مقاصد سورة الأعلى

عبد البديع أبو هاشم

2017-02-15 - 1438/05/18
عناصر الخطبة
1/ أسماء \"سورة الأعلى\" وأسرار تسميتها بذلك 2/ المناسبة بين \"سورة الأعلى\" و \"سورة الطارق\" 3/ أهداف \"سورة الأعلى\" ومقاصدها 4/ شرح آيات \"سورة الأعلى\" وبيان أسرارها 5/ تشويه الأعداء لشريعة الإسلام 6/ كمال الشريعة الإسلامية وعظمتها

اقتباس

هدف هذه السورة: تعليم الإنسان، ودفعه إلى اختيار الرب الأعلى، والقدوة العليا، والمنهج الأعلى، والأمة الأعلى، هذه السورة دعوة إلى العلو، إلى الرقي الحقيقي الذي لا زيف فيه، إلى رقي الإنسان ذاته، بغض النظر عن...

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله العلي الأعلى، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات العلى، نحمده -سبحانه وتعالى- ونستعينه ونستهديه، ونتوب إليه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولن تجد له وليا مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى) [الأعلى: 2 - 5].

وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، وعده وربه فبشره بقوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى * فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) [الأعلى: 9 - 6]، نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربنا وتسليماته عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه، فذكر ربه فصلى، وآثر الآخرة على الحياة الدنيا، وصل علينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة المسلمون -عباد الله-: فمع "سورة الأعلى"، تلكم السورة ذات الأسرار، ذات الفضائل، تلكم السورة القريبة المحببة من قلب النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، المترددة على لسانه في أكثر من موضع، يسميها ربنا على أرجح القولين عند العلماء: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى: 1]، وسميت في المصاحف ب "سورة الأعلى"، وذكرتها السيدة عائشة -رضي اَلله عنها- ب "سورة سبح".

 

أما "الأعلى"، و (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)؛ فلأنها ذكرت الله -تعالى- على أنه الولي الأعلى، ولأنها بينت الإنسان الأعلى في هذا الوجود، والأمة الأعلى، والمنهج الأعلى، فهذا الاسم له دلالته، وله إشارته: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 6].

 

أما تسميتها بـ (سَبِّحِ)؛ فلأنها هي السورة الوحيدة التي افتتحها الله -تعالى- بصيغة التسبيح من الفعل الأمر، أو بالفعل الأمر من مادة التسبيح، فقال: (سَبِّحِ)، وهناك مسبحات هذه تابعتها أولها: الإسراء: بدأها الله بالمصدر: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) [الإسراء: 1]، ومن بعدها: "الحديد"، وكذلك: "الحشر"، وكذلك: "الصف"، ثلاث سور بدأها الله -تعالى- بصيغة الماضي: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) عدا الحديد: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ومن بعدها "سورة الجمعة"، و "سورة التغابن" جاءت بالفعل المضارع الذي يدل على الاستمرار أو التجديد والحضور تجدد الفعل مرة بعد مرة: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) هذه السورة بدأها الله بالمصدر، أي له التسبيح -سبحانه وتعالى- وحق التقديس، ومن بعدها فعل ماض؛ فاعلم -أيها المكلف- أن كل من قبلك من الخلق سبحوا لله، ومضى عمرهم على التسبيح، حتى الآن تلك المخلوقات تسبح لله، كل ما في السموات وما في الأرض لا يزال يسبح لله حتى جئت أنت إلى الوجود، فأمرك الله أن تنتظم معه، فقال لك: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، وهي تابعة أو ثامنة السور الأولى النازلة في العهد المكي قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلمَ- قيل تابعة سورة، وقيل ثامنة سورة.

 

أي كان الأمر فهي من أوائل السور التي نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في أوائل العهد المكي، ويدلك على ذلك: أن الله يقول فيها للنبي -عليه الصلاة والسلام-: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى) [الأعلى: 6] أي سنحفظك القرآن بقدرة منا لا بجهد منك أنت: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى) يعني فلن تنس، فلن يأت عليك نسيان، لن يصيبك نسيان؛ لأنك لم تحفظ، ولن تحفظ بجهدك، ولكن سنحفظك نحن ونحن حافظون لقلبك.

 

(إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ) [الأعلى: 7] أن ينسيك إياه مما ينطقه من الآيات، فسوف ينسيك الله إياها، أما أنت فلن تنس، وعد لاستكمال نزول القرآن، وبحفظه في قلب النبي العدنان -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

وبالتالي نجد بينها وبين السورة السابقة تناسب عجيب ف"سورة الطارق" أقسم الله فيها على قدرته على خلق الإنسان، وصرح بذلك: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) [الطارق: 5 - 6]، وبالتالي فهو قادر على رجعه يوم القيامة، وأشار إشارة لطيفة لأولى الألباب يفهمونها بقدرته سبحانه وتعالى على إنبات النبات في الأرض، وذلك مما بين رجع السماء لمائها: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) [الطارق: 11 - 12] ينبت الله النبات من اثنين: السماء تمطر ماءها فتنبت الحبة في باطن الأرض بقدرة الله، ثم يشق الله الأرض للنبتة لتخرج شجرة كبيرة: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا) [عبس: 24 - 26]، فقوله في "سورة الطارق": (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) إشارة إلى قدرته على إنبات النبات، والله ينبت النبات ثم يجعله (غُثَاء أَحْوَى) [الأعلى: 5] وييبس، ثم بعد ذلك ينبت من جديد، بعد دورة زراعية تبدأ بحياة وتنتهي بموت النبات، ذلك ليدل الله الإنسان على قدرته على تعدد دورات الخلق، فكما بدأ خلق الإنسان بحياة يستطيع أن يحييه مرة بعد مرة، فلا تكذب بالبعث يوم القيامة، كانت هذه "سورة الطارق"، في "سورة الأعلى" صرح الله بقدرته على خلق كل شيء أنه خلق كل شيء، وصرح كذلك بخلقه للنبات: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) [الأعلى: 2]، ولم يحدد المخلوق ليشير إلى أنه خلق كل شيء، فسوى كل شيء خلقه: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: 3]، قدر لكل مخلوق خلقه، فسوى مهمة ودورا لهذه الحياة، وهداه إلى هذا الدور ليؤديه.

 

وهو كذلك الذي: (أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) [الأعلى: 4 - 5] فصرحت هذه السورة بخلق الله للكل بما فيهم الإنسان والنبات الذي جاءت إليه إشارة في السورة السابقة، "سورة الطارق" بينت قدرة الله وعظمة الله ورحمة الله، قدرة الله على الخلق وعلى البعث، وبينت رحمته في قوله: (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) [الطارق: 17] الله يحلم على من خالفه، ويصبر على من كفر به، فيمهله ويملي له في الدنيا في العمر، وفي الصحة والمال والسلطان، ربما انتظارا عليه لعله يتوب ويؤمن، أو ليزداد إثما حتى إذا أخذه الله (أَخْذَةً رَّابِيَةً) [الحاقة: 10]، ولله الحكمة البالغة، ولكن من رحمة الله أنه يوفي للإنسان بكل ما هو من حقه، من حقه أن يعيش في الدنيا فيعمر، من حقه أن يعمر فيعمر، من حقه أن ينال كذا وكذا من المعايش فيعطيه سبحانه وتعالى.

 

قدرة عظيمة الذي يملك كل ما ذكرته "سورة الطارق" من خلق الإنسان من ماء مهين، وقدرة على رجعه ليوم القيامة، ويجعل السماء تستقبل السحب، ثم تنزل الأمطار وتستقبلها الأرض فتتصدع لها لينبت النبات، تلك الآيات البالغة في الكون فاعلها وربها لا شك أنه هو الرب الأعلى.

 

أيها الإنسان العاقل: إذا خيرت بين آلهة كثيرة هذا شأنه كذا، وهذا شأنه كذا، وهذا شأنه كذا، وذاك رب خلق كل شيء، وسوى كل شيء، وقدر كل شيء، قدر لكل شيء مهمته ودوره، وهداه إليه، ووفقه لأدائه، وكلفك -أيها الإنسان- باختيار يحفظ لك كرامتك، فتأتي إلى الله بعقل وحب وقناعة. أي إله تحب أن تعبد؟ الرب الأعلى أم رب أدنى؟! رب خلق كل شيء، وسوى كل خلق، وقدر كل دور في هذه الحياة، وأخرج المرعى متاعا لك ولأنعامك ودوابك، أو تعبد إلها لا يملك من نفسه شيئا؟! سواء كان إنسانا كفرعون فغرق ولم يملك أن ينجي نفسه ولا جنده، أو عبادة حجر لا ينفع ولا يضر، ومثله الشجر والقمر والشمس، ونحو ذلك. أي إلها تحب أن تعبد؟ أي إلها ترضى لنفسك بين يديه أن تركع وتسجد؟ أي رب تريد أن تهبه كل نفسك: (إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) [الأنعام: 162]؟ لمن؟ لمن تعطيها؟ لمن تهبها؟ لخالقها وباريها أو لمن لا يملك لها شيئا؟ (لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ)، فليس له شريك فيها خلقا وانجازا، وبالتالي لا يكن له شريك فيها صرفا وإنفاقا، فهي له وحده: (لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 163].

 

فكلمة: (الْأَعْلَى) كعنوان لهذه السورة يشير إلى ذلك المعنى، فهدف هذه السورة: تعليم الإنسان، ودفعه إلى اختيار الرب الأعلى، والقدوة العليا، والمنهج الأعلى، والأمة الأعلى، هذه السورة دعوة إلى العلو إلى الرقي الحقيقي الذي لا زيف فيه، إلى رقي الإنسان ذاته، بغض النظر عن مكونات حياته تتطور أو لا تتطور، فهذا أمر آخر.

 

أما أنا فإنسان لا بد أن أتغير وأتطور وأعلو وأرقى، تطورت الحياة في الآونة الأخيرة كما يقولون في القرن الواحد والعشرين، نعم، تطورت الحياة، لكن هل تطور الإنسان؟ هل ارتقى خلقه؟ ارتقت معاملته؟ ارتقت آماله في الحياة؟ علا بنصرته إلى الأعلى إلى السماء؟ هل علم وعمل بما عمل أحسن مما كان؟ أو علم آيات تدله على أن الله لا إله إلا هو، ومع ذلك لا يزال كافرا منكرا؟ علم وتعلم ومعدل الجريمة يزيد ويتضخم، أين الرقي؟ نريد رقيا في ذات الإنسان حتى لا نسمع كلمة: "بلطجية"، وخاصة في بلاد المسلمين، وإن ظهرت في بلاد أخرى كلمة "بلطجية" من الآلة المعروفة: "البلطة"، كان يحملها الفقير الذي لا شيء له في الدنيا يحملها، ويذهب إلى الصحراء، ويقطع بها الحطب، ويبيع الحطب الذي جمعه، يسمى: حطابا، وتعلمون الرجل الذي جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلمَ- وقال: "هل عندك من شيء؟" قال: عندي درهمان، فاشترى له بهم قدوما وحبلا، وقال: "اذهب إلى الصحراء فاحتطب"، فاحتطب الرجل، فبارك الله في رزقه، وصار صاحب مال.

 

فهذه كلمة ذات صبغة تركية، فكل كلمة تنتهي ب "جيم" كلها كلمات تركية، للموروثات الأتراك في بلادنا، تشير إلى ذلك القطاع المظلوم المعدم الذي وقع عليه ظلم البشر والحكم، فصار فقيرا لا يجد شيئا، ولا يهتدي إلى جمع رزقه سبيلا، فربما تسول.

 

الإسلام حل هذه المشكلة: أن جاء له بقدوم وحبل واحتطب، ورضي بما قسمه الله له واجتهد حتى بارك الله له، لكن أن يحتطب أموال الناس، أن يجمع بسلاحه ممتلكات الآخرين، فهذا حرام، هذا باطل.

 

فحينما نرقى الرقي الذي دل الله عليه، والذي رسم لنا طريقه رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- في دين حفظ اللقطة التي توجد في الطريق العام يمر فيه الجميع حكم عليها بالحفظ، من التقطها ولم يتركها فعليه أن يحفظها لمدة عام، وعلى مدار العام يعرف بها، ويبحث عن صاحبها، هذه حقها عليك بعد عام من التعريف والبحث عن صاحبها، لم يجد من يطلبها عند ذلك يجوز له الانتفاع بها على أنه لو جاء صاحبها يوما من الأيام، طول العمر فعرفها، وتعرف عليها، وطلبها ترد إليه، فهي محفوظة في الطريق، محفوظة عندي، أو عندك، لا تضييع أبدا.

 

انظر هذا من البلطجة التي أنتجها البعد عن دين الله! يدخل الديار العامرة، ويسلب الأموال المملوكة، وربما اغتصب الأعراض المصانة باسم الحرية، لا.. لا حرية بالسلاح، إنما حرية أيما كانت لا بد أن تكون بانضباط.

 

أحبتي في الله: هذه السورة منهج للعلو، وهي قصيرة اللفظ كما تعلمون لذلك هي تحدد نقاط، وعليكم يا أولي الألباب أن تفهموا ما بعد الإشارات، وما وراء الكلمات من خلال آيات القرآن كله، وأحاديث السنة العظيمة التي شرحت هذا القرآن الكريم، وسيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- قدوة واقعية تطبيقية عملية لمن أراد أن يتعرف كيف يسلك طريق الرقي والعلو "كان قرآنا يمشي على الأرض" -عليه الصلاة والسلام-، كان إنسانا راقيا في خلقه، في منطقه، في طباعه -عليه الصلاة والسلام- حتى قبل أن يكون نبيا؛ لأن الله أعطانا عقلا، وسماه: حجرا، يمنعني ويحجر علي من أن أفعل ما يشنني، من أن آخذ ما ليس من حقي، بالعقل هل ترضى أن يأخذ أحد من حقك؟ لا، إذًا لا تأخذ من حق الآخرين.

 

أقنع صلى الله عليه َوسلم شابا أول ما جاء يسأل، أقنعه بحرمة الزنا، وقد جاء يستأذن فيه من بين المحرمات: أبايعك على الإسلام يا رسول الله إلا أن ترخص لي بالزنا؟ لأنه كان أحب شيء إلى نفس هذا الرجل، ما أقنعه النبي -صلى الله عليه وسلمَ- بآية ولا بحديث، ولكن أقنعه بالعقل: "أترضه لأمك؟" لا، "لأختك؟" لا، "لعمتك؟" لا، "لخالتك؟"، وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ولا أخواتهم ولا عماتهم ولا خالتهم، يقول الرجل: دخلت على النبي -صلى الله عليه وسلمَ- وأحب شيء إلى نفسي هو الزنا، ثم خرجت من عنده وأبغض شيء إلى نفسي هو الزنا. بالعقل، ولم يذكر له آية ولا حديثا إنما كان هذا حوارا عقليا، فكان عليه الصلاة والسلام بالعقل إنسانا راقيا، أشارت إليه الأصابع كلها في مكة، وربما خارجها أيضا نموذجا لم يتكرر في العرب فضلا عن غيرهم، فأؤتي النبوة والرسالة فرقاه الله أكثر وأكثر بعلم النبوة: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء: 113]، وبالتالي فهو أرقى إنسان وأثبتت السنة، وكذلك القرآن أنه صلى الله عليه وسلمَ أفضل الخلق والرسل أجمعين، لا، فقولها تفريق بين أحد من رسله، بل لا نفرق بين أحد من رسله، ولا نفضل النبيين بعضهم على بعض إلا بما فضلهم الله، فإبراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم الله، وسيدنا عيسى آية الله، وسيدنا محمد -صلى الله وسلم- رسول الله، ونبي الله، وخليل الله، لكن قضى الله أن لا يتخذ من بعد إبراهيم خليلا، فلو اتخذ إبراهيم لاتخذ محمدا -عليه الصلاة والسلام-.

 

والله –تعالى- لم يقسم بالقرآن بنبي إلا النبي محمد -صلى الله عليه وسلَم-، دل ذلك على عظمته: (فَلاَ وَرَبِّكَ) [النساء: 65] خصه هو، أقسم بذاته سبحانه وتعالى مضاف إلى ضمير النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، وفي آية أخرى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر: 72]، (لَعَمْرُكَ) معناها بعمرك؛ كما نقول: "وحياتك"، فكأن الله يقسم بحياة النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في الآية، والنبي -صلى الله عليه وسلمَ- قالها في موقف استلزم أن يقول ذلك، وما كان يحب أن ينطق بها، ما قالها فخرا وتميزا على إخوانه، ولكن قالها إقرارا للحق، وتعليما للأمة والناس، قال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" يعني لا أقولها فخرا، وأعوذ بالله أن أفخر على إخواني، ولكن استلزم الموقف؛ لأنهم ذكروا ميزة إبراهيم، وميزة فلان، وميزة فلان، وصار الدور على النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، هو يسمعهم من داخل بيتهم وهم في المسجد، فخرج عليهم قبل أن يروا في أمره أو ينطقوا بما لا علم لهم به، قال: "وأنا سيد ولد آدم ولا فخر" -عليه الصلاة والسلام-، فحينما تسير وراءه على طريقه من خلال سنته الكريمة فأنت في طريق الرقي، تسمو إلى مكان أعلى إنسان في الوجود، وعلى الأقل أعلى إنسان في هذه الأمة الطويلة العريضة، هو الوحيد الذي فاز بالنبوة، وحسده الناس يومها: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: 31]، (أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا) [ص: 8]، غضبوا، حقدوا، حسدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- أن جاءته النبوة، وهو ليس مشهورا بين الناس لا بالمال ولا الواجهة، وليس من كبار القوم، ولكن يعرفون عنه الصدق والأمانة والإخلاص، وحب الوطن، وحب الناس، ورحمة الناس والخلق، فضائله لا تعد ولا تحصى عند الكافرين قبل أن يكون نبينا، وقبل أن يجمع الله له الكمال البشري، ومع ذلك حينما جاءته النبوة أعماهم الحسد والحقد: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ) يقتلونك حسدا بأعينهم (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) أي سمعوا منك القرآن: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) [القلم: 51]، كيف بهذا الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب ولم يقل الشعر ولا يعرفه؟ كيف به ينطق بهذا الكلام البالغ البليغ العجيب المعجب الذي لا نستطيع أن نحكي بمثله؟ فحسدوه صلى الله عليه وسلمَ، أعلى إنسان، وعندك فلان وفلان وفلان تحب وراء من تسير؟ تحب أن تقتدي بمن؟ قدوتك في الحياة من؟ ألا يوجب علينا عقلنا الرشيد، وفكرنا السديد أن نتبع أعلى إنسان، على ماذا؟ على شريعة الله أنزلها، قال: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى) [الأعلى: 6]، (سَنُقْرِؤُكَ) سنعلمك القراءة بكلام لا تنساه، شريعة الله أنزلها وفي قلب نبيه الطاهر -صلى الله عليه وسلمَ- وعاها وحفظها، فلا يغفل عنها النبي ولا ينساها -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

شريعة من عند الإله، شريعة من السماء، ومن ذا الذي في السماء؟ إنه الله، مستو على عرشه، فوق سماوات بجلاله وعظمته، يشرع لجميع خلقه الذين خلقهم ويراهم: (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) [مريم: 94]، عرف عدد الخلق إجمالا، وعرف كل مخلوق تفصيلا.

 

إذاً، هو الأعلم، هو الأوسع رؤية، هو الأعظم مشاهدة، لا تغيب عنه غائبة، ولا تخفى عليه خافية، ما من شيء ولو كان مثقال ذرة في الماضي أو الحاضر أو المستقبل الغائب البعيد إلا والله يعلمها، ويستطيع أن يتصرف فيها كما يشاء، ذلك العلم المحيط: (أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: 12]، ذلك العلم الغالب البالغ، ذلك العلم الشاهد عن رب لا يضل ولا ينسى، ترضون حكمه أو تريدون غيره؟ (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50]؟ من أحسن من الله حكما؟ قبلها: سل نفسك، وكل منا يسأل نفسه، وكل من سولت نفسه أن يطلب حكما آخر، أن يسأل نفسه قبل أن يسمع هذا السؤال: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ)؟ من يساوي الله علما؟ من يساوي الله رؤية ومشاهدة؟ من يساوي الله حكمة؟

 

والإجابة عليه لا يصلح أن يجيبها هو على نفسه، ذلك الإنسان الذي يجهل كثيرا: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) [الإسراء: 85]، ولكن ليأخذ الإجابة من قول الله -تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى: 11]، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 4]، فحكم من يسود؟ وحكم من أحسن لنا، وأفضل لنا من مصلحتنا الشخصية أن نأخذ بفتوى الأعلم، أعلم العلماء طالما كانت فتواه متاحة لنا، أو نرضى بفتوى من أي عالم؟ ومن أدنى العلماء ومن طلبة العلم؟!

 

إن العاقل يقول: لا، بل الأعلم هو الأوقع في الفتوى، وأبعد في النظرة، وأمعن في الفكرة، ففتواه لا يشابهه فتوى أخرى ممن دونه، فذهب للأعلم، هذا شأننا في كل مجالاتنا في الحياة، سواء فتوى أو غيرها، فما بالك وأنت تريد حكما يحكم حياة، يحكم حياة مستقبل أولادك، تريد حكما يعم المسلم وغير المسلم، حكما يوفر للكبير والصغير والذكر والأنثى حقه، للإنسان والطير والحيوان والحشرات، لكل واحد قدره، من الذي يحيط علما بكل هذا؟! هو الله.

 

هذه الحقائق الغائبة عن الناس، والتي نعاني منها في هذه المرحلة الخطرة، ونحن على مفترق الطرق لاختيار حكما يحكمنا، أناس يطلبون حكما شرقيا، وآخر غربيا، وآخر كذا وكذا، ومن الناس وهم أكثرهم -والحمد لله- يطلبون حكما إسلاميا؛ لأنه حكم الله بغض النظر عمن يتولى تطبيق هذا الحكم وتنفيذه، إنما دستور الحكم نفسه يكون لله الذي لا يظلم الناس مؤمنا وكافرا لا يظلم الناس شيئا، لا يظلم مثقال ذرة، لا حاجة له فيما حتى يسرقنا أو ينهبنا أو يحرمنا أو يعطينا أو كذا، إنما يعطينا كل شيء من رحمته ومن شكر زاده الله خيرا، ومن كفر حلم الله عنه وأمهله، ما هذا؟! ما هذه الرحمة؟ ما هذا الخير؟

 

سريعا نمر بسياق هذه السورة لنرى ما فيها إذ يأمرنا الله -تعالى- أن ننتظم في منظومة الكون -كما قلت-، الكل يسبح بحمد الله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء: 44]، قال للإنسان الذي أعطاه الاختيار: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)، هداه ودله وبين له: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ) [الأعلى: 1]؛ لأن الكل يسبح اسم ربه فإن سبحت باسمه سبحانه وتعالى سرت مع فلك المسبحين، فدارت دورتك الحياتية بسلام لا تصطدم بشيء كالذي يطوف مع الطائفين حول الكعبة مهما كثر عددهم، ربما تحرك بغير جهد إنما يفتح له من أمامه، ويدفعه من خلفه غير أنه يحرك قدميه ويبدل رجليه فقط، ومهما سار وطال به المسير فلا يصطدم بشيء؛ لأن الكل يسير في اتجاه واحد، وانظر إليه حين استدار وأراد أن يطوف عكس الطواف لأمر ما، إنه لا يتحرك خطوة ولا يبرح مكانه من قوة الدفع التي تقابله وتواجهه، الكون كله يسير هكذا وهو يعاكسه هكذا، لن تدور له حياة، لن يصلح له أمر: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) [طـه: 124]، كم يجد هذا المعاكس من الضيق في طريقه؟! إنه يعارض الطريق في كل شيء.

 

إذاً، من مصلحتنا أن ندور مع الدائرين، وأن نسير مع السائرين: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ)، ولأن الإنسان كما وصاه خالقه كان الإنسان أكثر شيء جدلا يحب المجادلة، ويقول لك: أقنعني دون أن يستحق ذلك، فنحن عبيد والله رب ولا نملك تجاهه إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا، سيدنا وخالقنا لبيك، وهكذا نقولها في الحج كلاما لا بد أن يكون واقعا، ومع ذلك الله –تعالى- أقنعنا أو أعطانا، ما يقنع العقل السليم، أتدري لماذا تسبح باسم ربك الأعلى وليس أحد معه ولا أحد يشاركه ولا أحد غيره؟ (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) [الأعلى: 2]؟ أعندك مثله؟ لا، خلق كل شيء فسوى الخلقة فجعلها جميلة، انظر إلى حيوان مولود سبحان من سواه جميلا، القمر جميل ، النجم جميل، أنا وأنت ننظر في المرآة نقول: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ما أجملني، وقد يحسد الإنسان نفسه من طرف جماله في عينه وإن كان في عين الآخرين شيء آخر، فكل يرى جماله رجلا أو امرأة، ويرى الجمال في زوجته وفي زوجها وفي أولادهما، هذه حقيقة ما خلق الله خلقا إلا وسواه وجمله حتى الأرض، حتى السماوات: (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) [البقرة: 29]، خلقة مستوية، لا إعوجاج، لا تفاوت، لا شقوق ولا فطور، ولا شيء من ذلك.

 

(وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: 3]، هل من إله قدر بشعبه لكل واحد منهم مهمته وهداه إليها، أو أن القرارات تنزل حاسمة قاطمة للظهر: افعل كذا، لا أستطيع، أقول لك افعل، فأقول: لا أفعل، أنا متظلم، يقول: افعل أولا ثم تظلم ثانيا، أي قانون هذا؟! أي قهر؟! الله -تعالى- خلق لدور الناس خلقة، فللرجل الزوج دور، وللزوجة دور، وللأولاد دور، للذكر دور، وللأنثى دور، للطير دور، للحيوانات دور، للإنسان دور، لكل واحد دور، نحن بني الإنسان الدور الذي خلقنا من أجل أن نديره في الدنيا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، بمعنى أن تكون حركتك في الحياة كلها، وأن تكون حركتك كلها في الحياة كلها طاعة لله، ابتغاء مرضاة الله، لماذا تفعل كذا؟ لا تقل للحضارة؛ لأننا شعب حر، لأننا شرقيون، لأننا غربيون، لأننا كذا وكذا.. لا، ليست عندك إلا إجابة واحدة؛ لأن الله أمرني بذلك؛ لأن الله شرع لي ذلك، تعمل كل عمل حتى إماطة الأذى عن الطريق هذا التنظيف الذي يقوم به الشباب -جزاهم الله خيرا على ذلك- في الشوارع ودهن الأرصفة وما شابه ذلك، لماذا؟ لأننا شعب حر ينبغي أن نبني بلادنا، ليتهم كانت نيتهم لله، يجملوا بلادهم، ويأخذوا ثوابه، لكن هكذا ثواب من كلام الناس، قد يدعى لهم بدعوة، قد يعطيهم أحد مساعدة لينفقوها للأعمال التي يعملوها، عملوها للدنيا فهي لهم في الدنيا، لكن لو أضافوا نية الله كانت أسمى وأعلى، فلقد علمنا الله -جل وعلا- من خلال سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن "إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، وصدقة يستحق فاعلها الأجر والثواب من الرحمن" سمو، علو، رقي، بُعد نظر، أن لا أطلب للدنيا هنا، هذه الدنيا فانية، أدخر ليوم القيامة، هذا سمو عال جدا، فأمر الله -تعالى- بأن يسبح الإنسان باسمه، يعني أن يخضع له، وأن يتبع هديه، ولكي تقتنع وأنت في هذا الطريق سائر تذكر أن الله هو: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى) [الأعلى: 2 - 4]، من الأرض الفطرية الجبلية أخرج منها مرعى لترعاها الحيوانات التي تركبها، وتحمل عليها متاعك، وإن كنا لا نركب هذه الدواب وركبنا دوابا من حديد، فقد أخرج الله مرعاها من الأرض أيضا: البترول ومشتقاته، الله -تعالى- الذي أنعم علينا به، وإلا لما صارت سيارة على الأرض ولا طارت طائرة في الجو، ولا تحرك محرك، نعم عظيمة من الله: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى)، نبات: (فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى) [الأعلى: 5]، إشارة إلى البعث ونهاية الحياة، جعله (غُثَاء أَحْوَى)، أصله: أحوى غثاءً، أحوى يعني اسود لونه بعد أن كان عودا أخضر، يغمق لونه، وتذهب خضرته، ثم يميل إلى السواد شيئا فشيئا فيسود، ثم يحصده صاحبه، أو يتركه في الأرض، فيتكسر من الهواء، ومن الدوس عليه، فيصير غثاءً، يعني قطعا صغيرة وخفيفة ورقا وقطعا من الساق، وهكذا، حتى إذا جاءه الماء ساقه أمامه زبدا كما رأيتم ما فعل الفيضان في اليابان، لكن عافانا الله مجرد أن تسقي الأرض بالماء أن يأتيه سيل من السماء يسوق كل هذه الأشياء غثاءً خفيفا أمامه، هكذا.. لا حول فيه ولا قوة.

 

(فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى) ذلكم الرب الأعلى، أيكفي هذا في الإقناع؟! يكفي جدا، ثم نريد مثالا نقتدي به النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، لماذا؟ لأنه معلم من قبل ذلك الرب، ذلك الرب العظيم الأعلى وهو الذي بعثه نبيا، هو الذي أتاه النبوة، هو الذي علمه الكلام، هو.. هو: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء: 113]، فقال: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى) [الأعلى: 6]؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أول ما نزل عليه القرآن حاول أن يجتهد في حفظه خشية ضياع شيء منه، فقال الله له: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: 16 - 17]، (جَمْعَهُ) في صدرك، (وَقُرْآنَهُ) أي قراءته على لسانك، تحفظه في قلبك وتقرأه من قلبك للسانك بحفظ جيد لا تخطئ، هذا واجبنا نحن، وحقك عندنا، فلا تكلف نفسك شيئا من هذا؛ لأن الله لا يريد لنبيه أن ينسى القرآن، كما ينساه الشيوخ والأئمة والعلماء والخطاب، نحن بشر، لكن هذا وحي لا بد أن يحفظ، فحفظه الله للنبي -عليه الصلاة والسلام- في قلبه وأجراه له على لسانه صادقا صالحا تاما كاملا ليبلغه للناس، فقال له: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) [الأعلى: 8] بأي أمر؟ بكل أمر، وخاصة أمر الدين والبلاغ، تحمل هذه الرسالة وبلغها فسوف ييسره الله لذلك، قال: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى) [الأعلى: 9 - 10]، عليك أن تذكر فقط يا نبي الله وليس عليك هداهم: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء) [القصص: 56] ليست مهمتك: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر: 8] يعني لا تهلك نفسك ولا تضيع نفسك حسرة عليهم، أنهم لم يؤمنوا فليس هذا من شأنك، فإن لم يؤمنوا فليس من تقصير منك، قد بلغتهم وأنذرتهم، ما عليك إلا أن تنذر فقط: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) [الشورى: 48].

 

(فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) [الأعلى: 9]، أخي المسلم: معك معلومة، عندك نصيحة، إذا رأيت أن المقام الذي أنت فيه والمجلس الذي تجلسه تنفع فيه هذه التذكرة ولو على غلبة الظن فقلها لا تخبئها، لا تحتفظ بها، بلغها لإخوانك، أما إذا رأيت الموقف والمجلس لا يتقبل الموعظة بغلبة ظنك فدعه، فهم قوم لا يستحقون، وربما موعظتي جاءت بأكبر منها من الضرر فلا داعي أن أقولها، لكن حيث ظننت أنها تنفع ضعها في التربة الصالحة، واترك إنباتها على الله -عز وجل-، وكم من موعظة ألقيت بين قوم فنفعت، نفعت اليوم من ساعتها، أو بعدها بأيام أو بعدها بسنين احتفظ بها قلب من قلوب هؤلاء ويوم من الأيام أنبتها الله في قلبه، فأشرقت عليه بنور الهدى، واستقام بموعظة سمعها منذ سنة أو سنوات حيث رأيت النفع، وظننت النفع فذكر أهل هذا المجلس: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) [الأعلى: 9].

 

ثم قسم الله الناس إزاء هذا الشرع إلى فريقين، كما ترونها كذا وفي كل عصر وفي كل مكان الناس تجاه حكمة الله وحكم الله ودين الله فريقان: قابل ورافض، مقبل ومعرض، لكن يبين الله -تعالى- ميزة من يقبل ويفتح: (سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى) [الأعلى: 10]، مشهور أن الخشية هي الخوف، لا، إنما الخشية هي الخوف عن تقدير، وهذا الخوف عن تقدير يعني تقدير الشيء بقدره، هذا الشيء ينفعني آخذه أو لا آخذه؟ آخذه ولكنه لغيري إذا لا آخذه مع أنه نافع لي، لكن ليس ملكي إذاً لا أخذه.

 

هذا الشيء ضار آخذه أو أقدم عليه أو لا؟ عقلي يقول: لا، يقال لي: أأنت جنان؟ أقول: لا لست جبانا، ولكني أقدر العواقب، هذا أمر يضرني، التدخين يضرني، المعصية تضرني، سوء الأدب يضرني، فلا أقبله أبداً، أنا رجل قوي واستطيع أن أفعل كل شيء مما في إمكاني ، ولكن لا أفعل هذا ولا هذا ولا هذا؛ لأنه إضرار بغيري، والله يحاسبني يوم القيامة؛ لأن هذا الشيء يضرني الآن إن لمسته أو أخذته؛ لأنني أقدر العواقب، هذا إنسان صاحب عقل، صاحب حكمة، فمدحه الله -تعالى- بأنه هو الذي يسمع الموعظة والتذكرة، وينتفع بها، ويقدر قدره.

 

(سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى) [الأعلى: 10]، ومن ذا الذي يعرض يا رب؟ (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) [الأعلى: 11]، على وزن الأعلى، يعني أشقى الناس هو أكثرهم تجنبا لدين الله وحكم الله، وتلقى عليه الموعظة ولا يتذكر، فليس من تكلم في حق الله بسوء، وذكره أهل الدين والدعوة أن يعلن توبته صريحة لله -تبارك وتعالى- فلا يصلح أن يقال على الله أبداً: لو أن الله رشح نفسه! لا، الله لا يرشح نفسه: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) [إبراهيم: 19]، يرشح نفسه! مع من مع عبيده؟! مع إنسان جاهل لا يعرف قيمة الله، إنسان مقلوب يمشي على رأسه، فيعظم حجرا هو الذي صنعه ويترك الله الذي خلقه؟! أي إنسان هذا؟ أهذا يأخذ بصوته في الانتخابات والتشريع؟ صوته معكوس، رؤيته مقلوبة، الصور عنده مشوهة فلا يأخذ برأيه، بل كان الله ولا شيء معه.

 

كلمات أخشى أن تأتي على الدنيا وعلى بلادنا خاصة هي وأمثالها بنكبة عظيمة، لولا أن نتبرأ منها ونبرأ إلى الله في هذا المقام منها، ومن قائلها حتى يتوب إلى الله توبة علانية؛ كما قال الجرم علنا يعلن التوبة علنا كذلك.

 

إنه الرب الأعلى، والذي يتجنب الموعظة، ويظن أن هذه النصائح منا نحن الدعاة وإخواننا المشايخ والعلماء يظنها تطرفا وتزمتا، ونحو ذلك، فهذا أشقى الناس، هذا  كلام ربنا وحكمه وليس كلامي ولا حكمي: (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) [الأعلى: 11]، ثم عرفه جل وعلا بأنه كان أشقى في الدنيا فإنه أشقى في الآخرة: (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى) [الأعلى: 12]، "كبرى" على وزن أعلى أيضا ولكن بالمؤنث، "كبرى" فلا نار مثلها أبداً مهما تخيلت فنار الآخرة سبعون نار من نار الدنيا، مخففة نار الدنيا عن نار الآخرة سبعين مرة، والسبعين بالكسرة قد تكون أعلى من ذلك.

 

(الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى) [الأعلى: 12]، والأكبر من ذلك أنه: (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) [الأعلى: 13]، لا يموت فيستريح ولا يحيى، وإن كان اسمه يحيى ليعيش هنيئا بحياته في وسط نار تتأجج وتستعر وتلتهم وتأكل اللحم والعظم -عافانا الله تعالى-.

 

(ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) [الأعلى: 13] طريق الفلاح، طريق الرقي سهل وميسور: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى: 14 - 15]، التزكية هي الطهارة طهارة بدنية كالتي أنعم الله بها علينا، استنجاء ووضوء، وغسل من الجنابة، ما شاء الله، هذا غير الأغسال الأخرى للنظافة، لكن هذه أغسال عبادية نعبد الله بها، لا بد للصلاة من وضوء، ولا بد لأداء الصلاة أيضا وغيرها من العبادات من غسل وطهارة من الجنابة والحيض والنفاس عند النساء، طهارات، وبالتالي فينبغي أن ينزل هذا الماء على البدن فيصل بطهره إلى القلب، غسلت أطرافك، غسلت ظاهر جسمك فلا بد أن يكون داخل الوعاء أيضا نظيفا، لا تحاسدوا هكذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلمَ-: "لا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تجسسوا, ولا تحسسوا, ولا تناجشوا" ينهينا النبي -عليه الصلاة والسلام- عن تلطيخ قلوبنا بدنس  ونجس من هذه المعاني السيئة: "وكونوا عباد الله إخوانا"، فيه هناك صفاء للقلوب، نقاء، الرجل الذي بشر بالجنة ثلاث مرات في غيبته ولا يعلم إنما علم الناس عنه ذلك حتى أخبر بها، ماذا كان يصنع حينما سئل عن عمل؟ قال: "والله لا أجد عملا أغبط نفسي عليه" ما عندي عمل يعني مميزا، ثم تذكر فقال: "إلا أني لا أنام إلا وأنا سليم الصدر، وما حسدت مسلما على نعمة أنعم الله بها عليه" طهارة، قلب طاهر، وبدن طاهر، (قَدْ أَفْلَحَ) فصار (أَفْلَحَ) الناس على وزن الأعلى، أفعل، صار (أَفْلَحَ) الناس، الفوز الحقيقي العلو والرقي الحقيقي نظافة في الظاهر والداخل: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) [الأعلى: 14] أي تطهر، وأعظم تطهير للقلب أن لا يحتوي على شرك أو رياء، أن لا أعمل عملا أبتغي به وجه الناس والوجاهة بينهم والسمعة الطيبة بينهم، وأن يقال: رجل طيب، فلان رجل صالح، مزك، متبرع، متصدق، فلان حاج يحج كل سنة.. إنما أعمل كل ذلك ابتغاء مرضات الله، افعل من العبادة ما تشاء ولكن ابتغ بها وجه الله، بهذا تكون أفلح الناس: (مَن تَزَكَّى)، والله -تعالى- قال: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: 28]، فقال جمهور العلماء: نجاسة المشركين في قلوبهم لما فيها من الشرك بالله -عز وجل-.

 

(وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى: 15]، الصلاة نصليها ولكن نخشع فيها، نتدبر فيها، نعيشها ونعيش بها، وهي خمس صلوات في اليوم والليلة كأن الله يذكرنا مرة بعد مرة عبر أربع وعشرين ساعة: أنا ربك الأعلى، أنا ربك الأعلى، صباحا ظهرا عصرا مغربا وعشاء، ثم النوم، وهكذا فلا يكاد الإنسان ينسى ربه أبداً.

 

ولكن العائق الوحيد بيننا وبين الفلاح والتطور والرقي بين البشرية وبين هذا السمو هو حب الدنيا، رأس كل خطيئة وبداية كل فاحشة، وشعلة كل نار، حب الدنيا وعدم ذكر الآخرة: (إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) [الإنسان: 27]، لا، ينبغي على المؤمن أن يعمل عكس ذلك، اعمل للآخرة، حب الآخرة فهي دارك الحقيقية، هناك السعادة، هناك النعمة، هناك كل ما تحب وفوق ذلك، هناك ترى ربك الذي لم تره أبداً أنت ولا غيرك في الدنيا: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) [الأنعام: 103] يراه المؤمنون في الجنة فيشعرون أنه ما نزلت عليهم نعمة أبدا مثل هذه النعمة، الجنة كلها لا تساوي شيئا بجوار رؤيتك لوجه الله –عز وجل-.

 

الخطبة كاملة في المرفق..

 

المرفقات

سورة الأعلى

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات