وفي أنفسكم أفلا تبصرون

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2020-11-23 - 1442/04/08
عناصر الخطبة
1/كثرة نعم الله على الإنسان 2/نعم الله على الإنسان في جسمه وصحته 3/أركان شكر النعم

اقتباس

اعلموا -رحمكم الله- أن شكر العبد لربه يدور على ثلاثة أركان مهمة لا يكون العبد شكوراً إلا بمجموعها، أحدها: اعترافه بنعمة الله عليه في قرارة قلبه بأن يعترف بأن هذه النعم واصلة إليه من الله -سبحانه- تفضلاً منه وإحسانا. الثاني: التحدث بهذه النعم ظاهراً، فيثني على الله ويحمده ويشكره، فلا ينسب النعم إلى غير الله فيكون كمن قال الله فيهم: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا)[النحل: 83]. الثالث من أركان شكر النعم: أن يستعين بالنعم على مرضاة الله، فيستعملها في طاعة الله، أما إذا استعمل نعمة الله في معصيته فقد كفر نعمة الله عليه، فالذي...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)[السجدة: 7-9].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، وإمام الشاكرين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيرا.

 

أما بعد:

 

أيها الناس: اتقوا الله -تعالى-، واذكروا نعمته عليكم، واشكروا له أفضاله ومننه وآلاءه.

 

ابن آدم: إنك لن تستطيع أن تحصي نعم الله عليك فهي كثيرة لا تحصى، يقول تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)[إبراهيم: 34]، وإن أقرب شيء إليك جسمك لو تأملت فيه وتفكرت في أعضائه وتراكيبه (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)[الذاريات: 21]، فما من عظم فيك ولا عرق ولا عصب إلا وعليه أثر صنع الله -عز وجل-، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)[الانفطار: 6-8]، وقال تعالى: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)[الملك: 23]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[النحل: 78]، وقال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)[البلد: 8-10]، فهذه نعم ظاهرة ومنن بينة يبينها الله لك لتشكره عليها.

 

وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ"(والسلامى: هي العظم)، وفي جسم ابن آدم ثلاثمائة وستون عظماً يظهر منها مائتان وستون عظماً، والباقية صغار لا تظهر.

والحديث يدل على أن تركب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده؛ فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يُتصدق بها عنه يومياً ليكون ذلك شكراً لهذه النعمة.

ولما كان ذلك يستدعي صدقات كثيرة بعدد العظام وقد لا يستطيع العبد الوفاء بهذه الصدقات سهَّل الله له طرق الخير وفتح له أبواب البر؛ فجعل بكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وتعدل بين اثنين صدقة، وإعانة الرجل في إركابه على دابته أو حمل متاعه عليها صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشيها لأداء الصلاة صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويجزئ عن ذلك كله ركعتان من الضحى يركعهما.

 

وإنما كانت الركعتان يجزئين عن ذلك كله؛ لأن الصلاة استعمال للأعضاء كلها في الطاعة والعبادة فتكون كافية في الشكر على نعمة الله بهذه الأعضاء، ولأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء على الله.

 

وهذه الأعمال التي أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث منها ما نفعه متعدٍ؛ كإصلاح بين الناس، وإعانة ذي الحاجة، والكلمة الطيبة، وإزالة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

ومنها ما نفعه قاصر على فاعله؛ كالتسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والمشي إلى الصلاة، وركعتي الضحى.

 

وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- من لا يستطيع شيئا من هذه العبادات أن يكف عن الشر ويبتعد عنه، فقد جاء في الصحيحين: "أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: "يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ"؛ فهذا يدل على أنه يكفيه عن أداء تلك الصدقات اليومية المطلوبة على كل عضو منه أن يمسك عن الشر، بمعنى أن لا يفعل شيئا من المعاصي. ولا يكون كذلك إلا إذا كان مؤديا للفرائض، ومجتنباً للمحرمات؛ لأن ترك الفرائض أو ارتكاب المحرمات من أعظم أنواع الشر وأشنعه.

 

عباد الله: ومن نعم الله على العبد في جسمه: إلباسه ثوب الصحة؛ قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "الصحة غناء الجسم"، وفي بعض الآثار: "كم من نعم في عرق ساكن"، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ".

 

وهذه النعم يُسأل الإنسان عن شكرها يوم القيامة ويطالب بها؛ كما قال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)[التكاثر: 8].

 

وروى الترمذي وابن حبان من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ؟"، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "النعيم: الأمن والصحة".

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قال: "النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار؛ يسأل الله العباد فيم استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)[الإسراء: 36].

 

عباد الله: من أراد أن يعرف نعمة الله عليه بالصحة فلينظر إلى المصابين بالأمراض والأدواء والأوبئة وفقد الأعضاء أو تعيبها، ليذهب إلى المستشفيات فيرى كم من مريض يئنّ وجريح ثخن، ويرى كم فاقد للسمع والبصر؟ وكم ممن يتمنى هجعة من نوم أو هدأة من وجع؛ فلينظر حتى يعرف قدر نعمة الله عليه، فبضدها تتميز الأشياء.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)[فاطر: 3].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله عظيم الإحسان واسع الجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واشكروه على نعمه عليكم، فإن الله قد تأذَّن بالزيادة والثواب لمن شكر، وتوعد بالنقصان والعقاب لمن كفر.

 

واعلموا -رحمكم الله- أن شكر العبد لربه يدور على ثلاثة أركان مهمة لا يكون العبد شكوراً إلا بمجموعها، أحدها: اعترافه بنعمة الله عليه في قرارة قلبه بأن يعترف بأن هذه النعم واصلة إليه من الله -سبحانه- تفضلاً منه وإحسانا.

 

الثاني: التحدث بهذه النعم ظاهراً فيثني على الله ويحمده ويشكره فلا ينسب النعم إلى غير الله فيكون كمن قال الله فيهم: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا)[النحل: 83].

 

الثالث من أركان شكر النعم: أن يستعين بالنعم على مرضاة الله فيستعملها في طاعة الله، أما إذا استعمل نعمة الله في معصيته فقد كفر نعمة الله عليه، فالذي يستعمل جسمه القوي، وصحته الطيبة، ومركوبه الحسن، وأمواله المتعددة في معصية الله قد كفر نعمة الله عليه، واستحق عقوبته.

 

رزقنا الله وإياكم شكر نعمه، وأعاننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.

 

وصلُّوا وسلِّموا على خير الشاكرين وإمام الذاكرين وقدوة الخلق أجمعين محمد بن عبد الله فقد أمركم الله بذلك، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: ٥٦]، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا".

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد. وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين.

 

اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.

 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر، اللهم اغفر لنا ذنبنا كله؛ دقَّه وجلَّه، أوله وآخره، سرَّه وعلنه.

 

اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.

 

اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

 

ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201].

 

عباد الله: اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

المرفقات

وفي-أنفسكم-أفلا-تبصرون.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات