مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج .. دروس وعبر

عبد الله بن علي الطريف

2017-02-20 - 1438/05/23
عناصر الخطبة
1/ تجرؤ الخوارج على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكريم 2/ تأملات في مناظرة ابن عباس للخوارج 3/ وجوب التحذير من فكر الخوارج ومدافعته.

اقتباس

إن التعرف على أصل الفكر الضال، وطريقة تفكير معتنقيه يعيننا على تجنبهم، ويجعلنا أكثر حذراً من الانسياق وراء الشبه التي يوردون، ولا تقل أنا لدي القدرة والمعرفة ولن يؤثروا عليَّ، فلا تدري ربما لبسوا عليك وغيروا قناعاتك، لذا فإني أدعو كل مسلم لتجنب سماع أطروحاتهم، ودخول مواقعهم الالكترونية أو مطالعة ما ينشرونه من مقاطع فيديو أو كلمات، إلا من لديه القدرة على رد شبههم وقليل ما هم، فكم من شبابنا سمع لهم وظن أنهم لن يؤثروا عليه، وما شعرنا إلا وقد انخرط في تنظيماتهم وهجر الأهل والوطن..

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله...

 

أيها الإخوة: منذ خرجَ أولُ رجلٍ يعترضُ على قَسْمِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما أفاء الله عليه، مع أنَّ الله تعالى أقسم بأن ما يفعله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تشريع فقال: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم:2،4] ويلزم من ذلك أن يكون مهتديًا في علمه، هاديًا، حسن القصد، ناصحًا للأمة بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم، وفساد القصد، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها والأمة تبتلى بهؤلاء الرجال الذين يفهمون النصوص الشرعية على غير مراد الله تعالى.

 

 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ --صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-- مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا [تصغير ذهبة وهي قطعة من الذهب]، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ وَأَقْرَعَ بْنِ حابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ.

 

قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ --صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ--؛ فَقَالَ: أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً! قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الْإِزَارِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ. قَالَ الرَسُولُ --صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ--: "وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ".

 

قَالَ ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ.. قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لَا. لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي. فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ --صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ--: "إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ".

 

قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ --صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-- وَهُوَ مُقَفٍّ فَقَالَ: إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا [من قبيلته] قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، وَأَظُنُّهُ قَالَ: لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ»، وفي رواية للبخاري كذلك: «فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» رواه البخاري ومسلم.

 

أيها الإخوة: إن وجود هذا الفكر مستمر ولن ينقطع، ومتى ما كان هذا الفكر تنظيماً يقتل ويتعدى وجب على ولي أمر المسلمين أن يقاتلهم ويتتبعهم ليقي الأمة من غوائلهم، ولقد تحققت نبوءة النبي --صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-- فخرجوا في عهد الخلافة الراشدة وقاتلوا المؤمنين وناصبوهم العداء.

 

وكان لعلماء الصحابة -رضوان الله عليهم- صولات وجولات في مناظرتهم من ذلك هذه المناظرة العظيمة التي تولاها حبرُ الأمةِ وترجمان القرآن عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- التي قَالَ عنها: «لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ [سموا بعد ظهرهم وتجمعهم بحروراء، وهم الخوارج نسبوا إلى حروراء قرية قرب الكوفة لأنهم نزلوها وتعاقدوا عندها على قتال أهل العدل، وسموا خوارج لخروجهم على الجماعة وقيل لخروجهم عن طريق الجماعة] اعْتَزَلُوا فِي دَارٍ، على حِدَتِهِم وَكَانُوا سِتَّةَ آلَافٍ» فَقُلْتُ لِعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ «أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ، لَعَلِّي أُكَلِّمُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ» قَالَ: «إِنِّي أَخَافُهُمْ عَلَيْكَ» قُلْتُ: كَلَّا إِنْ شَاءَ اللهُ.

 

وَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ، وَتَرَجَّلْتُ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ نِصْفِ النَّهَارِ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ، في نحر الظهيرة. فَقَالُوا: «مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَمَا هَذِهِ الحُلَّةُ؟».

 

قَالَ قُلْتُ: مَا تَعِيبُونَ عَلَىَّ.!؟ لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْسَنَ ما يَكُونُ مِنْ الْـحـُلَلِ، وَنَزَلَتْ: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف:32].. قَالُوا: فَمَا جَاءَ بِكَ؟

 

قُلْتُ لَهُمْ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَصِهْرِهِ، وَعَلَيْهِمْ نُزِّلَ الْقُرْآنُ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ مِنْكُمْ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، لَأُبَلِّغَكُمْ مَا يَقُولُونَ، وَأُبَلِّغَهُمْ مَا تَقُولُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تُخَاصِمُوا قُرَيْشًا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) [الزخرف:58].

 

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: وَأَتَيْتُ قَوْمًا لَمْ أَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ مُسَهَّمَةٌ وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ [أي متغيرة مما بهم من الشدة] كَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ وَرُكَبَهُمْ ثَفِنُ الإِبل [جمع ثَفِنة قال أهل اللغة: ثَفِناتُ البعير: ما أصاب الأرضَ من أعضائه فغَلُظ كالركبتين وغيرهما لأَنها تَغْلُظُ من مباشرة الأَرض وقتَ البُروك في الأَغلب، وهؤلاء غلظت أيديهم من العمل وركبهم من العبادة وقيل لعبد الله بن وهب الراسبي رئيس الخوارج ذو الثَّفِنات لكثرة صلاتِه، ولأَنَّ طولَ السجود كان أَثَّرَ في ثَفِناته]؟.

 

عَلَيْهِمْ قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ [أَي: مغسولةٌ حتى خَلِقَتْ] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنُكَلِّمَنَّهُ وَلَنَنْظُرَنَّ مَا يَقُولُ. فَانتَحَى لِي نَفَرٌ مِنْهُمْ قُلْتُ: هَاتُوا مَا نَقِمْتُمْ عَلَى صِهْرِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَابْنِ عَمِّهِ وَأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ قَالُوا: «ثَلَاثٌ» قُلْتُ: مَا هُنَّ؟

 

قَالَ: «أَمَّا إِحْدَاهُنَّ، فَإِنَّهُ حُكْمُ الرِّجَالِ فِي أَمْرِ اللهِ» وَقَالَ اللهُ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [الأنعام:57]، مَا شَأْنُ الرِّجَالِ وَالْحُكْمِ؟ قُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ.. قَالُوا: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ، وَلَمْ يَسْبِ، وَلَمْ يَغْنَمْ، إِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّ سِبَيهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ سِبَيهُمْ وَلَا قِتَالُهُمْ قُلْتُ: هَذِهِ ثِنْتَانِ، فَمَا الثَّالِثَةُ؟ قَالُوا: مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ.. قُلْتُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟ قَالُوا: «حَسْبُنَا هَذَا».

 

قُلْتُ لَهُمْ: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مَا يَرُدُّ قَوْلَكُمْ أَتَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: «نَعَمْ».

 

قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: «حُكْمُ الرِّجَالِ فِي أَمْرِ اللهِ، فَإِنِّي أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِ اللهِ أَنْ قَدْ صَيَّرَ اللهُ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَالِ فِي ثَمَنِ رُبْعِ دِرْهَمٍ، فَأَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَحْكُمُوا فِيهِ» أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ، وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) [المائدة:95].

 

وَكَانَ مِنْ حُكْمِ اللهِ أَنَّهُ صَيَّرَهُ إِلَى الرِّجَالِ يَحْكُمُونَ فِيهِ، وَلَوْ شَاءَ لحكم فِيهِ، فَجَازَ مِنْ حُكْمِ الرِّجَالِ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي صَلَاحِ ذَاتِ الْبَيِّنِ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ أَفْضَلُ أَوْ فِي أَرْنَبٍ؟ قَالُوا: بَلَى، هَذَا أَفْضَلُ.. وَفِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) [النساء:35].

 

فَنَشَدْتُكُمْ بِاللهِ حُكْمَ الرِّجَالِ فِي صَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ حُكْمِهِمْ فِي بُضْعِ امْرَأَةٍ؟ قَالُوا اللَّهُمَ بَل فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ.. قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ " قَالُوا: نَعَمْ..

 

قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ، وَلَمْ يَغْنَمْ، أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ؟! تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا وَهِيَ أُمُّكُمْ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْهَا مَا نَسْتَحِلُّ مِنْ غَيْرِهَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ بِأُمِّنَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب:6] فَأَنْتُمْ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ، فَأْتُوا مِنْهَا بِمَخْرَجٍ؟ فنظرَ بعضُهم إلى بعضٍ.. قَالَ: أَفَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ..

 

وَأَمَّا قَولُكُم: مَحَا نَفْسِهِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَا تَرْضَوْنَ. قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لِعَلِيٍّ: «اكْتُبْ يَا عَلِيُّ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللهِ» قَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا قَاتَلْنَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «امْحُ يَا عَلِيُّ اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، امْحُ يَا عَلِيُّ، وَاكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ» وَاللهِ لَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ مَحَا نَفْسَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَحْوُهُ نَفْسَهُ ذَلِكَ مَحَاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، أَخْرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟.. قَالُوا: «نَعَمْ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، وَخَرَجَ سَائِرُهُمْ، فَقُتِلُوا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ، فَقَتَلَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ» أخرجه النسائي في الكبرى، والبيهقي في الكبرى، وعبدالرزاق في مصنفه، والطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافَقَه الذهبي، وصحَّحه الهيثمي في مجمع الزوائد.

 

أسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين ويعيدهم للجادة، وأن يقي المسلمين الشرور والفتن كما نسأله أن يثبتنا على الطريق المستقيم، ويحفظ شبابنا وشباب الأمة من شبه إنه جواد كريم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

أيها الإخوة: إن التعرف على أصل الفكر الضال، وطريقة تفكير معتنقيه يعيننا على تجنبهم، ويجعلنا أكثر حذراً من الانسياق وراء الشبه التي يوردون، ولا تقل أنا لدي القدرة والمعرفة ولن يؤثروا عليَّ، فلا تدري ربما لبسوا عليك وغيروا قناعاتك، لذا فإني أدعو كل مسلم لتجنب سماع أطروحاتهم، ودخول مواقعهم الالكترونية أو مطالعة ما ينشرونه من مقاطع فيديو أو كلمات، إلا من لديه القدرة على رد شبههم وقليل ما هم، فكم من شبابنا سمع لهم وظن أنهم لن يؤثروا عليه، وما شعرنا إلا وقد انخرط في تنظيماتهم وهجر الأهل والوطن وكان شوكة في خاصرة الأمة.

 

أيها الإخوة: هذه المُناظَرة تكشف لك بعض فكرهم وكيف يفند وقد رجع منهم من رجع وأصر من أصر.

 

وفي هذه المناظر يظهر لنا كيف يستعملُ عامَّة أهل البِدَع والضَّلال نصوص الوحيَيْن في غير موضعها، كما استدلَّت الخوارج على ترك السماع من ابن عباس لأنه قرشيٌّ؛ والله يقول عن قريش: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) [الزخرف:58]، فالآية نزلت في مُشرِكي قريش الذين يُخاصِمون بالباطل، وابن عباس إنَّما جاءهم ليَرُدَّهم إلى الحقِّ، ويُكلِّمهم بكتاب الله وسُنَّة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فكيف يجعَلونه من أهل هذه الآية!

 

وفي هذه المُناظَرة ظهر جهل الخوارج بنصوص كتاب الله تعالى وتنزيلها على غير مواضعها، أو عدم فهمها ابتِداءً.

 

عدم الاغتِرار بصَلاح الهيئة أو السَّمْت؛ لأنَّ الدين مَبناه على العلم والعمل جميعًا، لا العمل على جهل كحال الخوارج هنا، فقد كانوا أهل عبادة وصلاة وتلاوة لكتاب الله والتزام بالسنة ظاهر.. فيغتر بهم بعض الناس وكأنهم على هدى فتقع الفِتَن والمِحَن.

 

وصلوا وسلموا...

 

 

المرفقات

ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج .. دروس وعبر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات