هنيئا للموقنين

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2017-01-16 - 1438/04/18
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/ منزلة اليقين 2/ سمات الموقنين 3/أخبار وآثار عن اليقين وأهله 4/ من ثمرات اليقين 5/ السبيل إلى التخلّق به 6/ من مُضْعِفاته

اقتباس

اليقين روح أعمال القلوب، حيث يستقر في قلب صاحبه الإيمانُ الصادقُ الذي لا يتقلب ولا يتغير، والإحسان، الذي هو أن تعبد الله كأنك تراه وتشاهده، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كما قال الحبيب المصطفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وخلفائه الراشدين، وزوجاته وصحابته الأكرمين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها المسلمون: قال قائلٌ، وصَدَقَ: رأيت الجنة والنار حقيقة. فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: رأيتهما بعيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أخبر أنه رآهما، ورؤيتي لهما بعينيه -صلى الله عليه وسلم- آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني؛ فإن بصري قد يزيغ ويطغى، أما بصر رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- فلا يزيغ ولا يطغى، قال الله -جل وعلا-: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) [النجم:17].

 

الله أكبر يا عباد الله! هذا هو اليقين الذي نحتاجه، هذا هو اليقين الذي هو بمنزلة الروح من الجسد، هذا هو اليقين الذي هو سفينة نجاة يركبها السائرون إلى ربهم، ويتنافس عليها الصالحون، ويسرع إليها العاملون، (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة:5].

 

الموقنون يؤمنون بالغيب، ويصدقون بموعود الله -جل وعز-، يعلمون بأن موعود الله حق، وبأن القرآن حق، وبأن الرسول حق، وبأن الجنة والنار حق، (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) [الحج:7]، وأن الله قد كتب لدين الإسلام البقاء، على رغم أنوف الأعداء.

 

اليقين -يا أمة الإسلام- قوة الإيمان والثبات عليه، مهما توالت الخطوب واختلف الناس، حتى كأن الإنسان يرى بعينيه ما أخبر الله -تعالى- به، وما أخبر به رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ من قوة تصديقه ويقينه، فهو ثبات ليس له معه شك بوجه من الوجوه، فيرى الغائب الذي وعد الله ورسوله به أو أخبر الله عنه ورسوله كأنه حاضر بين يديه.

 

وإذا اقترن اليقين بالصبر حصل لصاحبه الخير: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:24].

 

اليقين روح أعمال القلوب، حيث يستقر في قلب صاحبه الإيمانُ الصادقُ الذي لا يتقلب ولا يتغير، والإحسان، الذي هو أن تعبد الله كأنك تراه وتشاهده، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كما قال الحبيب المصطفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

ولهذا خص الله -سبحانه- أهل اليقين بالانتفاع بالبراهين، فقال -وهو أصدق القائلين-: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ) [الذاريات:20].

 

وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين، فقال: (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة:4-5].

 

قال ابن عطاء -رحمه الله-: "على قدر قربهم من التقوى أدركوا من اليقين، وأصل التقوى مباينة المنهي عنه، فعلى قدر مفارقتهم النفس وصلوا إلى اليقين".

 

أيها المسلمون: هنيئا لعباد الله الموقنين! بالغيب صدّقوا، وعلى الله توكلوا واعتمدوا، وبالقضاء والقدَر آمنوا واطمأنوا، وعند الفتن والابتلاء والاختلاف ثبتوا واستقروا، إذا استغنى الناس بدنياهم وانشغلوا استغنى أهل اليقين بالله رب العالمين، وإذا فرحوا بالدنيا وشهواتها ومتاعها الزائل فرح أهل اليقين بالله -جل جلاله-، وإذا أنس الناس بأحبابهم جعل الموقنون أنسهم بالله، وتلاوة كتابه، ودوام ذكره ودعائه، ونفع عباده، وإذا تعرف أهل الدنيا إلى كبرائهم ورؤسائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فأصحاب اليقين مؤمنون بالله وقضائه وقدره، يتعرفون إلى الله ويتوددون إليه لينالوا غاية العزة والرفعة من القوي العزيز -جل جلاله-.

 

قال بعض الموقنين: ما علمت أن أحدا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان. فقال له رجل: إني أكثر البكاء. فقال: إنك إن تضحك وأنت مقر بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدلّ بعملك؛ فإن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه. فقال: أوصني. فقال: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها, وكن في الدنيا كالنحلة, إن أكلت أكلت طيبا, وإن أطعمت أطعمت طيبا, وإن سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه.

 

تأملوا -يا رعاكم الله- ما وصف الله به الخليل إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، قال الله -جل وعز-: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [الأنعام:75]، فآمن بربه ودعا قومه إلى توحيد الله وبادر بامتثال أمره ووفى، (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) [النجم:37]، وفّى وتمّمَ، فأراد الكفار به كيدا فقال الجليل -جل جلاله- لما قال إبراهيم: حسبنا الله ونعم الوكيل، قال القوي القادر: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) [الأنبياء:69-70].

 

يا عباد الله: إذا وصل اليقين إلى القلب امتلأ إشراقا ونورا، وخرج منه كل ريب وشك وسخط، وكل هم وغم وبلاء، فامتلأ بمحبة الله -عز وجل-، والخوف منه، والرضا عنه وبه، ودوام الشكر له، وعظيم التوكل عليه والإنابة إليه؛ وبهذا صلاح الأفراد والمجتمعات. فنسأل الله أن يرزقنا اليقين.

 

أخرج الإمام أحمد في الزهد، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل"، وروى ابن أبي الدنيا عنه -صلى الله عليه وسلم-: "نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل".

 

وصح عن ابن مسعود أنه قال: "إن الروح والفرج في اليقين والرضا، وإن الغم والحزن من الشك والسخط"، وكان عطاء الخراساني لا يقوم من مجلسه حتى يقول: "اللهم هب لنا يقيناً بك حتى تهون علينا مصائب الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتب علينا، ولا يأتينا من هذا الرزق إلا ما قسمت لنا به". وقال بلال بن سعد: "عباد الرحمن: اعلموا أنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال لدار مقام، وبدار حزن ونصب لدار نعيم وخلد، ومن لم يعمل على اليقين فلا يغتر ولا يتعن". وقال -رحمه الله-، وكأنه يعنينا في هذا الزمن: " أمَّا ما وكَّلَكُم الله به فتضيعونه، وأما ما تكفل لكم به فتطلبونه؟ ما هكذا بعث الله عباده الموقنين، أَذَوُواْ عقول في طلب الدنيا، وبُلْه عما خُلقتُم له؟! فكما ترجون رحمة الله بما تؤدونه من طاعة الله -عز وجل-، فكذلك أشفقوا من عذاب الله مما تنتهكون من معاصي الله -عز وجلّ-". ورحم الله سفيان الثوري حيث يقول: "لو أن اليقين ثبت في القلب لطار فرحا أو خوفا من النار".

 

وصلوات الله وسلامه على نبينا محمد الذي كان قلما يقوم من مجلس حتى يدعو بهذه الدعوات لأصحابه، كما رواه الترمذي والحاكم، وإني داعٍ بها فأمنوا: "اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّاتِنَا، مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا".

 

آمين يا حي يا قيوم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، وأشهد  أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.

 

أما بعد: فطوبى لمن جاهد نفسه على التخلق بالتقوى واليقين والصدق والصبر، ورزقه الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، جعلنا الله بمنه وكرمه من هؤلاء.

 

لقد خطب الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- فقال: "عليكم بالصدق! فإنه مع البر، فهما في الجنة، وإياكم والكذب! فإنه مع الفجور، وهما في النار. واسألوا الله المعافاة؛ فإنه لم يؤت أحد شيئا بعد اليقين خيرا له من المعافاة، ولا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا".

 

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "اليقين الإيمان كله، إن اليقين طريق إلى الله، موصل دار السلام، وهذا الطريق خال من أهل الشك، وممن يتبعون الشهوات، إنه معمور بأهل اليقين والصبر، وهم على الطريق كالأعلام، (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:24]، إذا سألوا فالله وحده، وإذا استعانوا فبه سبحانه، وأما الدنيا فأهون في عيونهم وقلوبهم من التراب".

 

قال ابن عيينة: "دخل الخليفة هشام إلى الكعبة، فإذا بسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: يا سالم، سلني حاجتك؟ فقال سالم: يا أمير المؤمنين، إني أستحي من الله أن أسأل في بيته غيره، فلما خرج قال: الآن فسلني حاجتك، فقال له سالم: أمن حوائج الدنيا أم حوائج الآخرة؟ فقال من حوائج الدنيا، فقال سالم: والله ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟".

 

إن من ثمرات اليقين أنه يورث العبد توكلا على الله، واعتمادا عليه في جميع الأمور، فتوكل على الله إنك على الحق المبين.

 

وهنا يكفى العبد ما أهمه، ويرزقه الله من حيث لا يحتسب: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران:173-174].

 

واليقين له أثره الواضح في دعاء العبد وعبادته وإنفاقه وجميع أحواله، وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي هريرة: "من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة".

 

وفي صحيح البخاري عندما ذكر سيد الاستغفار قال -صلى الله عليه وسلم-: "منَ قاله من النهار موقنا به فمات في يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قاله من الليل وهو موقن به فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة".

 

أيها المسلمون: وبعد ما علمنا منزلة اليقين من الدين، فما السبيل إلى تحصيله والتخلق به؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن، والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق، والثالث: العمل بموجب العلم، قال -سبحانه-: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت:53]، والضمير عائد على القرآن.

 

ويحصل العبد اليقين بسؤال الله ذلك، وبدوام ذكره واستغفاره، ومحاسبة نفسه على تقصيره، وبكثرة التقرب إليه بنوافل الطاعات بعد القيام بالفرائض والواجبات، وبحفظ الجوارح عن المحرمات".

 

أيها المسلم: إياك أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله؛ فهنا يضعف يقينك، ولا يستقيم أمرك، والله المستعان وحده.

 

اللهم ارزقنا الإيمان واليقين...

 

 

المرفقات

للموقنين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات