مقاصد سور القرآن - سورة الشمس

عبد البديع أبو هاشم

2011-06-25 - 1432/07/23
عناصر الخطبة
1/ ظلام الجاهلية وسطوع شمس الإسلام 2/ التناسب بين سورتي البلد والشمس 3/ مقدمة عن سورة الشمس وهدفها 4/ تفسير السورة تفصيليًا

اقتباس

كان الناس يعيشون في ليل بهيم، ولكن لحكمة الله أن الليل يسري ويمضي، ووقت يمر وينتهي، وعلامة انتهائه بزوغ الفجر على البلاد، فشهدت مكة فجرًا صادقًا، فجرًا عظيمًا حينما بشرت بنبوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن طال عليها الغبش الذي بعد الفجر، والذي لا تتضح معه الرؤيا، ظل أهل مكة فترة من الزمان يعيشون في هذا الجو الداخن والداكن، بينما أشرقت شمس الإسلام ..

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به سبحانه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح للأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلوات الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وتمسك بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الإخوة: كان الناس يعيشون في ليل بهيم، ولكن لحكمة الله أن الليل يسري ويمضي، ووقت يمر وينتهي، وعلامة انتهائه بزوغ الفجر على البلاد، فشهدت مكة فجرًا صادقًا، فجرًا عظيمًا حينما بشرت بنبوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن طال عليها الغبش الذي بعد الفجر، والذي لا تتضح معه الرؤيا، ظل أهل مكة فترة من الزمان يعيشون في هذا الجو الداخن والداكن، بينما أشرقت شمس الإسلام، وكان مشرقها من المدينة، ظهر الإسلام هناك، وبدأ يشع بنوره إلى أن اشتمل مكة من جديد بعد العام الثاني من الهجرة، فعمت الشمس مكة وما حولها، ثم أخذ أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ينطلقون بأشعة شمس الإسلام إلى أطراف الأرض حتى أنارت الأرض واستنارت كلها بشريعة الإسلام.

ومن بعد ذلك لا شك أنه يأتي ليل؛ لأن أعداء الإسلام لا يكفون: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة: 32].

فقد أظلمت الدنيا بعد ذلك حينما قصر الناس في دينهم، ونشط الأعداء في حرب الإسلام، فغاب الإسلام عن وجود الناس فترة كالفترة التي نعيشها، ليل أسود، الناس لا يعرفون معنى الإسلام ولا يعرفون قيمة الإسلام، مسلمون بالأسماء فقط، ويريدون حكم الجاهلية، ويريدون حكمًا لغير الله، يريدونها مدنية ومرحبًا بالديمقراطية، ولا مانع أن تكون شيوعية علمانية، لا مانع من أي شيء إلا الإسلام فقط، فالموانع كلها في وجهه، وهذا إنما ينبع عن جهل أو حقد للإسلام، بعض الناس جاهلون، وكثير منهم حاقدون، الإسلام جاء لينير الدنيا، وإن شاء الله -أخي الحبيب أيها المسلم الكريم- سينبثق نور الضحى من جديد، وتشرق الشمس بضحى لطيف ووقت جميل، ونفس عليل، يتنفس فيه المسلمون أنفاسًا رائقة، أنفاسًا جميلة، تشرح صدورهم، وساعتها تعمر الدنيا بالخيرات، بالتين والزيتون، وبكل خيرات يبعثها الله من الأرض أو السماء.

وبعدها: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: 1]، ينعمون بخيرات الدنيا وبخيرات القرآن، الذي أنزله الله في خير زمان على خير إنسان، وأسكنه أفضل جَنان، أفضل قلب، نسأل الله أن يعمر به قلوبنا وحياتنا.

أحبتي الكرام: هكذا تتواصل سور القرآن لأنها من متكلم واحد، ومن عند رب واحد، لم يدخل إلى القرآن بكلمة، لا بزيادة ولا بنقصان: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42].

وقد رأينا في سورة البلد أن الله تعالى وهو يذكر مننه على الإنسان قال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: 8-10]، وهما طريقا الخير وطريق الشر، طريق الجنة وطريق النار، طريق الحق وطريق الباطل، هما طريقان فقط ولكن لكل طريق عدة أسماء من جنسه أو من وصفه أو من خلال هدفه الذي يهدف إليه.

والنجدان مثنى نجد، وهو الطريق المرتفع، وشأن الطريق المرتفع أن تظهر نهايته لمن كان في أوله وهو في أول طريقه يرى عاقبة أمره، ليهلك من هلك عن بينة ويحيي عن حي عن بينة من بداية الطريق يسلك، ويعلم أنه ذاهب إلى الجنة وكأنها هناك رأي العين.

ومن أول الطريق يسلك طريقه ويتخيل النار ويذكر به وتلوح له من بعيد في نهاية طريقه، فلا عذر لأحد، هذا كان في سورة البلد (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، خلق الله الإنسان مهيأً لسلوك هذا الطريق، ولسلوك ذاك الطريق، وعليه أن يختار، قال الله في سورة الشمس معنا: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، فتكلمت السورة السابقة عن الطريقين، وتكلمت هذه السورة عن قدرة الإنسان، وأن الله خلقه بقدرة تمكنه من سلوك هذا الطريق أو اختيار الطريق الآخر، فنحن في طريقنا إلى الجنة أو الأخرى -نعوذ بالله- مخيرون، كلٌ يختار عمله، كلٌ يتبوأ من الجنة مكانًا أو من النار مكانًا من خلال هذه الأرض.

في خاتمة سورة البلد ذكر الله عاقبة الكافرين في الآخرة، وأنهم (هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ)، أي مغلقة ومحكمة الإغلاق، فلا يستطيعون الخروج ولا التحول إلى مكان آخر، بل هم خالدون فيها، وبينت سورة الشمس عاقبة الكافرين في الدنيا أن كفرهم هذا يجر عليهم الوبال والهلاك والدمار، ولذلك هلكت حضارات كثيرة رغم ما كان فيها من قوة وتمكين، وما كان لها من عزة ورفعة، وكانت لها أعلام مرفوعة ذهبت مع الأيام، لماذا؟! لأنها لم تحكم حياتها بشريعة الله، لأنها حكمت أيامها بأهوائها، وكل من صار على نهج الله أفلح، وكل من صار على هواه خسر، لذلك عرض الله لنا في سورة الشمس قصة حضارة من الحضارات، حضارة قوم ثمود، كانت لديهم إمكانيات وقوة عجيبة، ومع ذلك ذهبت وأرسل الله عليها عذابه المتتابع فسواها، كلمة واحدة ما كانت لتحتاج أكثر من ذلك، قوتها هذه الحضارة وأقوى منها أمام قدرة الله -عز وجل- لا تأخذ أكثر من كلمة: (كُنْ فَيَكُونُ)، كلمة فسواها، تفهم منها أرض قوم ثمود بأعلامها بجبالها بمبانيها بساكنيها، بأقويائها ضعفائها ذكورها ونسائها، كل من فيها صاروا أرضًا مستوية مسطحة مع بعضها، لا ترى فيها دارًا، ولا ترى في دار ديَّارًا، لا بقاء لهم: (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ)، والأعجب من ذلك أن الله لا يخاف عاقبة فعلها، وهو لا يخشى شيئًا سبحانه وتعالى، فاحذروا.

فبين سورة البلد وسورة الشمس تناسب جميل، وكما أقول دائمًا، الأمر أوسع من ذلك وأكبر للمتدبرين الذين يغوصون في الآيات ومعانيها، وفي العلاقة الرابطة بين السور، والله يعطي ما شاء لمن شاء من خير هذا الكتاب العظيم وهداياته، ولكن الوقت يحكمنا.

أما عن هذه السورة وهدفها -وخاصة أنها سورة مكية نزلت قبل الهجرة- فهي سورة تبين حقيقة الإنسان، تبني في الإنسان حقيقة نفسه، ماذا أنت أيها الإنسان؟! أنا بناء جسم ظاهر، جسم من المادة كما نقول، نحن من لحم ودم، وأصله من ماء وطين، أو ماء وتراب وصار طينًا، هذا كما أخبرنا الله وكما كان في آدم -عليه السلام-، جسم مادي ظاهر ملموس، ولكن فينا ما لا تراه العين في هذا الترتيب، ما لا تراه العين ولا تصل إلى كشفه الأجهزة القديمة ولا الحديثة، ولا تصل إليه العلوم ولا العلماء: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85]، قدرتكم على العلم لا تمكنكم من الوصول إلى العلم بالروح ولا بالنفس ولا بالعقل، حقائق تؤمنون بها في أنفسكم، ولكنها غابت عن أعينكم الطبيعية والاصطناعية.

ولذلك احتار العلماء بين هذه الحقائق، ما الروح؟! ما النفس؟! ما العقل؟! ما القلب؟! (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا) [الأعراف: 179]، لم يجدوا هذا في القلب المعروف، حقائق موجودة، وكل إنسان يؤمن بها في نفسه، والعلماء لا يهتدون إلى معرفتها، ولكن كان من بين ألطف الأقوال أن الروح شيء سري غيبي ينفخه الله تعالى في هذا الجسد فيصير به حيًّا نابضًا متحركًا بالحياة، وهو من عند الله اسمه روح: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) [الحجر: 29].

وحينما يختلط هذا الشيء الذي هو الروح بهذا البدن المصنوع من الأرض يتحول إلى شيء اسمه النفس، فهو هو والله أعلم، ولكن وهو نازل أو آتٍ من عند الله كان روحًا، ولما اختلط بالطين وبهذا الجسد تحول إلى نفس؛ لذلك يقول الله تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)، ثم يقول بعد فترة: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [الأنبياء: 35]، أخرجوا أنفسكم، وهكذا (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) [الزمر: 42]، وهي خالية من بدني وعائدة إلى خالقها تسمى عندي نفسًا، لكنها كانت عند الله روحًا.

الله أعلم بحقيقة الأمر، لكن نحن نجهل هذه الأمور، فالله يعلمنا منها ما ينفعنا، فقال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)، هذا هدف السورة، ملخصها وغرضها أن تعلمنا هذه الحقائق حيث جهلناها وقال فيها بعض العلماء بغير علم قولاً تخمينيًا قولاً يصدق أو يكذب، هذا توقعه، لكن الحقيقة التي تهمنا في قول الله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)، يقسم الله تعالى بالنفس لعظمتها، يكفي أنها لا ترى ولا تحس ولا تمس.

(وَمَا سَوَّاهَا) أي وتسويتها، سبحان الله، كأن لها شكلاً، وشكلاً مسوى، كما أن البدن سواه الله بشكل جميل أرى فيه الجمال، كذلك النفس لو قدر لنا أن نراها فهي بشكل جميل رائع مبدع.

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) أي والنفس وما خلقها، أي والذي سواها، وهو الله -سبحانه وتعالى- يقسم بذاته؛ لأن لا أحد من الخلق ولا أحد من الآلهة المزعومة من طواغيت الأرض والدنيا خلق نفسًا واحدة ولو كانت نفس ذبابة، إنما الله خلق الأنفس جميعًا، ويتوفى الأنفس كلها موتًا -سبحانه وتعالى-.

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) إذًا نفسك -أيها الإنسان- مخلوقة، خلقها غيرك وسواها وجملها وحسنها صنعة رائعة، لم تصنعها أنت ولم يصنعها رئيس دولتك ولا ملك مملكتك، ولم يفعلها أبوك ولا أمك، إنما صنعها الله الذي لا يقسم إلا به سبحانه وتعالى.

طبيعة هذه النفس التي تحرك هذا البدن (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) قد تقود البدن إلى الفجور، وقد تقوده إلى التقوى، والفجور من الانفجار، وهو تعدي الحدود وتجاوزها، أما التقوى فهو على الأقل الحذر والحيطة والانتباه، أن لا أفعل شيئًا إلا بعد النظر فيه، هذا من حقي، أوليس من حقي؟! أهذا لي أم لغيري، أهذا يصلح أو يفسد، هذا يضر أو ينفع؟! هذا واقعية التقوى ولو بغير دين، لكن التقوى عندنا فهي في الإسلام أعظم من ذلك وأدق من ذلك، فهي اتقاء عذاب الله، تشمل ما قلناه وأكثر، يتقي المؤمن كلما يوقفه للمساءلة والمحاسبة بين يدي الله، ولذلك هو في الدنيا حذر كالذي يمشي في أرض ذات شوك ينظر أين يضع قدمه قبل أن يضعها.

(فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) لديك -يا أيها الإنسان- قدرة على أن تسلك هذا الطريق أو ذاك، أن تكون فاجرًا أو أن تكون تقيًا، إذن الاختيار لك أنت، ولو أراد الله أن يجبرك على شيء ولو على طاعته لخلق نفسك تقية زكية لا قدرة لها على الفجور، لكن لأن لك الاختيار، وتحملت تلك الأمانة، وأحببت أن تذهب في الدنيا وتتحرك بحريتك ورأيك وعقلك فتختار الأصلح والأصوب والأنفع، فالله خلقك مؤهلاً لهذا الاختيار.

(فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) ثم علمك ورشدك سبحانك وأوصاك ونصحك فقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، أفلح من زكاها أي الذي زكاها وطهرها مما يشينها من الأحقاد والأغلال والصفات الذميمة القبيحة التي تشين النفس، وقد خاب من دساها أي دسا تقواها فتركها للفجور فقط.

وأصل الدس: تخبئة شيء تحت شيء، فكأنه خبأ التقوى تحت الفجور، فلا يظهر من تحته إلا الفجور، إلا الظلم، ولكن حين يستضعف يصرخ: أدركوني، أنا مسكين، اتقوا الله فيَّ!! لماذا لم تتقِ الله في غيرك؟! كان يدس تقوى نفسه تحت فجورها، كان يخبئه، وربما تمر عليه موعظة في يوم من الأيام فيتعظ، ربما يُذَكَّر فيتذكر، وكم من الناس كانوا فجارًا وجاءتهم تذكرة من عند الله يوم من الأيام فوصلت إلى عمق النفس، فأصابت التقوى، فأحيتها من جديد، فساعتها رجعوا وندموا، ولو كان أحدهم قتل مائة نفس وتاب فتاب الله عليه، قاتل الإسلام والمسلمين وقتل منهم وكان سببًا في هزيمتهم وردهم في أكثر من موقعة، ورغم ذلك استيقظت التقوى يومًا من الأيام في نفسه فانتبه إلى ربه، فقام يعظم الله وتاب، فتاب الله عليه.

هذا كثير، والله تعالى ينادي على البقية: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53]، فمن أراد أن يعرف قيمته وهدفه في هذه الدنيا فليقرأ هذه الآيات، فليضعها نصب عينيه، فليحفظها وليرددها على نفسه يومًا بعد يوم حتى لا ينسى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا).

وهنا ذكر الله مثال الخيبة، بينما ذكر في مواطن أخرى في القرآن الكريم تلكم النفس التي اتقت الله وقام فيها أمر التقوى قيامًا عظميًا حتى أتى على الفجور وأذهبه، طهر النفس منه تمامًا فلم يبق فيها فجور، لذلك تجد كل يوم فاجرًا يدخل في الإسلام، لو تتبعت هذا يوميًا في العالم، في هذه الآونة، ولا أقول أيام رسول الله -عليه الصلاة والسلام- لكن الآن مع الضلال، مع الحرب، مع الاضطهاد للإسلام، لو اتبعت أو أحصيت هذا على مستوى العالم البشري لوجدت داخلاً جديدًا في الإسلام كل يوم، ليس داخل واحد بل أكثر من ذلك، إنما على الأقل كل يوم نفس تتطهر من فجورها وتظهر بتقواها وتؤمن بالله -عز وجل-، ولو تتبعت نفسًا زكية زكت بالإسلام والتقوى ثم تكفر بالله -عز وجل- وتغير دين الإسلام لما وجدت، إلا ربما على مر الأعوام، كل سنة أو كل عدة سنوات واحدًا فقط، دعك من المعاصي التي هي دون الكفر، أو التي هي كفر بجهل، لكن إن قلت له: لقد كفرت، يقتلك، يحاربك، يصرخ فيك: تقول عني كافر، أنا مؤمن أحسن منك، أنا أفهم الإسلام أكثر منك.

فهو جاهل، غير فاهم، ولكنه مُصرّ على الإسلام والاستسلام لله، فهذا معناه أن النفس حينما تدس تقواها لا تذهب التقوى منه، بل تظل فيها ولكن مدسوسة تحت الفجور، مخبأة إلى أن تظهر يومًا من الأيام بإذن الله إن أراد صاحبها.

أما النفس الزكية المؤمنة فإنها طهرت تمامًا من الفجور، إلا أن يدخلها من جديد في لحظة ضعف أو لحظة اضطهاد أو غير ذلك، غُلبت من الخارج لتعيد إلى هذه النفس شيئًا من فجورها، لكن أن تعود فاجرة كما كانت فلا.

هذه السورة المباركة يقسم الله تعالى في بدايتها وتقريبًا في منتصف أو نصف آياتها أقسامًا عديدة وأيمانًا متتابعة، فكثرة الأقسام هكذا ومن الله خاصة تدلك على خطورة القضية التي يقسم عليها، فيقول: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، أقسم بالشمس وخاصة وقت الضحى، (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا) فالقمر يتابع الشمس ولذلك يتقي من نورها وينعكس نوره على الأرض لأنه جسم معتم مظلم كالأرض، لكن بتبعيته للشمس وتتابعه بعدها ينعكس عليه ضوء الشمس (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) حين تشرق فيه الشمس يجلي الأشياء ويجلي الظلمة التي كانت قبله من الليل، (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) يأتي بعده ليل يغطي الدنيا بظلام من جديد، دورة دوارة تدل على قدرة الله سبحانه وتعالى، (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) ولما ذكر الله الشمس والقمر فلكل منهم مشرق ومغرب على الخط الأفقي، فذكر بعد ذلك الخط الرأسي بين السماء والأرض، فكل ذلك له، وكل ذلك منه -سبحانه وتعالى- لا شريك له فيه، ولا قدرة في أحد غيره عليه (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) أي الذي بناها، (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) أي وما دحاها وما بسطها، أي والذي بسطها وفرشها لكم كالمهاد، وجعل لكم الأرض مهادًا، أي بساطًا كالسجادة تدوسون عليها وتنعمون وتزرعون وتحصدون وترفعون كما شئتم، كما تنطوي البساط في أيديكم، سهل التعامل معه، كذلك (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، طحا بمعنى بسط ومد وفرش، (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، كل هذه أقسام يقسم الله بها وهو أصدق القائلين، على ماذا؟! على القضية التي ضل فيها كثير من الناس، منهم من ينكر يوم القيامة إنكارًا كاملاً، وإن كان قلبه وعقله يحتمل حصول هذا الشيء، يقول: ولئن رددت إلى ربي، فينكر ويعود ويحتمل احتمالاً ولو ضعيفًا في نظره، ومن الناس من يؤمن بيوم القيامة ولكنه يتعامل معه كالكافر الذي أنكره، فلا يعد له عدة ولا يحسب له حسابًا، ومن الناس من يُعد له ولكن بتهاون كأن يقول: لها ألف حل، ربك كريم غفور، الجنة واسعة، الرسول -صلى الله عليه وسلم- يأخذنا بشفاعته، عبارات من هذا الشكل تشير إلى النوم عن العمل الصالح، يريد أن يدخل الجنة فقط بالاعتراف بها دون أن يعمل لها، وأن ينجو من النار وإن كان لم يحذر منها ومن مداخلها، يريد أن يمشي في طريق النار والعذاب والشقاء لينتهي به إلى الجنة! كيف ذلك!! هذا نجد وذاك نجد آخر، ولكل طريق هدفه ونهايته، فاحذر على نفسك.

فيقسم الله على هذه القضية المهمة (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، كلمات قليلة ولكنها تحوي المعاني كلها، قد أفلح يعني فاز ونجح، ولكن بعد ماذا؟! بعد فلاحه، والفلاح من الفلح وهو شق الأرض، سمي الفلاح فلاحًا لأنه يفلح الأرض بفأسه فيشقها ليضع فيها البذرة ثم يرويها بالماء لينبت له زرعه، فإن أحسن الفلحة أفلح وجنى ثمرًا عظيمًا، قد أفلح إذًا وصل إلى مقصوده وحصل على محصوله بعد تعب وعمل وجد لا نوم، إنما الوصول إلى الجنة بعمل، قد قرن الله دائمًا في القرآن الكريم بين الإيمان والعمل الصالح: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).

(وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) خاب من الخيبة وهي الخسران، والحرمان بعد وجود، كان يجد ولو أملاً، ضاع منه هذا الأمل، كان يجد شيئًا في يديه، شيئًا ثمينًا ضاع من يده فخاب، كان طالبًا نجيبًا ثم خاب، الخيبة خسران بعد ربح، إفلاس، حرمان بعد وجود، فهي خيبة مؤلمة، لو كان من البداية لا يجد شيئًا ولا يعلم شيئًا وليس معه شيء، فهذا شأنه دائمًا، لكن أن يكون الإنسان ثريًا غنيًا ثم فجأة يسقط على الأرض، ثم فجأة يعلن إفلاسه، هذه موجعة شديدة نعوذ بالله منها.

(وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) من لم يزكِّ نفسه، لكن كلمة دساها من دس، وأصلها دس أي خبأ الشيء تحت الآخر، فأعطانا الله تعالى كيفية ما يفعله الكافر الظالم، إنه لا يقوى بفجورها على إذهاب التقوى من النفس؛ لأن التقوى راسخة في النفس حتى ولو خبئت ليوم من الأيام لتظهر فيه، فبين الله لنا كيفية عمل الكافر ووهن قدرته، فقوته ضعيفة لا تقوى على تخليص النفس من تقواها، كما قدر المؤمن فطهر نفسه بكاملها من الفجور، وينادى عليه يوم الموت: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) [الفجر: 27]، ليس فيها شيء من داخلها يقلقها، فقد ذهب فجورها كاملاً (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا).

وبالمثال يتضح المقال، فلذلك ضرب الله لنا في القرآن من كل مثل، والمثال يوضح ويبين، يجعل الشيء المعنوي المعقول الذي لا تراه العين ولا تحسه الحواس في صورة شيء ممثل واقعي في الدنيا، فكان من بين الكافرين في الدنيا الذين دسوا أنفسهم وخبؤوا تقواهم قوم ثمود (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا)، لم تؤمن بهذه القضية التي أقسم الله عليها، لم يصدقوا أنهم طغاة، أنهم تعدوا الحد وتجاوزوه، ظنوا أن كل ما يفعلون في الدنيا من حقهم، ولو أخذت مالك ولو انتهكت عرضك ولو أخذتك أنت فهذا من حقي، واليهود يعتقدون ذلك في جميع البشرية غيرهم، يعتقدون أنه لا حق لأحد في الحياة غير اليهود، خاصة الصهاينة، وكتبوه بأيديهم في كتبهم، كلنا خلقنا الله لخدمتهم ليستحمرونا، ولكن مراعاة لنفسيتهم جعلنا الله على أشكال البشر، هذا معتقدهم، ويتقربون إلى الله بقتلنا: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) [آل عمران: 57]، ليس علينا حساب، يقتلك، يأخذ مالك، يهتك عرضك، يأخذ أرضك، يأخذ ما يأخذ والله يحاسبه على ذلك، بل عندهم في نصوص الكتاب: تقرب إلى الله بقتل أممي. يسمونها قربة، سبحان الله.

وكثيرون كذلك يحبون أن يعيشوا وحدهم (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)، كأنه وجد وحده، لم يخلقه الله، وبالتالي يريد أن يعيش وحده بدون رب ولا إله، ولا أناس، ولا شيء، ويظن أنه بماله يفعل كل ما يريد: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ)، (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا)... إلى غير ذلك من آيات بينت هذا بتفصيل.

(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا) مثال من حياة قوم ثمود، ليست القصة كاملة، إنما هذا موقف.

(إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) أشقاهم نفسًا، أشقاها أي أكثر واحد فيهم نفسه شقية، نفسه فاجرة، ويقال: إنه كان رجلاً ذا شرف ونسب، يعني من عائلة فلان من قبيلة كذا، فله رهط، وله عائلة، هذا يسمى في القديم شرفًا نسبيًّا، كان عظيم النسب في قومه قويًّا، كان يُشهد له عند الناس جميعًا، يعني الناس يرفعون قدره في الجاهلية طبعًا ولكن لا وزن له عند الله، فاختاروه هو حتى لا يستطيع نبي الله صالح ولا من معه من المؤمنين أن يعاقبوا مَنْ عقر الناقة، يريدون أن يعاقبوه فينظروا إلى قومه وأهله ومنعته ومعزته في الناس فيخافون منه ويرهبون.

(انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا)، (رَسُولُ اللَّهِ) أي نبي الله صالح -عليه السلام-، ناقة الله وسقياها، أي احذروا ناقة الله، وهذا مفصّل في آيات أخرى: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الأعراف: 73]... إلى آخر هذه الآيات المفصلة.

كانوا قد طلبوا آية عجيبة، يريدون ناقة من الصخر، فجاءهم الله بها، وجاءت ناقتهم من الصخر ليؤمنوا بالله ورسوله صالح -عليه السلام-، ولكنهم كفروا وحذروا أن يمسوها بسوء أو أن يقربوا مشربها، حيث كانت تشرب مياه الآبار يومًا ولهم المياه في يوم آخر، (...كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ) [القمر: 28، 29]، تعاطى السكين أو الآلة التي يذبح بها فعقر الناقة، وعقرها أمام الجميع، خرج الناس كلهم ليروا هذا المشهد الرهيب، فكانوا كمن قتل، كمن ذبح، شاهدوا الباطل والاعتداء على آيات الله، وأقروا به ورضوا به، فكانوا مشتركين في الإثم.

(فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا) أرسل الله عليهم عذابًا متتابعًا، وما كان هذا العذاب إلا صيحة من ملك، رجت المدينة وأهلها فسواها، صيحة من مَلَك، سبحان الله. نسأل الله العفو والعافية من قدرته وبطشه الشديد وأخذه الأليم.

(...فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) أي ما كان سبحانه وتعالى ليخاف ردة الفعل، أن حين أريد أن أضربك أتوقع كيف سترد عليّ بضربة أوجع وأوقع، بألم أو بضربة أضعف، وأخشى من رد الفعل، فإن كان في المقابل قويًّا لا أضربه؛ لأن ضربته ستوجعني أكثر من ضربتي له، لكن الله تعالى لا يقوم أمامه أحد، ولا تقوى أمام قدرته قوة، (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) لا مع هؤلاء ولا مع غيرهم، ويضع الله هذا القانون في سورة أخرى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود: 102]، تنتهي هذه السورة بهذا الخبر المفجع عن قوم ثمود الذين أهلكهم الله، ولا ترى بعدهم من باقية، ما بقيت منهم باقية، كلهم الكفار ماتوا وهلكوا جميعًا، وذلك بقدر الله العلي الجبار -سبحانه وتعالى-.

كان هذا حديثًا حول هذه السورة المباركة سورة الشمس، نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعل لنا فيها العبرة، وأن يجعل لنا فيها الموعظة، وأن يجعلها نبراسًا لنا على طريقنا، وشمس هداية على قلوبنا، إن ربنا هو الرحمن الرحيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه دائمًا إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد:

فأوصيكم -عباد الله- بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي عن عصيانه تعالى ومخالفة أمره، فهو القائل -سبحانه وتعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد:

أيها الإخوة الأحباب: فلنشد أيدينا بموضوع هذه السورة، وهدفها بمعرفة حقيقة النفس الإنسانية وتصورها الذي لا يوجد في غير هذا القرآن من كتاب آخر، ولا يستطيع أحد من العلماء، ولا العلماء مجتمعين أن يصوروا لنا هذا التصوير عن النفس الغيبية التي لا تراها العين ولا يقع عليها الحس، الله تعالى الذي خلقنا هو الذي يشرح لنا، هو الذي يبصرنا ويعطينا من الحقائق ما ينفعنا، ويبعد عنا ما لا صلة لنا به وما لا منفعة لنا فيه، فاكتفوا فقط بما علمكم الله، ولا داعي للذهاب وراء ذلك بعيدًا في أشياء إن علمناها لا تنفعنا، وإن جهلناها لا تضرنا، كما قال علماؤنا -رحمهم الله- عن أشياء من هذا النوع: "علم لا ينفع وجهل لا يضر"، إذن الجهد فيه جهد ضائع، ووقت فارغ، لمَ نملؤه ولم نعبؤه بما لا ينفع؟!

لذلك وفروا أعماركم، وأريحوا قلوبكم من الفكر في أمور لا صلة لها بنا، ولا قيمة لها فينا، واسكتوا عما سكت الله عنه، واكتفوا بما أخبركم الله به: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا).

اعلموا أن فينا شيئًا يسمى النفس أيًّا كان هو، واعلموا أنه ليس من طبيعة النشأة والتطور ولا من خلق إنسان ولا من صنع أحد إلا من خلق الله -عز وجل-، الله هو الذي خلقها، ولم يخلقها فقط بل سواها، والتسوية تأتي بعد الخلق، قال تعالى في سورة سابقة: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) [الأعلى: 1، 2]، الخلقة أو الخلق، هو التصنيع، صناعة الشيء والتسوية هو تجميل الهيئة الخارجية والهيئة الداخلية من النسب المطلوبة بمقدار معين وما إلى ذلك كالتقدير، خلقه فقدره، فالتقدير في الداخل وفي الخارج، هذه هي التسوية.

إذًا هذه النفس من عند الله -تبارك وتعالى-، وليعلم كل منا أن الله خلقه مزدوجًا يصلح لهذا ويقدر على ذاك، فلا يظنن أحد أنه مجبور على ما يفعل، أو أنه يفعل بقدر الله، ما ذهب إلى المسجد إلا بقدر الله، ولا إلى الخمارة إلا بإذن الله... وهكذا، فيقول: هذه مشيئة الله وكُتبت عليّ. لا يا أخي، هذه باختيارك، نعم باختيارنا، لا نخرج أبدًا عن مراد الله، فلو أراد الله لنا خلاف ما أردنا لأنفسنا لكانت إرادة الله وتعطلت إرادتنا، لا تنفذ إرادتنا إلا بمشيئة الله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الإنسان: 30]، رب العالمين، لكن تحت مشيئة الله ترك الله لنا المجال لنختار ونريد ونشاء، (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29]، هذه باختيارنا، الطاعة بمشيئة الإنسان، والمعصية بمشيئة أهل العصيان، لابد أن ندرك هذا، ولو شاء الله أن يجبرنا ويقهرنا ويجعلنا مسيرين في كونه لجعلنا كجميع الخلق: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: 44]، فلو أراد الله أن يجبرنا لجبرنا على تسبيحه وتعظيمه والهداية له، قال تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة: 13]، أي فلذلك تركتهم كلٌّ يختار ما يشاء، هذا يختار الجنة وذاك يختار النار، ولو فكّر أحد بأن الله جبره على معصيته لكان متَّهِمًا لله تعالى بالسفه، هذا لا يصدر عن الله تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فإن أحدًا من أهل الدنيا -حاكمًا أو وزيرًا أو ولي أمر، حتى الوالد والوالدة- لا أحد من هؤلاء يجبر من تحت يده على مخالفة أمره والخروج على نظامه، إنما حينما يجبروننا كما جبرونا يجبرونا على طاعته المطلقة كالثواب والخطأ في الحق والباطل في كل شيء، في كل ما يقررونه، نقول: نعم، هذا هو الذي يريدونه.

ولذلك قد يكون الإنسان سفيهًا، أما الله تعالى فله الكمال كله، وله الجلال كله -سبحانه وتعالى-، فلو كان مجبرًا أحدًا على شيء لجبر خلقه على طاعته لا على معصيته -سبحانه وتعالى-.

أحبتي الكرام: هذا يجعلنا نقول: إن القرآن الكريم أعظم كتاب عرّف بكل شيء، وهدى إلى كل شيء بأحسن طريقة، إذا كنا قد علمنا ما بداخلنا، وعلمنا ما بخارجنا، وعلمنا حركاتنا في الحياة وضوابطها، فماذا ننتظر بعد ذلك؟! وماذا نحتاج وراء ذلك؟! وإذا كان الأمر هكذا فلماذا لا نرضى بتحكيم شرع الله؟! لماذا يستثقل الناس والمسلمون منهم أن يحكموا بشريعة عظيمة كهذا، بشريعة عامة، بشريعة ما تركت شيئًا إلا ونبهت إليه ودلت فيه على الخير أو الشر على الضر أو النفع، لماذا تضيق الصدور بتشريع ربنا -سبحانه وتعالى- الذي خلق الكل وملك الكل وله الأمر كله -سبحانه وتعالى- وإليه يرجع الكل؟!

لماذا تضيق الصدور بتشريع رب الأرض والسماء وهو تشريع كامل شامل كفاه إعجازًا وكفانا لنصدق به أنه صدق على زمان نزوله، وصدق في هذا الزمان المتباعد عن نزوله، إلى الآن والقرآن يعجز العلماء، إذن هو حق لا محالة، حق بالعقل، العقل لابد أن يصدق أن هذا القرآن حق، وما تلاصقه وتلاحمه من سنة حكيمة هي حق أيضًا، لماذا نريد أن نزيح ذلك عن ساحة القضاء وساحة الحكم؟! ألم يقل الله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [الأنعام: 57]، هذا قضاؤه، وهذا تشريعه، لكن بالعقل أيضًا كما قلت، بالتفاصيل ندرك كذلك أن نظامًا آخر من أنظمة أهل الدنيا لا يساوي هذا النظام، أي نظام لا يعرف طبيعة النفس ولا حقيقة النفس البشرية حتى يحسن التشريع والتقنين لها، كيف أشرّع لمخلوق لا أعرفه؟! وإن رأيت منظره وشكله لكن لا أعلم شيئًا عن النفس التي تقوده إن كانت فاجرة أو تقية، إن كانت ملوثة أو ذكية، لا أدري، فكيف أشرع لها وأقنن لها؟!

أسأل الله أن يكون في ذلك بيان عظيم وبيان واضح، أن أكون وصَّلت شيئًا من هدي القرآن ومن هدي الرحمن، اللهم إنا نسألك أن تشرق بشمس القرآن والهداية على قلوبنا، وأن تشرح بذلك صدورنا، وأن تصلح وتذكي بذلك نفوسنا.
 

 

 

 

 

المرفقات

سور القرآن - سورة الشمس

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات