نصيحة القوم بانتصاف شهر الصوم

صلاح بن محمد البدير

2014-07-09 - 1435/09/12
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/فضل شهر رمضان 2/انتصاف الشهر وحال الناس 3/التذكير بالموت ومراعاة حرمة شهر رمضان 4/حال السلف في رمضان 5/اغتنام بقية شهر رمضان 6/مدارسة القرآن وتدبره 7/من أحوالنا مع القرآن الكريم 8/رمضان شهر العتق من النار 9/الحث على التوبة 10/حكم الاعتكاف وفضائله 11/بعض ما يجب على المسلم تجاه إخوانه المستضعفين
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

أيها المسلمون: أين من كانوا معنا في رمضان الماضي؟! أما أفنتهم آفات المنون القواضي، وأعدمتهم صوماً وفطراً، وزوّدتهم من الحنوط عِطرا، وأصبح كل منهم في اللحد –قبرا-؟! أما أدارت عليهم المنون رحاها، وحَكَّ وجوههم الثرى فمحاها؟! ثم أين من صاموا معنا في أول الشهر، وقاموا أوله يبتغون الأجر؟! أتاهم هادم اللذات، وقاطع الشهوات، ومفرّق الجماعات، فنقلوا من القصور المنيفة إلى بطون الحفر، ومن الفرش الوثيرة إلى...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد:

 

فيا أيها المسلمون: إنكم في شهر لا يشبُهُه شهر، عظيم الأمر، جليل القدر، هو من أشرف أوقات الدهر، فضائله لا تحصى، ومحامده لا تُستقصى، موسمٌ وافرُ الأرباح لمن اتَّجر، مهلكٌ لأرواح من طغى فيه وفجر.

 

شهرٌ يفوق على الشهور بليلةٍ *** من ألف شهر فُضّلت تفضيلا

طوبى لعبدٍ صح فيه صيامه  *** ودعا المهيمن بكرة وأصيلا

وبليله قد قام يختم ورده  *** متبتلا لإلهه تبتيلا

 

أيها المسلمون: لقد مضى من رمضان صدره، وانقضى منه شطره، واكتمل منه بدره، فاغتنموا فرصة تمرُّ مرَّ السحاب، ولِجوا قبل أن يُغلق الباب، وبادروا أوقاته مهما أمكنكم، واشكروا الله على أن أخّركم إليه ومكّنكم، واجتهدوا في الطاعة قبل انقضائه، وأسرعوا بالمثاب قبل انتهائه، فساعاته تذهب، وأوقاته تُنهب، وزمانه يُطلب، ويوشك الضيف أن يرتحل، وشهر الصوم أن ينتقل، فأحسنوا فيما بقي، يغفر لكم ما مضى، فإن أسأتم فيما بقي أُخذتم بما مضى وبما بقي.

 

أيها المسلمون: تنصَّف الشهر وانهدم، وفاز من بحبل الله اعتصم، وخاف من زلّة القدم، واغتنم شهر رمضان خير مغتنم، وشقي الغافل العاصي بين الذل والسقم، والأمن والندم، ويا ويله يوم تحل على أهل المخالفة الآفات، يوم تنقطع أفئدة أهل التفريط بالزفرات، يوم يُحشر أهل المعاصي والدموع على الوجنات، يقول الرب العلي في الحديث القدسي: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"[أخرجه مسلم من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-]ٍ.

 

أيها المسلمون: أين من كانوا معنا في رمضان الماضي؟! أما أفنتهم آفات المنون القواضي، وأعدمتهم صوماً وفطراً، وزوّدتهم من الحنوط عِطرا، وأصبح كل منهم في اللحد –قبرا-؟! أما أدارت عليهم المنون رحاها، وحَكَّ وجوههم الثرى فمحاها؟! ثم أين من صاموا معنا في أول الشهر، وقاموا أوله يبتغون الأجر؟!

 

أتاهم هادم اللذات، وقاطع الشهوات، ومفرّق الجماعات، فنقلوا من القصور المنيفة إلى بطون الحفر، ومن الفرش الوثيرة إلى خشونة المدر، ونحن -يا عباد الله- على الأثر، فتأهبوا لمثل ما حلّ بهم من الغِيَر، وتذكروا مرارة الموت الذي لا يسلم منه بشر، ولو سلم منه أحدٌ لسلم سيد البشر محمد، ولكن صدق الله: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِلشَّرّ وَلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)[الأنبياء: 35].

 

أيها المسلمون: من الذي طلبه الموت فأعجزه؟! من الذي تحصَّن في حصنه وما أدركه؟! من الذي سعى في مُناه فما أعوزه؟! من الذي أمّل طول الأجل فما حجزه؟! أي عيش صفا وما كدّره؟! وأي غصن علا على ساقه وما كسره؟! لقد أخذ الآباء والأجداد، وأرمل النساء وأيتم الأولاد، وحال بين المريد والمراد.

 

عباد الله: لا دافع عنكم من الموت يقيكم، فتوبوا قبل أن تندموا إذا غصّت تراقيكم: (إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)[الجمعة: 8].

 

أيها المسلمون: أيام رمضان تاج على رأس الزمان، من رُحم فيها فهو المرحوم، ومن حُرِم خيرها فهو المحروم، ومن لم يتزوَّد من عامه فيها فهوَ الظلوم الملوم، صعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر، فقال: "آمين، آمين، آمين"، فقلنا: يا رسول الله، إنك صعدت المنبر فقلت: آمين، آمين، آمين!!، فقال: "إن جبريل -عليه السلام- أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له، فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، قلت: آمين"[أخرجه البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان ، وأورده الألباني في صحيح الترغيب].

 

فيا من فرّطتم في شهر رمضان القائم، هل أنتم على يقين من العيش إلى رمضان قادم؟! فقوموا بحق شهركم، واتقوا الله في سرِّكم وجهركم، واعلموا أن عليكم ملكين يصحبانكم طول دهركم، ويكتبان كل أعمالكم، فلا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم.

 

أيها المسلمون: إن أيام رمضان يجب أن تُعظَّم وتصان، وتُكرَّم ولا تُهان، فهل حبستم غرضكم فيها عن فضول الكلام والنظر؟! وكففتم جوارحكم عن اللهو والأشر؟! واستعددتم من الزاد ما يصلح للسفر؟! أم أنتم ممن تعرض في هذا الشهر للمساخط، وقارف المظالم والمساقط، وتاه بالدنيا وكأنه خُلق فيها لها، وسلك بنفسه طريق الهوى فأهلكها.

 

ألا فاحذروا أن يكون أحبَّ  أمريكم إليكم أزواهما بالمضرة عليكم، ولْتُحرس منكم في هذا الشهر العينان، وليحفظ فيه اللسان، ولتُمنع من الخُطا في الخَطأ القدمان، وذلك واجب في كل زمان، ويتعاظم في شهر رمضان، يقول سيد الأنام: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعام وشرابه"[أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-].

 

ويقول: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش"[أخرجه أحمد، وابن ماجة من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وصححه ابن خزيمة ووافقه الذهبي، وذكره الألباني في صحيح الترغيب].

 

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنه-: "إذا صُمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء"[أخرجه ابن المبارك في الزهد ، وابن أبي شيبة في المصنف ، والبيهقي في الشعب].

 

يا عبد الله: جدّ القوم وأنت قاعد، وقربوا وأنت متباعد، وقاموا وأنت راقد، وتذكروا وأنت شارد، إن قام العُبادُ لم تُرَ بينهم، وإن عُدَّ الصالحون فلست معهم، ترجو النجاة ببضاعة مزجاة، فلا صلاة ولا مناجاة، ولا توبة ولا مصافاة.

 

لقد باشر الصالحون ليالي رمضان بصفاح وجوههم، وقيام أبدانهم، خالف خوف الله بينهم وبين السُهاد، وأطار من أعينهم الرقاد، عيونهم من رهبة الله تدمع، قلوبهم من خوفه تلين وتخشع، يعبدونه في ظلمة الليل والناس ضُجَّع، قومٌ أبرار، ليسوا بأثمة ولا فُجار.

 

فيا من قضيت ليلك في معصية الخالق، وأضعت ليالي رمضان الشريفة في المحرمات والبوائق، يا لها من خسارة لا تشبهها خسارة، أن ترى أهل الإيمان واليقين، وركائب التائبين، وقوافل المستغفرين، قد حظوا في ساعات الليل بالقرب والزلفى والرضوان، وقد رُميت بالطرد والإبعاد والحرمان، استدرك من رمضان ذاهباً، ودع اللهو جانباً، والحق بالقافلة، وتقلب في منازل العبودية بين فرضٍ ونافلة، واجعل الحياة بطاعة ربك حافلة، وحافظ على التراويح والقيام، فيما تبقى من الأيام، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"[متفق عليه بلفظ: "من صام رمضان... ومن قام ليلة القدر... "[أخرجه البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وهو باللفظ الذي ذكره الخطيب عند أحمد، والنسائي، وقوله: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"[أخرجه البخاري ، ومسلم من حديث أبي هريرة].

 

وقال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة" [أخرجه أحمد، وأبو داود]

 

أيها المسلمون: شهر رمضان شهر التلاوة والقراءة، وتدبُّر آي الفرقان، بمدارسة معاني الألفاظ، والرجوع إلى أهل العلم من القراء والحفاظ، وضبط المحفوظ بالمعاهدة والتكرار، والإكثار والاستذكار آناء الليل والنهار، كما أمر بذلك النبي المختار بقوله: "استذكروا القرآن، فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم بعقلها"[أخرجه البخاري ، ومسلم واللفظ له، من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-].

 

وقوله: "تعاهدوا القرآن، فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها"[أخرجه البخاري ، ومسلم واللفظ له، من حديث أبي موسى -رضي الله عنه-].

 

وقوله: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعُقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت"[أخرجه البخاري ، ومسلم من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-].

 

وزاد مسلم في رواية: "وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه"[مسلم].

 

وقد قيل: ما تكرر تقرر، وما لم يتكرر تفرَّر.

 

أيها المسلمون: لقد شرفكم الله -تعالى- وتبارك بهذا الكتاب المبارك، فتدبروا آياته، وتفكروا في بيِّناته، وقفوا عند عظاته، وإياكم والهذ والبذّ، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: أن رجلاً قال له: إني لأقرأ المفصَّل في ركعة؟ فقال ابن مسعود: "هذًّا كهذّ الشعر؟! إن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع"[أخرجه مسلم].

 

وقال رضي الله عنه: "لا تهذوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدّقل، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة"[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ، والبيهقي في الشعب].

 

أيها المسلمون: لقد كان السلف الكرام -عليهم من الله الرضوان- يكثرون من ختم القرآن، فإذا جاء رمضان ازدادوا من ذلك لشرف الزمان.

 

وكان جبريل -عليه السلام- يلقى رسول الله في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن [البخاري].

 

وفي آخر عام من حياة سيد الأنام عارضه جبريل القرآن مرتين على التمام [أخرجه البخاري].

 

عباد الله: أصيخوا السمع لهذا المثل العظيم، من الجيل القرآني الفريد، لما نزل بعبد الله بن إدريس -رحمه الله تعالى- الموت بكت ابنته، فقال لها: "لا تبكين يا بنيه فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة"[أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد].

 

فما أروعه من جيل، وما أرشده من سبيل.

 

أمة الإسلام: هذا كتاب الله يُتلى بين أظهركم ويسمع، لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً يتصدّع، فهل سرنا على مناهجه المطهَّر؟! هل طبقناه في كل ورودٍ وقدر؟! هل حكمناه فيما بطن من أمورنا وظهر؟! إن كل شأن كبير أو صغير، وكل إحداث أو تغيير يتناقض مع الكتاب والسنة، فهو وبال على صاحبه، وحسرة على جالبه، وشرّ على طالبه، ولقد شاهدنا فيمن لم يحكِّم القرآن والسنة، شاهدنا فيهم من الآيات ما فيه مزدجر، وسمعنا فيهم من العقوبات والحوادث ما فيه معتبر، فخذوا بكتاب الله بقوة واعتزاز، ولا تشغلنكم الدنيا عن أداء المفروض، فإنها لا تساوي عند الله جناح بعوض: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)[المائدة: 44].

 

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[المائدة: 45].

 

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[المائدة: 47].

 

أيها المسلمون: شهر رمضان شهر العتق من النيران، شهر فكاك الرقاب من دار الشقاء والحرمان، والخذلان والهوان؛ فعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لله -عز وجل- عند كل فطر عتقاء" [أخرجه أحمد والطبراني في الكبير]

 

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن لله - تبارك وتعالى- عتقاء في كل يوم وليلة" يعني في رمضان[أخرجه أحمد وصححه الألباني في صحيح الترغيب].

 

فاجتهدوا -يا رعاكم الله- ما استطعتم في إعتاق رقابكم، وفكاك أبدانكم، وشراء أنفسكم من الله -جل جلاله-.

 

أيها المسلمون: هذا أوان التوبة والاستغفار، والأوبة والانكسار، والتضرع والافتقار، هذا زمان إقالة العثار، وغفران الأوزار، هذا شهر الإنابة، هذا رمضان الإجابة من الكريم لمن طرق بابه، يقول الله في كتابه العظيم، وكلامه البليغ الوجيز: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً)[التحريم: 8].

 

اقصدوا باب التوبة تجدوه مفتوحاً، وابذلوا ثمن الجنة بدنا وروحاً، وأقبلوا على الله ما دام الأجل مفسوحاً.

 

يا عبد الله: لو بلغت ذنوبكم كثرةً عنان السماء، وما انتهى إليه البصر من الفضاء، حتى فاتت العد والإحصاء، لو بلغت ذلك تُبْ ولا تتردد، فإن الله يتوب على التائب، ويغفر زلل الآيب، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي: "قال الله -تعالى-: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة"[أخرجه الترمذي من حديث أنس -رضي الله عنه-، وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم : "إسناده لا بأس به"، وحسنه الألباني في الصحيحة (127)].

 

وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها"[أخرجه مسلم(2759)].

 

أيها المسلمون: بالثناء على الله، والإقرار بالذنب والاعتراف، والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العود يمحو الله الاقتراف، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فبادروا بالمتاب قبل أن يحلّ الموت بجوالبه، ويتمكن منكم بمخالبه، فيومئذ لا يمد لكم في الأجل، وما فات منكم لا عِوض عنه ولا بدل، ولا تنفع يومئذ الغِلَل ولا الحِيَل.

 

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فهيما من الآيات والحكمة.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119].

 

أيها المسلمون: الاعتكاف أمر مسنون، كثير الفوائد، عظيم المقاصد، مقصوده الأعظم قطع العلائق عن الخلائق، وإقبال العبد على الخالق، له تأثير في النفس وتأديب، وإصلاح للقلب وتهذيب، يتأكد في العشر الأخيرة، التماساً لليلة القديرة، تقول عائشة -رضي الله عنها-: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله -عز وجل-، ثم اعتكف أزواجه من بعده"[البخاري ومسلم].

 

ويقول الإمام الزهري -رحمه الله تعالى-: "عجباً للمسلمين، تركوا الاعتكاف مع أن النبي ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله -عز وجل-"[عزاه ابن حجر في فتح الباري لابن المنذر].

 

أيها المسلمون: اعرفوا للاعتكاف أحكامه، واحفظوا للمسجد المعتكَف فيه آدابه واحترامه، ومن نوى منكم الاعتكاف فليدخل المعتكف قبل غروب شمس ليلة الواحد والعشرين، كما هو عليه جمهور السلف.

 

أيها المسلمون: إن لكم إخواناً في العقيدة والدين، أصابتهم البأساء والضراء، والبلاء واللأواء، وأريقت منهم الدماء، وتكالب عليهم الأعداء، وأذاقوهم صنوف التقتيل، وألوان التعذيب والتنكيل، لم يرحموا شيخاً لضعف بدنه وأوصاله، ولا مريضاً لمرضه وهُزاله، ولا رجلاً من أجل عياله، لم يرحموا طفلاً لقلة حاله، ولا امرأة تذرف الدمع لعظم المصاب وأهواله، فارفعوا أكفَّ الضراعة، وتوسلوا إلى الله بألوان الطاعة، أن يرحم إخوانكم المستضعفين المشردين في كل مكان، وأن يمكنهم من القوم الكافرين، يقول رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم-: "إن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوةً مستجابة".

 

و"ليس شيء أكرم على الله -عز وجل- من الدعاء"[أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي].

 

و"أعجز الناس من عجز عن الدعاء"[أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وأورده الألباني في صحيح الترغيب]. و"لا يرد القدر إلا الدعاء"[أخرجه ابن ماجة وحسنه الألباني في الصحيحة].

 

أيها المسلمون: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وإنسه، فقال قولاً كريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً)[الأحزاب: 56].

 

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد...

 

 

 

 

المرفقات

القوم بانتصاف شهر الصوم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات