مفاتيح الرزق

ناصر بن محمد الأحمد

2015-01-31 - 1436/04/11
عناصر الخطبة
1/تسع مسائل عقدية مهمة متعلقة بالرزق 2/الأسباب الشرعية لاستجلاب الرزق والبركة
اهداف الخطبة

اقتباس

من طلب الله وسأله، وبذل الأسباب، وتوكل عليه، أعطاه الله، وسخر له ما لا يتوقع ورزقه من حيث لا يحتسب، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن التفت إلى غير الله، وتعلق قلبه بما في يد فلان وفلان، ظن أنهم سيعطوه، وترك سؤال الله، أذله الله، وحرمه ما تمنى، ولم يَأته من الدنيا إلا...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله ...

 

أما بعد:

 

إن الله -جل جلاله-، خلق الخلق، وتكفل برزقهم وقُوتهم، فآواهم وأعطاهم وأمدهم، إليك أخي الحبيب تسع مسائل عقدية في باب الرزق، أُذكر بها:

 

أولاً: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، قال الله -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)[الروم: 40].

 

وقال تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ)[يونس: 31].

 

وقال جل ذكره: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)[النحل: 72].

 

إذاً كل ما بيد المسلم في هذه الدنيا، فهو من رزق الله له، أموال وبنين، بيوت ودور، مزارع وقصور، صحة وعافية، كلها وغيرها من تمام رزق الله لعبده في هذه الدنيا.

 

ثانياً: رزق الخلق في الدنيا من صفات الله الدالة على كمال ربوبيته وقيوميته، انظر إلى ما خلق الله في هذا الكون، تجده كله مرزوقاً متقلباً في رزق الله.

 

ثالثاً: أن كل خير وكل رزق يقدره الله للعبد، لا يمكن أن يخطئه ويستحيل أن يصيب غيره، قال الله -تعالى-: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[هود: 6].

 

لقد تكفل الله برزق الخلق عندما خلقهم، فلم يتركهم سبحانه هملاً، ولم يتركهم جياعاً عطاشاً، بل قدر لهم مقاديرهم، وكتب لكل نفس رزقها ولن تموت يا عبد الله، اعلم أنك لن تموت حتى تستكمل الرزق الذي كتبه الله لك، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "إن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب".

 

إن رزقك -يا عبد الله- كتب لك بالدقة، حتى القرش، حتى اللقمة وأنت في بطن أمك، أرعني سمعك لهذا الحديث، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد"[رواه البخاري ومسلم].

 

فو الله الذي لا إله إلا هو لو اجتمعت الدنيا كلها، بقضها وقضيضها، وجيوشها ودولها، وعسكرها وملوكها، وأرادوا أن يمنعوا رزقاً قدره الله لك، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولو أرادوا أن يسقوك شربة ماء، لم يكتبه الله لك، فإنك ستموت قبل هذه الشربة.

 

رابعاً: إن تقسيم الأرزاق بين الناس لا علاقة له بالحسب ولا بالنسب، ولا بالعقل والذكاء، ولا بالوجاهة والمكانة، ولا أيضاً بالطاعة والعصيان، وإنما يوزع جل جلاله رزقه على عباده، لحكمة هو يعلمها، فقد يعطي المجنون، ويحرم العاقل، وقد يعطي الوضيع، ويمنع الحسيب، وقد يعطي العاصي ويمنع المطيع: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[الأنبياء: 23].

 

ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا *** هلكن إذاً من جهلهن البهائم

ولم يجتمع شرق وغربٌ لقاصد *** ولا المجد في كف امرئ والدراهمُ

 

فإذا أُعطيت -يا عبد الله- فلا تظن بأن هذا الرزق قد سيق إليك لأنك من قبيلة كذا، أو لأنك تحمل الجنسية الفلانية، أو لأنك أذكى من غيرك، أو لأنك أعبد من غيرك، لا، وإنما هذه أرزاق يقسمها مالك السماوات والأرض، لِحِكِمٍ هو يعلمها.

 

خامساً: إن الرزق يُجري للعبد، ليستعين به على طاعة ربه، قال شيخ الإسلام ابن تيمة -رحمه الله-: "إنما خلق الله الخلق ليعبدوه، وإنما خلق الزرق لهم ليستعينوا به على عبادته".

 

إذاً يعطيك الله ما يعطيك لتلهو وتلعب به، وتنسى الدار الآخرة، الذي من أجله خلقت ولأجله أُعطيت.

 

لا، يا عبد الله، إن الله أعطاك ما أعطاك، لتستعين به على عبادته، لا لتستخدمه في معصيته.

 

إن أولئك الذين يستخدمون مال الله، فيما حرم الله، وينهكون الصحة والبدن والعافية، التي هي من أجلّ زرق الله، ينهكونه ويسخرونه في شهوات حرمها الله عليهم هؤلاء بماذا؟ وكيف يجيبون إذا سئلوا يوم القيامة؟ بماذا يجيب الذي يستخدم رزق الله في سفرات محرمة وجلسات مشبوهة؟ بماذا يجيب من يستخدم رزق الله في إدخال آلات ووسائل محرمة إلى بيته، تستقبل العهر والفاحشة من شرق الدنيا وغربها؟

 

بل قبل وبعد هذا بماذا يجيب من يستخدم رزق الله في محاربة دين الله، ومحاربة أولياء الله، ويستخدم رزق الله في التمكين لأعداء الله، فليعد كل واحد جواباً لسؤال ذلك اليوم.

 

سادساً: كثيراً ما يُربط في القرآن بين رزق الله للعباد، وبين مطالبة العباد للإنفاق في سبيل الله من ذلك الرزق الذي تفضل هو به عليهم، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[المنافقون: 9-11].

 

وكثيراً ما يصف الله المؤمنين بأنهم مما رزقناهم ينفقون، فقال تعالى: (قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً)[إبراهيم: 31].

 

وقال تعالى: (وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا)[النحل: 75].

 

وقال سبحانه: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)[الأنفال: 3].

 

ما دلالة هذه الآيات؟

 

إن هذه الآيات وأمثالها تدل على أن من المقاصد الأساسية لرزق الله للعبد، هو التعبد لله بهذا الرزق، ولهذا تجد أن الفقهاء يذكرون في كتب الفقه، أن على العباد، عبادات مالية، ويضربون لذلك مثلاً بالزكاة، وعبادات بدنية كالصلاة، ونوع ثالث تجتمع فيها البدنية والمالية، ويضربون لذلك مثلاً بالحج.

 

إذاً من المقاصد الأساسية لرزق الله، هو التعبد لله به، بالنفقة، والزكاة، والصدقة، والوقف وبإطعام الطعام، والهدية، والهبة، فهذه كلها وغيرها ينفقها المسلم من رزق الله، تعبداً لله، كل هذا ليس بغريب؛ لكن الغريب هو العكس أن لا يتعبد العبد لله من رزق الله، والعجيب أن يمسك العبد عن العطاء لله، من رزق الله، هذا هو الغريب: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)[آل عمران: 180].

 

وقال تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)[التوبة: 75 - 78].

 

وقال عز وجل: (هَا أَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)[محمد: 38].

 

سابعاً: إن الله -جل وعز- فضل بعض الناس على بعض في الرزق، فأعطى هذا وبسط له الكثير، وأعطى ذاك أقل منه، وحرم الثالث فلم يعطه شيئاً، قال الله -تعالى-: (وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ)[النحل: 71].

 

وهذا ليس بغريب وليس بسر؛ لكن من لطيف أسرار الرزق، أنك تجد الأول الذي بُسط له في الرزق، ويملك الكثير، لا يشعر بذلك، بل يشعر أنه محروم، يملك لكن حياته جحيم، يملك ويعيش حياة من لا يملك، والآخر الذي أعطى القليل وفي كثير من الأحيان لا يكفيه، ولا يكفي عياله، ومع ذلك يرى أنه قد أوتي خيراً كثيراً، وأنه رُزق رزقاً عظيماً، ما السر في ذلك أيها الأحبة؟

 

السر، هو الرزق الحقيقي، رزق القلب بالإيمان والقناعة، فمن رزقه الله القناعة، فقد أوتي خيراً كثيراً، وأحس بالسعادة في دنياه قبل آخرته، كتب عمر -رضي الله عنه- إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- يقول له: "واقنع برزقك من الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق".

 

ثامناً: إن الرزق لا يُطلب إلا من الله، ولا يُسأل إلا هو، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، ولذا ذم الله -تعالى- أولئك الذين يدعون غيره في طلب الرزق، فقال سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ)[النحل: 73].

 

وأمر جل وتعالى عباده المؤمنين بطلب الرزق عنده، فقال: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[العنكبوت: 17].

 

من طلب الله وسأله، وبذل الأسباب، وتوكل عليه، أعطاه الله، وسخر له ما لا يتوقع ورزقه من حيث لا يحتسب، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن التفت إلى غير الله، وتعلق قلبه بما في يد فلان وفلان، ظن أنهم سيعطوه، وترك سؤال الله، أذله الله، وحرمه ما تمنى، ولم يَأته من الدنيا إلا ما قدر له: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)[الملك: 21].

 

أما علم أولئك الذين باعوا ذممهم لعرض من الدنيا قليل، وباعوا دينهم مقابل قطعةِ أرض، أو حفنة مال، إن أولئك الذين يلوون أعناق النصوص، ويستظهرون فتاوى، ما أنزل الله بها من سلطان طمعاً في الدنيا، هؤلاء سيمحق الله بركة علمهم إذا كان عندهم علم، وسيمحق بركة العرض الذي نالوه، بل وسيمحق بركة حياتهم كلها: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)[الملك: 21].

 

تاسعاً: إن عطاء الله وإغداقه سبحانه في الرزق على العبد، لا يدل على محبة الله لهذا العبد، ورضاه عنه، فلو وُسع عليك في رزقك، وأصبحت تربح الألوف بدل المئات، والملايين بدل الألوف، فلا تظن بأن هذا بسبب محبة الله لك، فالله قد يعطي الفجّار أكثر من الأبرار، وقد يرزق الكافرين أضعاف أضعاف المسلمين، قال الله -تعالى-: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا * قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا)[مريم: 73-76].

 

وارعني سمعك لحديث عقبة بن عامر في المسند، وهو صحيح: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا وهو قائم على معاصيه، فليحذر فإنما هو استدراج" ثم تلا قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)[الأنعام: 44].

 

قال الله -تعالى-: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا)[الفجر: 15-17].

 

إذن، قد يكون الشخص من أحب عباد الله إلى الله، ويكون في ضنك من العيش، وقد يكون الشخص من أفجر عباد الله، وهو يتقلب في نعم الله، وفي رزق الله ليل نهار.

 

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، واتباع سنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله ...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ...

 

أما بعد:

 

يشغل بال كثير من الناس طلب الرزق، وكيف يكون؟ ويلجأ بعضهم إلى طرق ملتوية، ومحرمة للحصول على الأرزاق، وما علم أولئك أن الحرام يمحق البركة، وجهلوا الأسباب الشرعية التي بها يُستجلب الرزق، وبها تفتح بركات السماء، فإليك -يا عبد الله- ثمانية أسباب شرعية، بها يُستجلب الرزق، هل تستطيع حفظها والأهم العمل بها؟

 

أولاً: الاستغفار والتوبة، قال الله -تعالى-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)[نوح: 10-12].

 

قال القرطبي -رحمه الله-: "هذه الآية دليل على أن الاستغفار يُستنـزل به الرزق والأمطار".

 

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "أي إذا تبتم واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم".

 

جاء رجل إلى الحسن فشكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وجاء آخر، فشكا الفقر، فقال له: استغفر الله، وجاء آخر، فقال: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال: استغفر الله، فقال أصحاب الحسن: سألوك مسائل شتى وأجبتهم بجواب واحد، وهو الاستغفار، فقال رحمه الله: "ما قلت من عندي شيئاً، إن الله يقول: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)[نوح: 10-12].

 

ثانياً: التوكل على الله الأحد الفرد الصمد، روى الإمام أحمد والترمذي وغيره بسند صحيح قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً، وتروح بطاناً".

 

قال الله -تعالى-: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)[الطلاق: 3].

 

ثالثاً: عبادة الله، والتفرغ لها والاعتناء بها، أخرج الترمذي وابن ماجة وابن حبان بسند صحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن الله يقول: "يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً، ولم أسد فقرك".

 

رابعاً: المتابعة بين الحج والعمرة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنها ينفيان الفقر والذنوب كما ينبغي الكير خبث الحديد"[رواه النسائي وغيره بسند صحيح].

 

قال أهل العلم: إزالة المتابعة بين الحج والعمرة للفقر، كزيادة الصدقة للمال.

 

خامساً: صلة الرحم مما يُستجلب به الرزق، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أحب أن يبسط له في رزقه".

 

وفي رواية: "من سره أن يُعظم الله رزقه، وأن يمد في أجله، فليصل رحمه"[رواه البخاري].

 

فأين أنت -يا عبد الله- من صلة الرحم؟

 

إن كنت تريد بسط الرزق بدون صلة الرحم، فهيهات هيهات، فاتق الله، وصل رحمك، يُبسط لك في رزقك، ولعلك تعجب أن الفجرة إذا تواصلوا بسط الله لهم في الرزق، اسمع لهذا الحديث الصحيح، الذي رواه الطبراني من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن أعجل الطاعة ثواباً لَصِلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة، فتنموا أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا، وما من بيتٍ يتواصلون فيحتاجون".

 

سادساً: الإنفاق في سبيل الله من أهم أسباب الرزق، قال الله -تعالى-: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)[سبأ: 39].

 

أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا".

 

وروى مسلم في صحيحه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال الله -تعالى-: "يا ابن آدم أَنفق، أُنفق عليك".

 

الله أكبر ما أعظمه من ضمان بالرزق، أَنفق أُنفق عليك.

 

سابعاً: الإحسان إلى الضعفاء والفقراء، وبذل العون لهم من أسباب، ومفاتيح الرزق، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم"[رواه البخاري].

 

فمن رغب في رزق الله له، وبسطه عليه، فلا ينسى الضعفاء والمساكين، فإنما بهم تُرزق ويُعطى لك، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: "ابغوني ضعفاءكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم".

 

ثامناً: المهاجرة في سبيل الله، والسعي في أرض الله الواسعة من أهم مستجلبات رزق الله لعبده، فما أغلق دونك هنا، قد يفتح لك هناك، قال الله -تعالى-: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً)[النساء: 100].

 

كم من الناس تركوا بلاداً، هي أحب البلاد لقلوبهم ولو خيروا لاختاروها على غيرها؛ لكنه الرزق ففتح الله عليهم في غير أرضهم، وفي غير بلادهم، ونعلم من المسلمين من ضُيق عليهم في بلادهم، فهاجروا على مضض إلى بلاد الكفار، ففتح الله عليهم هناك، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

اللهم ارزقنا الإيمان والهدى، والتقى والعفاف والغنى.

 

اللهم افتح علينا من خزائنك التي لا تنتهي.

 

اللهم افتح علينا من بركات السماء والأرض ...

 

اللهم اعطنا ولا تحرمنا ...

 

اللهم اجعلنا شاكرين لرزقك، مقرين بنعمك علينا، لا إله إلا أنت.

 

 

المرفقات

مفاتيح الرزق1.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات