من أشراط الساعة الكبرى: خروج يأجوج ومأجوج

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2019-06-09 - 1440/10/06
عناصر الخطبة
1/حقيقة يأجوج ومأجوج ووجوب الإيمان بوجودهم وخروجهم 2/بيان القرآن للسَّدِّ المانع من خروجهم 3/من صفاتهم وأعمالهم وفتنهم ووقت خروجهم 4/استمرار إقامة شعائر الإسلام والتدين بعد خروجهم وهلاكهم.

اقتباس

أيها المسلمون: لا نريد أن تدخل الخرافات إلى عقيدتنا وتصوراتنا، بأن ننظر إلى قوم يأجوج ومأجوج على أنهم كائنات غريبة، وليسوا من البشر وغير ذلك من التكهنات؛ بل اعتقادنا الصحيح: أن يأجوج ومأجوج هم...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أما بعد:

 

عباد الله: إن الإيمان بالغيبيات يُعدّ من مفاصل الإيمان التي تميز المؤمن عن غيره من الماديين والملحدين، وهو امتحان الله لعباده أيصدقون بتلك الغيبيات أم يكذبون، وعليها مدار صحة الاعتقاد، ولذلك جعلها الله تعالى من أولى صفات المتقين في مطلع كتابه العظيم، إذ يقول سبحانه: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)[البقرة:1-3].

 

والمؤمنون -يا عباد الله- يصدقون بكل ما أخبر به الوحي في القرآن الكريم والسنة النبوية من أمور الغيب؛ كأشراط الساعة والجنة والنار، يقينًا منهم بصدق الوحي الذي أوحاه ربهم سبحانه إلى نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-. وبما أن الساعة وأشراطها من الغيبيات فلا بد من التثبت من صحة الروايات، فلا يعتمد إلا النص الشرعي الثابت.

 

أيها المسلمون: إن من أشراط الساعة الكبرى ذات الوقع الفاتن والمدمر والكارثي في الأرض وعلى البشرية عامة، خروج قوم يأجوج ومأجوج، وهو أمر ثابت في القرآن والسنة، قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ)[الأنبياء:96].

 

قال الشوكاني في فتح القدير: "حتى هذه هي التي يحكى بعدها الكلام، ويأجوج ومأجوج قبيلتان من الإنس، والمراد بفتح يأجوج ومأجوج فتح السدّ الذي عليهم، (وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) الضمير ليأجوج ومأجوج، والحدب: كلّ أكمة من الأرض مرتفعة، ومعنى (يَنسِلُونَ) يسرعون، وقيل: يخرجون"، وقال تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)[الكهف:94].

 

وفي السنة النبوية، قال النبي -صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري-: "فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ"، وقوله -صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح في سنن أبي داود-: "لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ قَبْلَهَا عَشْرُ آيَاتٍ -وذكر منها- وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ".

 

عباد الله: من هنا يجب علينا أن نصدق تصديقًا جازمًا بخروج هؤلاء القوم في آخر الزمان، وأنهم من علامات الساعة الكبرى، وألا نستبعد ذلك بالعقل؛ بل المسلم يستسلم لخبر الوحي ويعتقد به اعتقادًا جازمًا، وهذا من علامات صدق العقيدة، قال ابن قدامة: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحّ به النقل فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وما جهلناه، ولم نطّلع على حقيقة معناه، ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج يأجوج ومأجوج".

وقال القاضي عياض: "هذه الأخبار على حقيقتها يجب الإيمان بها؛ لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة".

 

أيها المسلمون: لا نريد أن تدخل الخرافات إلى عقيدتنا وتصوراتنا بأن ننظر إلى قوم يأجوج ومأجوج على أنهم كائنات غريبة، وليسوا من البشر وغير ذلك من التكهنات؛ بل اعتقادنا الصحيح أن يأجوج ومأجوج هم من البشر كما تقدم من كلام الشوكاني في ذلك وكما يفهم ذلك من كل النصوص الشرعية، وفي صحيح البخاري، قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ أُرَاهُ قَالَ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ"؛ فالنص وضّح أن يأجوج ومأجوج هم من ذرية آدم.

 

أيها المسلمون: إن نبينا وحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- من عظيم رحمته بأمته وحرصه عليها أنذرهم خطر يأجوج ومأجوج، واعتبرهم شرًّا وبيلاً على أمته، وأنّ أمرهم قد اقترب؛ ففي صحيح البخاري عن زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عَنْها أَنَّ النَّبِيَّ  -صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: "لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا".

 

أيها المسلمون: من أخبار قوم يأجوج ومأجوج الماضية التي وقعت لهم قيام ذو القرنين ببناء سدّ قويّ صلب يحول بينهم وبين الخروج على الناس حتى يأذن الله بذلك، وهذا دليل على وجودهم وبشريتهم، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ)[الكهف:93-97].

 

قال السعدي: "وجدها -ذو القرنين- تطلع على أناس ليس لهم ستر من الشمس؛ إما لعدم استعدادهم في المساكن، وذلك لزيادة همجيتهم وتوحشهم، وعدم تمدنهم، وإما لكون الشمس دائمة عندهم، لا تغرب عنهم غروبا يذكر، ووجد قومًا لا يكادون يفقهون قولاً لعجمة ألسنتهم، واستعجام أذهانهم وقلوبهم، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج، وهما أمّتان عظيمتان من بني آدم، فأجاب طلبتهم. وقال لهم: إنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)؛ أي: مانعا من عبورهم عليكم -فشيد لهم السّدّ- فاستحكم السّدّ استحكامًا هائلاً وامتنع به من وراءه من الناس، من ضرر يأجوج ومأجوج. (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا)؛ أي: فما لهم استطاعة، ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه، ولا على نقبه لإحكامه. (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي)؛ أي: لخروج يأجوج ومأجوج، (جَعَلَهُ) أي: ذلك السد المحكم المتقن، (دَكَّاءَ) أي: دَكّه فانهدم، واستوى هو والأرض. (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) يحتمل أن الضمير يعود إلى يأجوج ومأجوج، وأنهم إذا خرجوا على الناس -من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها- يموج بعضهم ببعض".

 

وهذا دليل من القرآن على الوجود الحقيقي لقوم يأجوج ومأجوج منذ أزمان بعيدة جدًّا، وأنهم ممنوعون بإعجاز الله لهم على هدم السدّ، وأن هدمهم للسدّ أمر كائن لا محالة، وأن خروجهم من ورائه حقيقة لا مفر منها؛ أجار الله المسلمين آنذاك من شرورهم.

 

أيها المسلمون: لقد بينت لنا السنة النبوية جانبًا من صفاتهم وقوة فتنتهم وأن فترة خروجهم سترافق نزول عيسى -عليه السلام- آخر الزمان؛ فلنستمع إلى كلام النبوة ولنمعن النظر فيه؛ ففي صحيح مسلم، من حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ وفيه أن رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ -عيسى يحدث المؤمنين بعد قتله للدجال- إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى إِنِّى قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِى لاَ يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِى إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ. وَيُحْصَرُ نَبِىُّ اللهُ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِىُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهُمُ النَّغَفَ -دود- فِى رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى -موتى- كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِىُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ فَلاَ يَجِدُونَ فِى الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُمْ -ريحهم المنتة- وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِىُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللهِ فَيُرْسِلُ اللهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللهُ".

 

نعم -يا عباد الله- إنهم فتنة عمياء وشرّ مستطير، وفتنة ماحقة، لا يسلم منها إلا من سلمه الله، وقد جاء في السنن والمستدرك وصححه أهل العلم، من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ  -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "تُفْتَحُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ فَيَخْرُجُونَ، فَيَعُمُّونَ الأَرْضَ، وَيَنْحَازُ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى تَصِيرَ بَقِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَدَائِنِهِمْ وَحُصُونِهِمْ، وَيَضُمُّونَ إِلَيْهِمْ مَوَاشِيَهُمْ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَمُرُّونَ بِالنَّهَرِ فَيَشْرَبُونَهُ، حَتَّى مَا يَذَرُونَ فِيهِ شَيْئًا، فَيَمُرُّ آخِرُهُمْ عَلَى أَثَرِهِمْ، فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: لَقَدْ كَانَ بِهَذَا الْمَكَانِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيَظْهَرُونَ عَلَى الأَرْضِ فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: هَؤُلاَءِ أَهْلُ الأَرْضِ، قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُمْ، وَلَنُنَازِلَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَهُزُّ حَرْبَتَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بِالدَّمِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَتَلْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ؛ إِذْ بَعَثَ اللهُ دَوَابَّ كَنَغَفِ الْجَرَادِ، فَتَأْخُذُ بِأَعْنَاقِهِمْ فَيَمُوتُونَ، مَوْتَ الْجَرَادِ".

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

عباد الله: إن هذه الأحاديث تدل على كثرة قوم يأجوج ومأجوج وقوة بأسهم، وأنهم لا ينازلون من قِبَل البشر، وأنهم يهلكون الحرث والنسل، وأنهم مغترون بقوتهم لدرجة أنهم يفكرون بالتخلص من سكان السماء، وفي الأحاديث كذلك توجيه عظيم للمؤمنين وهو اللجوء إلى الله تعالى والرغبة إليه والتوسل إليه سبحانه والاعتصام به، وشدة الطلب منه؛ للتخلص من الأشرار والفتن والضلالات والمفسدين والطغاة الغلاظ العتاة، وأن المؤمن يشكر الله على نعمة النجاة من الفتن والمحن والبدع والظلم والعدوان.

 

أيها المؤمنون: ما إن تنقضي فتنة يأجوج ومأجوجهم وتخريبهم للأرض ومن عليها إلا ما شاء ربك، حتى تعود الحياة إليها من جديد ممتلئة بروح الإيمان والعبادة والبركات؛ ففي صحيح البخاري، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ".

 

وبعد أن يهلك الله يأجوج ومأجوج بدعوة نبي الله عيسى -عليه السلام- ومن معه، وتنقل الطيور جثثهم، يطهر الله الأرض منهم وتعم الخيرات؛ ففي صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: "ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ مَطَرًا لاَ يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ-المرآة- ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّى بَرَكَتَكِ".

 

وهذا درس عظيم لكل من ييأس من المؤمنين حينما يرى تسلطًا من أعداء الأمة عليها، وحينما يرى طغاة الأرض يعيثون دمارًا في ديار المؤمنين، أنه لا يأس ولا قنوط من رحمة الله ونصره لعباده المتقين، وأن أمر الدين ماضٍ -بإذن الله- إلى يوم القيامة، وأن سنن الله تعالى لا بد أن تنفذ في إحقاق الحق ونصرة أهله، وإبطال الباطل وإهلاك دعاته؛ فهؤلاء قوم يأجوج ومأجوج لم يكن باستطاعة أي قوة في الأرض أن تقف في وجههم، ثم بفضل استجابة الله لدعوات الصالحين، وإجرائه سننه الإلهية في الخلق، أهلكهم واستأصل شأفتهم بحشرات صغيرة هي الدود؛ ليعلم كل متكبر ومتغطرس أن قوة الله أشد بطشًا من قوته، وأن الله مخزي القتلة الفجرة ومهلكم هلاكًا فيه ذلهم وصغارهم.

 

اللهم اجعل أعمالنا صالحة واجعلها لوجهك خالصة.

 

وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

 

المرفقات

من أشراط الساعة الكبرى خروج يأجوج ومأجوج

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات