نهاية طاغية

عبدالله بن حسن القعود

2014-10-11 - 1435/12/17
عناصر الخطبة
1/ الغاية من قصص القرآن 2/ فرعون الطاغية 3/ موسى في بيت فرعون 4/ السحرة يتحدون الطاغية 5/ الغرق نهاية فرعون
اهداف الخطبة
1/ أن يعتبر المسلم بنهاية الطواغيت 2/ التذكير بقصة من قصص القرآن 3/ بيان أن لكل طاغية نهاية 4/ غرس الأمل في النفوس بأن العسر يتبعه يسر

اقتباس

إنني أذكرُكم وأعظُكم بشيء مما قصه الله تبارك وتعالى علينا في كتابه الكريم, قصةٌ لا للتسلية والمتاع ولكن للادكار والانتفاع, قصةٌ ليعظ به سبحانه ويذكِّرُ ويحذِّرُ به وينذر, بل ويرغِّبُ ويبشِّر، قصهٌ ليثبِّتَ به المصلحين ليزدادوا به إيماناً وعبرةً وتفاؤلاً..

 

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون, وبعدله ضل الضالون, سبحانه لا يُسأل عما يفعلُ والثقلان يُسألون, أحمدُه سبحانه وأشكرُه وأستغفرُه وأستهديه, وأتوبُ إليه وأثني عليه الخير َكلَّه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن دعا بدعوته وتمسك بسنته إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فيا أيها الأخوة المؤمنون: اتقوا الله (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) [البقرة: 281].

 

عبادَ الله: يقول الله سبحانه وتعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) [الذاريات: 55] ويقول: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ) [إبراهيم: 5] ويقول: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى) [الأعلى: 10].

 

وإنني أذكرُكم وأعظُكم بشيء مما قصه الله تبارك وتعالى علينا في كتابه الكريم, قصةٌ لا للتسلية والمتاع ولكن للادكار والانتفاع, قصةٌ ليعظ به سبحانه ويذكِّرُ ويحذِّرُ به وينذر, بل ويرغِّبُ ويبشِّر، قصهٌ ليثبِّتَ به المصلحين ليزدادوا به إيماناً وعبرةً وتفاؤلاً, يقول جل وعلا: ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: 120] ويقول: (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [القصص: 3].

 

إن طاغيةً من شرار طواغيت الإنس من ملوك مصر، يقال له: فرعون, طغى في الأرض وبغى، طغى في الأرض بتجاوزه الحدودَ التي وضعها له خالقُه، طغى بإنكاره الله سبحانه وتعالى ظاهراً, ودعواه ربوبيةَ وألوهيةَ شعبه (فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات: 23، 24] (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38] وبغى على بني إسرائيل الذي هم أفضلُ عالمي زمانهم يسومُهم سوءَ العذاب (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 4].

 

وكان -عليه لعائنُ الله- في غاية من الحذر، فلقد أخبرتْه بطارقُة أقباطُه بأن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما مر في مهاجره بمصر, وأراد فرعونُها في وقته أن يتسلَّطَ على زوجه سارة فنجَّاها الله منه وصانها، أخبر إبراهيم أنه سيُولد من ذريته غلام ٌتكون نهايةُ فراعنةِ مصر على يديه, وأصلُ القصة في الصحيح, أخذ فرعونُ اللعينُ في تقتيل من يُولد ذكراً، وبعد فترة قال له أقباطُه: الغلمان يقتلون والشيوخُ سيموتون والنساء لا طاقة لهنَّ بأعمال الرجال، وكان بنو إسرائيل الذين أوقع بهم فرعونُ هذا الأمر مسخَّرين في خدمة الأقباط، فأخذ يقتل ولدان سنةٍ ويبقي على ولدان سنة، وابتلاءً وامتحاناً وبياناً بأنه لا يغني حذرٌ من قدر, يولد موسى في السنة التي يُقتلُ فيها الغلمان.

 

وتتولاه عنايةُ الله سبحانه وتعالى القائل: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) [طه: 39] فيفتحُ له تعالى قلبَ زوجة فرعون قبل أن تُفتحَ له أبوابُ الحصون والقصور, ويتربى ذلكم الرضيعُ المخوفُ منه في حِجْر فرعون, ويترعرعُ ويخرجُ من ذلك الجو العّكِرِ بعد بلوغه الأشد بمحنة (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [القصص: 20] ويؤدي -بعد ما قد سمي بسنوات- الخدمةَ راعيَ غنم مقابل مهر زوجته، وبعد بلوغه الأشد واكتمال تربيته وتهيئته لحمل الرسالة, أوحى الله إليه واستجاب له دعوته في الوحي إلى أخيه هارون ليشد به عضده (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء: 16، 17].

 

فقابلهما اللعين بإنكار الرب سبحانه وتعالى (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) [الشعراء: 23، 24] وتستمر المناظرة ويقيم موسى عليه الصلاة والسلام الأدلةَ والبراهين الساطعةَ المؤيَّدةَ بالمعجزات الباهرة التي عَقِلَها وقبلها سحرةُ فرعون (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الشعراء: 46 - 48] ويتوعَّدُهم فرعونُ ويهددهم بقوله: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) [الشعراء: 49] فتجاوبُه تلك النفوسُ التي تحولت في آنٍ واحدٍ ولحظةٍ قصيرة, من كفرٍ بالله بوَاَح إلى إيمان به صادقٍ معلنٍ متحَّدٍ أشدَّ طواغيتِ الأرض (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [طه: 72] ويتواصل البلاغُ من موسى وأخيه وتستمر محاربُة فرعون وملاحقته لهما ولمن آمن بهما, إلى أن انتهت المعركةُ بما قصه الله علينا بقوله سبحانه وتعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) [الشعراء: 52] إلى قوله: (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) [الشعراء: 60 - 67] وينهي اللهُ بذلك دورَ أولئك المكذبين ويُعلي شأنَ المؤمنين, ويتحققُ تأويلُ وعدِ الله سبحانه (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) [القصص: 5],

 

فاتقوا الله يا أولي الأبصار.. يا أولي النهى، يا أولي الألباب.. اتقوا الله يا شباب الإسلام ودعاته.. يا من شرح الله صدوركم للإسلام, وشرَّفكم بالانضمام في جنود دعوته, برضاكم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، لا تستوحشوا مما حولكم فأنيسُكم الله, ولا تستطيلوا الطريقَ أمامكم فهو طريقٌ مهاجرٌ إلى الله ولا تستعظموا بلاء مهما عَظُم، فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً. يقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 2، 3].

 

 

 

المرفقات

طاغية

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات