هادم اللذات

عبد الرحمن بن صالح الدهش

2013-05-05 - 1434/06/25
التصنيفات: الحياة الآخرة
عناصر الخطبة
1/ صفة موت المؤمن والكافر 2/ الموت مصيبة 3/ فوائد الإكثار من ذكر الموت

اقتباس

حديثي إليكم – معاشر الإخوة – حديثٌ جليل، له هيبته وعظمته في نفس المؤمن، حدَّث به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأطرقوا لحديثه كأنَّ على رؤوسهم الطير. حدَّثهم – وهم جلوس حوله في بقيع الغرقد – مقبرة أهل المدينة. فما ظنك بحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان قريباً...

 

 

 

 

الحمد لله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وجعل المرجع إليه وإن أطال العبد أملاً.

أحمده على نعمه عمَّ بها عباده وشمل، وأشهد ألا إله إلا الله جعل الجنة للمتقين منزلاً، وأعدَّ جهنم للكافرين نزلاً.

وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله بلغ عن ربه قولاً وفعلاً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين لم يرضوا بسنته بدلاً.

 

أما بعد:

 

فحديثي إليكم – معاشر الإخوة – حديثٌ جليل، له هيبته وعظمته في نفس المؤمن، حدَّث به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأطرقوا لحديثه كأنَّ على رؤوسهم الطير.

حدَّثهم – وهم جلوس حوله في بقيع الغرقد – مقبرة أهل المدينة.

 

فما ظنك بحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان قريباً من القبور، قريباً من منازل الآخرة.

 

وكيف لا يكون مهيباً كذلك، وهو يتعلق فيما سيجري على كل أحد بعد إقباله على الآخرة، وانقطاعه من الدنيا.

 

والآخرة – يا عبد الله – يدخل فيها كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون على الإنسان بعد الموت.

 

ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم حديثه مع أصحابه بعد أن نظر إلى السماء ثم إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثاً، تعظيماً للحديث ابتدأه، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، كررها مرتين، أو ثلاثاً.

 

ثم قال: إنَّ العبد إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزلت إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأنَّ وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟

 

فيقولون: فلان ابن فلان – بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا –

فينتهون به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له، فيفتح له.

 

قال: فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة فيقول الله عزَّ وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتكم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.

 

قال: فتعاد روحه في جسده.

 

وإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولَّوا عنه مدبرين.

 

ثم يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك ؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له: ما عملك؟

 

فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت.

 

فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة.

 

قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدَّ بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، فأنا عملك الصالح، فو الله ما علمتُك إلا كنت سريعاً في طاعة الله بطيئاً في معصيته.

 

ثم يفتح له بابٌ من الجنة.

فيقال: هذا منزلك من الجنة، فإذا رأى ما فيها قال: رب عجل قيام الساعة.

 

وأما العبد الكافر، فإذا كان في إقبال من الآخرة، وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم ثياب من النار، فيجلسون منه مدَّ البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله، وغضب فتتفرق روحه في جسده فينتزعها من جسده انتزاعاً، ويخرج معها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة، فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، ثم تعاد إلى الأرض فيأتيه الملكان فيسألانه: من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

كل هذه يقول فيها: هاه، هاه، لا أدري ؟!

 

فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين – الجن والأنس -، ثم يفتح له باب من النار، ويفرش له من فرش النار، فيقول: رب لا تقم الساعة.

 

نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ونعوذ بالله من عذاب القبر، ونسأله الثبات في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.

 

إن شأن الموت شأن عظيم، مرَّت جنازة يهودي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقام لها، فقال الصحابة: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ للموت فزعاً".

 

سمى الله تعالى الموت مصيبة في قوله سبحانه: (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) [المائدة: 106].

 

ومع عظم الموت، وخطر شأنه، فالمؤمن ينظر إليه بنور الله على وفق شرع الله.

 

فالموت عند المؤمن لا يعني الإحباط عن العمل، والضيق في الصدر، وتعطيل المصالح، والتحسر على الحياة.

 

فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله! من أكيس الناس وأحزم الناس؟ قال:" أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم استعداداً للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة" [الطبراني وحسنه المنذري].

 

وفي الإكثار من ذكر الموت فوائد؛ منها:

 

1- أنه يحث على الاستعداد للموت قبل نزوله، والتأهب له قبل حلوله.

 

حتى لا يكون من الذين قال الله فيهم: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

 

2- أن ذكر الموت يقصر الأمل في طول البقاء، وطول الأمل من أعظم أسباب الغفلة.

 

3- أنه يزهد في الدنيا ويرضي بالقليل منها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلس وهم يضحكون، فقال: "أكثروا ذكر هادم اللذات" أحسبه قال: "فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه"[ البزار وحسنه المنذري].

 

4- أنه يرغّب في الآخرة ويدعو إلى الطاعة.

 

5- أنه يهوّن على العبد مصائب الدنيا، فلا جزع من مرض، ولا أسف على فقد مال أو حظ من حظوظ الدنيا.

 

6- أنه يمنع من الأشر والبطر والتوسع في لذات الدنيا، والتكثر من زهرتها الفانية، نظر إلى الدنيا فمقتها، فكيف سيفرح بها أو يركن إليها؟.

 

7- أنه يحث على التوبة واستدراك ما فات، فيرقق القلب وتدمع العين.

 

9- أنه يدعو إلى التواضع وترك الكبر، والتخلص من المظالم، فقلب ذاكر الموت سليم على إخوانه، يقبل من محسنهم، ويعرض عن مسيئهم.

 

قال بعض السلف: "من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة".

 

فتفكر يا عبد الله: في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته.

 

كيف بك إذا دس بدنك في جوف الأرض، وتسابق أبناؤك ومحبوك بحثيي التراب عليك.

 

ثم يفارقونك بلا أنيس، ولا صاحب جليس، لم يبق معك إلا عملك فأنت الرابح وأنت الخاسر.

 

اللهم ...

 

 

 

 

المرفقات

اللذات

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات