نصرة سيد الأبرار

محمد ابراهيم السبر

2020-11-09 - 1442/03/23
عناصر الخطبة
1/عظم مقام النبوة 2/تعرض النبي -عليه الصلاة والسلام- لأصناف الأذى 3/سخرية رئيس فرنسا بالنبي وسببه 4/محبة الرسول عقيدة راسخة في قلوب المؤمنين 5/واجب المسلمين تجاه السخرية بنبيهم 6/مقترحات عملية في نصرة النبي.

اقتباس

هذه الأحــداث وردودها التي عمت، ستثير فضول الكثيرين من غير المسلمين؛ لمعرفة حقيقة الرسول -عليه الصلاة والسلام-, ففي سابق هجماتهم وسبهم؛ يُهرع الكثير منهم للقراءة في القرآن الكريم والسيرة العطرة, فاستهزاء أبي جهل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان سببا في إسلام حمزة بن عبد المطلب...

الْخُطبَةُ الْأُولَى:

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وأشهد أن لا إله إلا الله أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، معلم البشرية وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، والمؤيد بجبريل، صلى الله وسلم عليه؛ كلما تضوع مسكٌ وفاح، وكلما غرد حمامٌ وناح، وكلما شدا بلبلٌ وصاح، وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

 

عباد الله: لا زالت صور الإساءة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تتوالى في قوالب شتى, وألوان متعددة, ولعل آخرها ما قاله مراهق برتبة رئيس دولة, شرق بالإسلام في بلده, وضاق ذرعا بانتشاره؛ فبات يخرج قيء صدره, وسموم حقده، ومن هنا كانت هذه الخطبة؛ دفاعا عن النبي المصطفى, والرسول المجتبى, وقياما بأقل واجبه علينا.

 

عباد الله: إنَّ من المتقرر أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي هو رسول الله حقا وصدقا، وخاتم النبيين، لا نبي بعده، وأفضل الرسل، وأزكى البشر، وحرمته -عليه الصلاة والسلام- أعظم الحرمات، ومحبته دين, وانتقاصه كفر، ومن تعرّض له بسوء خاب وخسر؛ (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا)[الأحزاب: 57].

 

وما فعله رئيس فرنسا هو جزء من حملة ظالمة آثمة مسعورة؛ موجهة على نبي الإسلام ورسالته، تأتي امتدادا لحملات من التشويه والإساءات المستمرة, فمنذ أن أشرق نوره الوضاء وفي سنوات بعثته الأولى وقبل هجرته؛ تعرض -صلى الله عليه وسلم- لأصناف من الناس يعادونه، ولصنوف من البلاء، وصف بالساحر والكاهن, والكذاب والشاعر والمجنون، ويستهزأ بأصحابه وأتباعه، ومع ذلك يلاقيها بصبر وثبات، وحكمة وعمل.

 

ولما هاجر للمدينة ظهر خصوم جدد, ونوع من العداوة عجيب؛ فالمنافقون أسروا العداوة, وسعوا في التحريش والتخذيل, ناهيك عن حسد وبغضاء أهل الكتاب من اليهود، الذين واجهوه بالعداء والدسائس ونقض العهود؛ لما اختاره الله وبعثه بالهدى ودين الحق، ولما علم أهل النفاق منزلة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لديه بين سائر نسائه, فخاضوا في عرضه الشريف -عليه الصلاة والسلام-, ومات متأثراً بطعام صنعته يهودية من يهود المدينة.

 

ثم حصلت فتنة الردة ومنع الزكاة بعد وفاته، وظهر أدعياء النبوة يطلبون الزعامة والمكانة، وتستمر صور العداء والإيذاء وإذكاء روح الشر, وعدم الرضا التي قال الله عنها: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[البقرة: 120].

 

معاشر المسلمين: قال -تعالى-: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)[الحجر: 95], إن الله -تعالى- حمي سُمعة رسوله محمد -عليه الصلاة والسلام-، وصان عرضه ورفع ذكره، وصرف عنه أذى الناس, وشتمهم بكل طريق، حتى في اللفظ, قال -صلى الله عليه وسلم-: "ألا ترون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنَهم؟! يشتمـــون مُذمَّماً، ويلعنون مُذمَّماً، وأنا محمد"(رواه البخاري).

 

إنّ رئيس فرنسا وأمثاله من الساخرين ومن قبله من المتهكمين, يعلم أن الذي يدخلون في دين الإسلام في ازدياد وتنامٍ, على الرّغم من كل الظروف وحملات التشويه للإسلام؛ بل والتهديد في تبادل للأدوار بين أعداء الإسلام، وتشكيك في بعض شعائر الإسلام؛ كالصلاة, والحجاب, والتعدد, والطلاق, والحدود، وتعددت صور الحرب والعداء على الإسلام بامتهان القرآن, والسخرية بنبي الإسلام، قال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)[الأنعام: 112].

 

وهذه نماذج غيض من فيض للسخرية والاستهزاء الذي تعرض له مقام رسول الله في القديم والحديث، وإن من صور العداء والنكير على الإسلام وأهله ذلك الدور المشين الذي يقوم به منافقو كل زمان ومكان؛ في التشكيك في الثوابت والطعن في الدين.

 

عباد الله: إن محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- عقيدة راسخة في قلوب المؤمنين، ثمرتها الاقتداء والبذل والعطاء والتضحية؛ في سبيل نصرة دينه, وإعلاء لوائه, وحماية سنته، وهذا الحب الصادق العميق ليس حباً ادعائياً، ولا عاطفة مجردة، ولكنه حبٌ برهانه الاتباع والطاعة, والانقياد والاستسلام، وأيّ فصل بين الحب والاتباع فهو انحراف في الفهم وانحراف في المنهج, الحب الصادق يقود إلى الاتباع، والاتباع الصحيح يذكي مشاعر الحب, فهذه الأحداث تملي علينا تعميق الإتباع والاقتداء.

 

وإن الهجوم على نبيّ الإسلام لا يزيد الدين وأهله إلا صلابة وثباتاً, وانتشاراً وظهوراً، وفي كتاب ربنا مصداق ذلك؛ (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)[الفتح: 28].

 

إن ما رأيناه وما سمعناه من تفاعل المسلمين في كل مكان؛ ليدل على الوحدة الشعورية بين المسلمين، وأنه لا عز ولا فلاح للمسلمين إلا بمحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباعه, والاهتداء بهديه، وبهذه الوحدة الروحية يعرف القاصي والداني أهمية الوحدة للمسلمين, وأثرها في الواقع العالمي.

 

عباد الله: إنَّ المسلمين يحترمون جميع المرسلين النبيين ويوقّرونهم؛ (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)[البقرة: 285], وديننا يحرّم كل انتقاص أو تكذيب لأيّ نبي من أنبياء الله ورسله؛ بل لقد نُهي المسلمون عن التعرض لآلهة المشركين؛ حفاظاً على الحق, وحماية لجناب الله -عزّ شأنه-، ففي محكم التنزيل: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)[الأنعام: 108].

 

إن هذه الحملات لا تعني أن نغير ديننا إلى دين سباب وشتائم, أو فعل لم يأذن به الله؛ بل هو دين الخلق الرفيع والعدل والإنصاف، والواجب على المسلمين أن يبينوا دينهم؛ كما أنزل على محمد -عليه الصلاة والسلام-، وهي دعوة لكل منصف وطالب للحقيقة: أن يقرأ الدين الإسلامي من مصادره، وذلك بالاطلاع على السيرة النبوية، فهي محفوظة ومدوّنة تدويناً وتوثيقاً، لا يدانيه توثيق، ولا يقاربه تحقيق.

 

إن هذه السخرية والاستخفاف لهي سبب من أسباب النصر المعنوي والحسي؛ إذ جعلت القلوب تستيقظ, والأرواح تتلاحم وتتآزر، وتعرف حقيقة العدو، وستجعل فاصلاً واضحاً بين المسلم الحق وبين المتلبس بالإسلام، والإسلام منه براء!.

 

إن هذه الأحــداث وردودها التي عمت، ستثير فضول الكثيرين من غير المسلمين؛ لمعرفة حقيقة الرسول -عليه الصلاة والسلام-, ففي سابق هجماتهم وسبهم يُهرع الكثير منهم للقراءة في القرآن الكريم والسيرة العطرة, فاستهزاء أبي جهل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان سببا في إسلام حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه-, أسد الله وأسد رسوله.

 

فدورنا الأخذ بزمام المبادرة بنشر سيرته الصافية؛ فهذا أمر يفرضه الدين ويتطلبه الواقع، فالذب عنه فريضة, قال -تعالى-: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الأعراف: 157]؛ فعلق الفلاح بالنصرة، فمـن لم ينصره فليس من المفلحين.

من حقوق النبي -صلى الله عليه وسلم- على المسلمين: الدفاع عنه بما يستطاع, وفق ما تتطلبه الحال، والذود عنه بحكمة وعلم وروية، والتحلي باليقظة والوعي لما يتعرّض له دينهم وأوطانهم من تهديدات ومخاطر، وألا يستجيبوا لاستفزازات المتعصبين، ولتكن مواقفهم محسوبة، مع حُسن تقدير للعواقب والمألات؛ (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[يوسف: 21].

 

اللهم اكفنا شر الأشرار، وأبطل كيد الكافرين والفجار، واجعلنا من أنصار سيد الأبرار, واغفر لنا يا غفار.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى, والصلاة والسلام على الرسول المصطفى.

 

وبعد: فاتقوا الله -عباد الله- وانصروا رسولكم، وعزروه ووقروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه؛ تفوزوا وتفلحوا، واعملوا بحقوقه عليكم؛ بالتمسك بسنته، والاهتداءُ بهديه، والتخلٌّق بأخلاقه، والتحلّي بشمائله، وعلموا أولادكم سيرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وقراءتها, والاستفادة منها واقعا عمليا في المنهج والسلوك.

 

اللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد, صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والضياء الأقمر، والشفيع المشفَّع يوم المحشر، وعلى آله وصحبه السادة الغرر.

المرفقات

نصرة-سيد-الأبرار.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات