من صفات الله: الحياء

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2019-06-25 - 1440/10/22
عناصر الخطبة
1/ الحياء من صفات الله والأدلة على ذلك 2/ منهج أهل السنة في إثبات الصفات 3/ اتصاف المسلم بصفة الحياء 4/ الحياء في حق العبد له أوجه ثلاثة 5/ من ثمار خلق الحياء.

اقتباس

والحياء خلق يبعث على ترك القبيح وعدم التقصير في حق الله ومراقبته، وهو أن تخجل النفس من فعل كل ما يعيبها وينقص من قدرها ومروءتها، وهو من الأخلاق الرفيعة التي أمر بها الإسلام وأقرها ورغب فيها, وقد...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

عباد الله: إن من أعظم ثمرات الإيمان بصفات الله -عَزَّ وجَلَّ-، أن العبد يسعى إلى الاتصاف والتحلِّي بها على ما يليق به؛ لأنه من المعلوم عند أرباب العقول أن المحب يحب أن يتصف بصفات محبوبه, كما أن المحبوب يحب أن يتحلَّى مُحِبُّهُ بصفاته, فهذا يدعو العبد المحب لأن يتصف بصفات محبوبه ومعبوده كلٌّ على ما يليق به, فالله كريم يحب الكرماء, رحيم يحب الرحماء, رفيق يحب الرفـق، حيي يحب أهل الحياء، فإذا علم العبد ذلك سعى إلى التحلي بصفات الكرم والرحمة والرفق والحياء، وهكذا في سائر الصفات التي يحب الله -تعالى- أن يتحلَّى بها العبد على ما يليق بذات العبد.

 

وسنقف مع صفة من صفات الله، ألا وهي صفة الاستحياء، وهي صفاتٌ حقيقيةٌ يُوصَفُ بها ربُّنا -سبحانَه- على ما يَلِيقُ به، ولا يَلْزَمُ مِن إثباتِها ووصفِه بها تشبيهُه بالمخلوقاتِ ولا تمثيلُه بها؛ فاستحياؤُه -سبحانَه- ليس كاستحياءِ المخلوقين، الذي هو تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الشخصَ عند خوفِ ما يُعابُ أو يُذَمُّ.

 

والقولُ في صفةِ الاستحياءِ كالقولِ في سائرِ الصفاتِ ممَّا أَثْبَتَهُ اللهُ لنَفْسِه في كتابِه أو أَثْبَتَهُ له رسولُه -صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم- بالسنَّة الصحيحة مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ؛ لأنه لا أحَدَ أَعْلَمُ باللهِ مِن نَفْسِه، ولا مخلوقَ أَعْلَمُ بخالِقِه مِن رسولِه -صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم-؛ لذلك كان المُعْتَقَدُ الصحيحُ هو الإثباتَ مع نفيِ مُماثَلةِ المخلوقاتِ؛ جريًا على قاعدةِ الإثباتِ والتنزيهِ؛ فقولُه -تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١], ردٌّ على المشبِّهة، وقولُه -تعالى-: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: ١١] ردٌّ على المعطِّلة.

 

من أدلة القرآن على صفة الاستحياء, قال -تعالى-: (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) [البقرة: 26], وقال -سبحانه-: (وَاللهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ) [الأحزاب: 53].

 

ومن السنة: حديث أبي واقد الليثي -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل نفر ثلاثة؛ فأقبل اثنان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذهب واحد, قال: فوقفا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها, وأما الآخر فجلس خلفهم, وأما الثالث فأدبر ذاهبا, فلما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؛ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله, وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه, وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" (رواه مسلم).

 

قال الشيخ ابن عثيمين في شرحه لحديث أبي واقد الليثي: "في هذا الحديث إثبات الحياء لله -عزَّ وجلَّ- ولكنه ليس كحياء المخلوقين، بل هو حياء الكمال يليق بالله -عزَّ وجلَّ-، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله حيي كريم", وقال الله -تعالى-: (وَاللهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ), والله -سبحانه- يوصف بهذه الصفة لكن ليس مثل المخلوقين".

 

وعن سلـمان -رضي الله عنه- قال: قـال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أنَّ يردهما صفراً خائبتين" (صحيح الجامع), وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله -عز وجل- حليم، حيي ستير يحب الحياء والستر, فإذا اغتسل أحدكم فليستتر" (صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود).

 

قال الإمام ابن القيم: "وأما حياء الرب -تعالى- من عبده فذاك نوع آخر، لا تدركه الأفهام، ولا تكتنفه العقول، فإنه حياء كرم وبرٍّ وجود وجلال، فإنه -تبارك وتعالى- حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا، ويستحي أن يعذّب ذا شيبة شابت في الإسلام". نعم الحياء صفة من صفاته -تعالى-، وصفاته -تعالى- كلها صفات كمال، منزهة عن أي وضعف ونقصان.

 

وقال أيضاً:

وهو الحييُّ فليسَ يفضحُ عبده *** عنـدَ التجـاهُرِ منهُ بالعصـــيانِ

لكنَّهُ يُلقِي علـيه سِــترهُ *** فَهو السِّتِيرُ وصـاحب الغفرانِ

 

معاشر المسلمين: فإذا كان الله يستحيي من هتك عبده وفضيحته وإحلال العقوبة به, ويستحيي -سبحانه- أن يرد من يمد إليه يديه, فإنه جدير بالمسلم أن يتخلق بخلق الحياء، فالحياء خلقٌ من أخلاق العظماء وهو خلق الإسلام الأول, قال -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ لكل دين خُلقاً، وخلق الإسلام الحياء" (موطأ مالك، وسنن ابن ماجه).

 

والحياء خلق يبعث على ترك القبيح وعدم التقصير في حق الله ومراقبته، وهو أن تخجل النفس من فعل كل ما يعيبها وينقص من قدرها ومروءتها، وهو من الأخلاق الرفيعة التي أمر بها الإسلام وأقرها ورغب فيها, وقد جاء في الصحيحين قال -صلى الله عليه وسلم-: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"، وهو خُلق توارثته النبوات وأمر به الأنبياء ووصى به العظماء, قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن مما أدرك الناسَ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (البخاري).

 

وجاء سَعِيدِ بن يَزِيدَ الأَزْدِيِّ ذات يوم فقَالَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أَوْصِنِي، قَالَ: "أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وجَلَّ- كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ" (صححه الألباني).

 

قال عمر -رضي الله عنه-: "من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه", ولما احتضر الأسود بن يزيد بكى فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: "ما لي لا أجزع؟! ومن أحق بذلك مني.. والله لو أُتيت بالمغفرة من الله -عز وجل- لأهمني الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه، ولا يزال مستحييًا منه", وقال مجاهد في قوله -تعالى-: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:46]، هو الرجل يخلو بمعصية الله فيذكر مقام الله فيدعها فرقًا من الله.

 

إذا ما خلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحِي من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني

 

والحياء مقرونٌ بالإيمان وملازمٌ للمؤمن كظله، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر قال -صلى الله عليه وسلم-: "الحياء والإيمان قُرنا جميعاً، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر" (رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين), وقد جاء في الأثر: "إن الله -تعالى- إذا أبغض عبداً نزع منه الحياء؛ فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا بغيضاً مبغضاً".

 

أيها الناس: فما أجمل أن يكون لنا من الحياء السياج الذي يحفظ علينا نور الإيمان، ويلبسنا ثوب التقى والطهر والعفاف، ونكون به بين الناس مبعث نور، ومصدر برّ ومنار هدى، تتميز به شخصيتنا، وتظهر من خلاله ملامح عزتنا وكرامتنا.

 

لما دخل أبو حامد الخلقاني على الإمام أحمد بن حنبل فأنشده هذه الأبيات:

إذا ما قال لي ربي *** أما استحييت تعصيني

وتخفي الذنب من خلقي *** وبالعصيان تأتيني

فما قولي له لما *** يعاتبني ويقصيني

 

فأمره الإمام أحمد بإعادتها، فأعادها عليه، فدخل الإمام أحمد داره وجعل يرددها وهو يبكي.

 

وهذا الفضيل بن عياض وقف يوم عرفة يدعو, فبكى بكاءاً شديداً لم يستطع الدعاء, حتى كادت الشمس أن تغرب، فرفع رأسه إلى السماء وقال: "واحياءاً منك وإن غفرت، واسوأتاه منك وإن عفوت".

 

عباد الله: والحياء في حق العبد له أوجه ثلاثة, قال الماوردي: "اعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: حياؤه من الله -تعالى-, والثاني: حياؤه من الناس, والثالث: حياؤه من نفسه؛ فأما حياؤه من الله -تعالى- فيكون بامتثال أوامره, والكفَّ عن زواجره، وأما حياؤه من الناس فيكون بكفّ الأذى وترك المجاهرة بالقبيح، وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعِفّة وصيانة الخَلَوات، فمتى كمُل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة, فقد كمُلت فيه أسباب الخير, وانْتَفت عنه أسباب الشّر, وصار بالفضل مشهوراً, وبالجميل مذكوراً ".

 

قلت ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه.

 

 

الخطــبة الثانـية:

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

أيها المؤمنون: إن من رحمته -سبحانه- وكرمه، وكماله وحلمه, أن العبد يجاهره بالمعاصي مع فقره الشديد إليه، حتى أنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه، والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحيي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به، فيستره بما يقيِّض له من أسباب الستر، ويعفو عنه ويغفر له، فهو يتحبب إلى عباده بالنعم وهم يتبغّضون إليه بالمعاصي، خيره إليهم بعدد اللحظات وشرهم إليه صاعد، ولا يزال الملك الكريم يصعد إليه منهم بالمعاصي وكل قبيح, فأين الحياء من الله في حياتنا؟!.

 

أيها المسلمون: إن من ثمار خلق الحياء أنه يمنع صاحبه من فعل المنكرات وارتكاب الموبقات، وبه تنال الدرجات، وهو عنوان على صدق الإيمان وقوة الأخلاق، وبه تتنزل الرحمات.

 

ومن ثماره: أنه يؤلف بين القلوب, والحياء يعصم الدماء، ويحفظ الأعراض؛ لأنه يولد الخوف من الله, وتذكر عواقب الخسارة في الدنيا والآخرة.

 

والحياء يحفظ جميع الأخلاق ويحرسها في نفس المسلم فتستقيم حياته, والحياء يبث في النفوس استشعار المسؤولية تجاه النفس والدين والأولاد والوظيفة والأوطان, ومن أحبه الله رزقه الحياء.

 

إننا مطالبون أن نثبت لله صفة الاستحياء، كما وصف نفسه, ووصفه رسوله -صلى الله عليه وسلم-، دون تشبيه أو تكييف أو تعطيل, وإننا مطالبون كذلك أن نتخلق بخلق الحياء؛ لنزكي به نفوسنا ونربي عليه أبناءنا، وننشره في بيوتنا ومجتمعاتنا وهو خلق مطلوب في الرجل والمرأة والصغير والكبير والحاكم والمحكوم.

 

فنسأل الله أن برزقنا هذا الخلق, وأن يجود علينا بفضله وكرمه, وأن يهدينا لأحسن الأخلاق وأن يصرف عنا سيئها.

 

وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه؛ فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

 

المرفقات

من-صفات-الله-الحياء.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات