقّها على نفوس الدُّعاةِ معشر المؤمنين، ولكن إذا علم المؤمن أنها مرحلة من مراحل الطريق لا بُدّ منها، وقد مرَّ بها الشُّرفاءُ السابقون؛ قدَّمَ الأسباب والأتعاب، وانتظر الجزاء يوم الحساب.

 

وفي قصة إبراهيم عليه السلام تظهر بجَلاءٍ فتنةُ جحيمِ الاضطهاد بين القوم، والغربةِ النفسية والاجتماعية التي يجدُها المؤمنُ بين قومه، بل مع أقرب النّاس إليه.

 

فإبراهيم عليه السلام خالفه وهجره أبوه أقربَ الناس إليه، وهذه فتنة ما بعدها فتنة، وقال كلمة الحق لقومه يريدُ حياتَهم فقالوا: اقتلوه، أو حرِّقوه: (فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[العنكبوت:24].

 

وفي قصة لوط عليه السلام تظهر فتنةُ الحياة في جوٍّ الكلمةُ فيه للمنكرِ والفسادِ والرذيلة التي تستعلي بلا حياء أو تحرُّجْ.

 

وفي قصة شعيب عليه السلام تظهر فتنةُ الحياة في جوٍّ فسدت فيه العقود والمعاملات والأخلاق وتعفَّنت، قال الله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)[العنكبوت:36-37].

 

وفي قصة عادٍ وثمود تظهرُ فتنةُ التمرُّدِ على الحق، والبطرِ بالنعمة، والاعتزازِ بالقوة؛ قال الله تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينْ)[العنكبوت:38].

 

ثم قصة قارون وفرعون وهامان حيث تظهرُ فتنةُ الطغيانِ والاعتزازِ بقوة المال والجاه والسلطان؛ كما قال الله تعالى: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ)[العنكبوت:39].

 

أيها الإخوة في الله: انظروا حفِظكم اللهُ كم أخذت تلك الفتن والعوائق من الزمنِ في الحياة؟! كم كان امتدادها في طول الزمان وعرضِه؟!

 

ثم انظروا أين جميعُ تلك الفتن والعقبات، وأين أصحابها، وأين الدعاة؟!

 

سبحان الله؛ ختم اللهُ مسيرةَ جميعِ تلك الفتن والعوائق في الحياة بِبَيانِ حالها ومآلها، رغم طولِ السنينِ، واشتدادِ الأنينْ، فقال سبحانه: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم * وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)[العنكبوت:40-43].

 

ثم ختم الله سبحانه هذه السورة المكيةَ العظيمةَ بدرسٍ للمؤمنينَ السائرينَ في ظُلُمَاتِ ليلِ الغُرْبَة، على الدربِ نفسِه، والعقباتِ نفسها، مع اختلافِ الصورة في الزمن فحسب، حتى يعرفوا طبيعةَ الطريقِ الطويلِ الشاقِّ الغريبْ، فيعطوا الطريق حَقَّهُ ومستحقّه؛ ليأخذوا حقَّهم من الله تعالى، ختمها ربُّنا سبحانه بقوله: (وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المحْسِنِين)[العنكبوت:69].

 

إنها نعمةُ المَعِيَّةِ الخاصَّةِ، وظهورِ الطريقِ لمن ظهرت له مقاصِدُ القرآن، قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)[العنكبوت:43]ٍ.

 

نسأل اللهَ العظيم أن يوفقنا إلى حسن العلم وحسن العمل.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

معشر المؤمنين: سنةٌ من سنن الله تعالى قضاها على العبد في نفسه، وعلى القوم في أنفسهم، وعلى كل أمة في نفسها، لا تتحقق حتى يُقَدَّمَ ثمنها كاملا غير منقوص، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)[الرعد:11].

 

فلا يغير الله ما بالناس من حال حتى يسبق ذلك تغييرٌ منهم لمشاعرهم وأعمالهم، وواقع حياتهم وفق ما يحبه الله ويرضاه.

 

فالعبد لا يتغير من الفساد إلى الصلاح وهو مقيم على الفساد في قلبه وأعماله وواقع حياته.

 

والمجتمع لا يتغير من الفساد إلى الصلاح وهو مقيم على الفساد في أعماله وواقع حياته.

 

والأمة لا تتغير من الفشل والهزيمة إلى النصر والتمكين وهي مقيمة على أسباب الفشل والانهزام والتراجع.

 

أيها الإخوة في الله: قد تفقهُ الأمةُ هذه السنُّةَ وتعيها وتعملُ بها، ولكنها ما لم تزوج ذلك بالصبر واليقين والمجاهدةِ في الله؛ فإنها تقع ولا بُد - في مرحلةٍ من مراحلِ الطريق- فريسةَ القصورِ والإخفاقِ والتراجع، قال الله تعالى: (وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المحْسِنِين)[العنكبوت:69].

فلابُدّ من الصبر.

 

وعجيبٌ -والله- سيرُ هذه الأمة؛ كلما طالت الآماد والنتائج تفسُدُ المقدمات والأعمالُ وتتعثر.

 

وكلما طالت فترةُ جَنيِ الثّمار نَقْطَعُ الأصولَ والأشجار، لماذا؟!

 

كلما طالت المراحلُ والصفحاتْ؛ تُرْمَى الأقلامْ، وتطيشُ الأحلامْ، لماذا؟!

 

داءٌ عظيمٌ أصابَ الأمَّة في مراكزها العصبية، جعلها تتعثّر كلما أرادت النهوض والسير والحركة؛ لأنّها أمّةٌ مستعجِلةٌ إلا من رحم الله، قال ربنا سبحانه: (وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المحْسِنِين)[العنكبوت:69].

 

وقال الله تعالى: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)[يونس:109].

 

فلابُدّ من الصبر والمجاهدة أحبّتي.

 

معشر المؤمنين: الأمةُ رغم النكسات المتوالية لم تتعلم بعدُ فقهَ: "من يفتحُ الطريق؛ لينفرِجَ عن القادمين المضيق؟!" ويا لَهُ من مشهدٍ أليمٍ متكرّرٍ في حياة الأمة؛ ترى الأمةَ كُلَّهَا تسيرُ وتتدافعُ في طلب النصر والظفر، والعيش للحق والإيمان، فإذا ما صاح داعي الحق والإيمان: "من يأخذ الحياة بثمنها؟! أخرِجُوا لنا جسورَ الحياة".

 

تراجعت الأمة، وتعثرت في رجوعها إلى الوراء، تقطَّعَتِ الأصولُ والأشجارْ، وتكسَّرت الأقلام، وطاشت الأحلام، وكأن القومَ ما طلبوا الحقَّ ولا الإيمان، لماذا؟!

 

يا للأسَف؛ إنَّ الأمةَ رغم التجاربِ الكثيرةِ والدروسِ الغزيرة لا زالت تفضِّلُ النَّغَمَ الذي يقول: "من يصدُّ عنا القوم وله رغيف" على النداء الذي يقول: "من يَصُدُّ عنا القوم وهو رفيقي في الجنة".

 

أحبّتي في الله: الطريق كما رأينا في سورة العنكبوت قد تطول وتطولُ جدًّا، كما حصل في قصّةٍ نوحٍ عليه السلام، ولكن أين من يبدأ الطريق؛ لينفرج بإذن الله المضيق؟!

 

لا شك أنَّ الحقَّ سيفرضُ نفسه على النفوس والعقول والأوضاع، ولكن أين من يبدأ الطريق لينفرج عن القادِمينَ المضيق؟!

 

جيلُ النصر والتمكين أحبّتي لا يُبعثُ من جيل هزيمةٍ أبدًا، إنما يستخلصُ من مستخلصاتٍ كثيرة تنفض عنها خصال الجاهلية من الشركِ والبدعة والمعصية خصلةً خصلة، حتى لا يبقى فيها شيء لغير الله تعالى، في تلكَ الأجواء، ومن ذلكَ الجنسِ من الآباء، ينشأ جيل النصر والتمكين.

 

الطريق طويلةٌ حقًّا، ولكن أين من يبدأ الطريق؛ لينفرج بإذن الله المضيق؟!

 

فعَلِّمْ ما استَطَعْتَ لَعَلَّ جيلاً سيأتي يُحْدِثُ العجبَ العُجَابَا.

 

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى.

 

اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

 

وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

 

 

 

 

المرفقات

. . . أين من يبدأ الطريق . . لينفرجَ عن القادِمين المضيق؟!

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات