مع المربي الأول صلى الله عليه وسلم

خالد القرعاوي

2015-08-31 - 1436/11/16
عناصر الخطبة
1/ جَولَة مع المُعَلِّمِ الأَوَّل 2/ أهمية التِمَاس هَديِهِ -صلى الله عليه وسلم- والتَّأسِّي بِسُنَّته 3/ بعض مَعالم هَديِهِ -صلى الله عليه وسلم- في التَّربِيَة والتَّعليم 4/ أهمية المعرفة بالفروق الفردية بين الطلاب.
اهداف الخطبة

اقتباس

ومن خصائِصِ تَعلِيمِهِ -صلى الله عليه وسلم- مَعرِفَتُهُ لِقُدُرَاتِ طُلاَّبِهِ، ومُراعاةُ فُرُوقِهمُ الفَردِيَةِ.. أفلا يَجْدُرُ بِنَا أنْ نَتَأَسَّى بِمَنهَجِهِ، ونَقتَدِيَ بِهديِهِ؟! فالنَّاسُ مَعادِنُ، وَقُدُرَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ، والمُعلِّمُ النَّاجِحُ والمُرَبِّي الحاذِقُ، مَنْ يَتَعَامَلُ معَ الجَمِيعِ، ويُخاطِبُهم كُلٌّ بِحَسَبِ إمكَانِيَّاتِهِ وقُدُراتِهِ، والمُوفَّقُ من أرشدَهُ اللهُ وبَصَّرَهُ...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ للهِ على ما يسَّرَ وأَنعَمْ، عَلَّمَنا مَا لَمْ نَكُن نَعْلَمْ، نَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْكَرِيمُ الأَكْرَمُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ الْمُرْشِدُ إِلَى السَّبِيلِ الأَقْوَمِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وإيمانٍ وَبَارَكَ وَسَلَّم.

 

أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ فبالتَّقوى تُنالُ العُلُومُ، وتُدرَكُ الفُهومُ، وتَصلُحُ الأَحوالُ، وتَزكُو الأَعمَالُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الأنفال: 26].

 

 مَعشَرَ المُسلِمينَ: تَعَالَوا بِنَا في جَولَةٍ مع المُعَلِّمِ الأَوَّلِ، والمُربِّي الأَقوَمِ، نَبيِّ الرَّحمَةِ والهُدى، لِنَتَعَرَّفَ على مَنهَجِهِ في التَّربِيَةِ والتَّعليمِ، والتَّقريبِ والتَّفهيم، ذلكمُ المُعَلِّمُ، الذي أَحيَا اللهُ به القلوبَ، وأنارَ بِهِ العُقُولَ، وأَخرَجَنَا به من الظُّلمَاتِ إلى النُّورِ، ذلكمُ المُعَلِّمُ، الذي أَرسَلَهُ اللهُ رَحمَةً وأمانَاً لِلعالَمِينَ، وحُجَّةً وقُدوَةً للخلقِ أجمعينَ، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 164].

 

فهو أُسوتُنَا، يومَ أنْ تَشَدَّقَ أناسٌ بِفَلاسِفَةِ التَّربِيةِ الغَربِيَّةِ! وغَفَلوا عن القدوَةِ الحَقِيقِيَّةِ! فما أجملَ قولَ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ -رضي الله عنه- : "فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ -صلى الله عليه وسلم- ".

 

عبادَ اللهِ: مَن ظنَّ أنَّهُ سَيَرِدُ مَشرَبَ التَّربِيَةِ والتَّعليمِ من غَيرِ حَوضِهِ، فقد أخطأ الطَّريقَ! فما أَحوَجَنَا مَعَاشِرَ المُرَبِّين إلى التِمَاسِ هَديِهِ -صلى الله عليه وسلم- ، والتَّأسِّي بِسُنَّتِهِ.

 

 وإليكم يا كرامُ: بعضَ مَعالِمِ هَديِهِ -صلى الله عليه وسلم- في التَّربِيَةِ والتَّعليمِ، والتَّقريبِ والتَّفهيمِ. فمن ذلكَ، أنَّهُ يَدفَعُ النَّاسَ إلى التَّعلِيمِ مُبيِّناً لهم فَضلَ العِلمِ وطَلَبِهِ، حتى يَشعُرَ المُتَعَلِّمُ بِشِدَّةِ حاجَتِهِ إلى العلمِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ السَّلاَمَ وَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ".

 

 فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ".

 

حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فَعَلِّمْنِي، فَعَلَّمَهُ -صلى الله عليه وسلم- صِفَةَ الصَّلاةِ كُلِّهَا. فَفرْقٌ بَينَ أنْ يُعلِّمُه ابتِدَاءً، وبينَ أنْ يَشعُرَ هو بالحاجَةِ!

 

فَمَا أحوَجَنا أنْ نَستَعمِلَ هذا الأُسلُوبَ مَعَ طُلاَّبِنا وأبنَائِنا ولو بِإلقَاءِ أسئِلَةٍ عليهم! ومن خَصَائِصِ تَعلِيمِهِ -صلى الله عليه وسلم- عِنايتُهُ بِالمُتَعَلِّمِ: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ بَيْنَمَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ، عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ".

 

فَلَمْ يَنْسَ -صلى الله عليه وسلم- السَّائِلَ ولمْ يُهمِلْهُ، وهو أمرٌ يَكشِفُ عن نَفْسٍ عَالِيَةٍ، وُخلُقٍ سَامٍ رَفيعٍ منه -صلى الله عليه وسلم- !

 

وفَرقٌ بينَ هذا وبَينَ مَنْ لا يُعطِي مَجَالاً لأيِّ سؤالٍ! ومن خَصَائِصِ تَعلِيمِهِ -صلى الله عليه وسلم- تَشجِيعُ الطَّالِبِ والثَّنَاءُ عليهِ: فَحِينَ سَألَ أبو هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ".

 

 وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ -رضي الله عنه- فقالَ: "يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ". قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: "وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ".

 

 فَتَخَيَّل مَعي أَيُّها المُرَبِّي الكريمِ: حالَ أَبِي هُريرَةَ، وأَبِي الْمُنْذِرِ وهما يَسمَعَانِ هذا الثَّنَاءَ العَطِرَ، وتِلكَ الشَّهَادَةَ النَّبَوِيَّةَ الخالِدَةَ، حَتْمَاً سَتَدْفَعُهُما لِمَزِيدٍ من الحرصِ والعِنَايَةِ! حقَّاً إنَّ الأمرَ لا يَعدُو عنْ كَلِمَةِ ثَنَاءٍ، أو عِبَارَةِ تَشجيعٍ، تَنقُلُ الطَّالِبَ من مَوقِعِ التَّلقِّي إلى سُلَّمِ الحرصِ والاجتِهَادِ!

 

 عبادَ اللهِ: ومن خصائِصِ تَعلِيمِهِ -صلى الله عليه وسلم- تَعوِيدُ طُلاَّبِهِ على الاستنبَاطِ وَأنْ يَجعَلَهُم يُفكِّرونَ ويُحاوِلونَ وَيَستَنبِطُونَ، سَأَلَ -صلى الله عليه وسلم- أَصحَابَهُ يَومَاً، فقال: "إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ". فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي حتى قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهَا النَّخْلَةُ.

 

وحينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا بيَّنَ العِلَّةَ فقالَ: "بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"وحينَ قَالَ الصَّحابةُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ -صلى الله عليه وسلم- : "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ".

 

 فَتَأمَّلْ يَا رَعاكَ اللهُ: كيفَ علَّمَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَصحَابَهُ عِلَّةَ الحُكمِ، وأهمِّيةَ القِياسِ والمُقارَنَةِ!

 

فاللهمَّ عَلِّمنَا ما يَنْفَعُنا وانفعْنِا بِما عَلَّمتَنا وارزقنا حُسنَ القولِ والمُعتقدِ والعمل. أقولُ ما سمعتم، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولِسائِرِ المسلمين من كلِّ ذنبٍّ إنَّهُ هو الغفور الرَّحيمُ.

 

 

 الخطبة الثانية:

 

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، نَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصَّالحِينَ! وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأَمِينِ، المَبعُوثِ رَحمَةً للعالَمينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.

 

عبادَ اللهِ: حَدِيثُنا لا زَالَ مَوْصُولاً عَنْ هَدْيِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي التَّربِيَةِ والتَّعْلِيمِ، فَمَا أَجْمَلَ أَنْ نَقْتَبِسَ مِيرَاثَهُ ونَحذُوَ حَذْوَهُ في تَعَامَلِنا مَعَ أَوْلادِنَا فِي الْبُيُوتِ، وَمَعَ طُلَّابِنَا فِي الْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ.

 

 أيُّهَا الْمُرَبُّونَ الأفاضِلُ: ومن خصائِصِ تَعلِيمِهِ -صلى الله عليه وسلم- التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ، أمامَ أصحابِهِ! فَكَثِيراً ما يَتَوَضَّأُ أَمَامَ النَّاسِ، فإذا انْتَهَى قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

 

وكانَ يُصَلِّي على الْمِنْبَرِ ويسجدُ ويقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلاتِي". فَمَا أَجْمَلَهُ مِنْ تَعْلِيمٍ! وما أَقْربَهُ وأَيسَرَهُ مِنْ تَفْهيمٍ!

 

 وَإِنَّ كثيراً من إخوانِنا المُعلِّمينَ الْمُوَفَّقِينَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بحمدِ اللهِ تعالى، فَجَزَاهُمُ اللهُ خَيْرَ الجزاءِ وأوفاهُ.

 

عبادَ اللهِ: ومن خصائِصِ تَعلِيمِهِ -صلى الله عليه وسلم- مَعرِفَتُهُ لِقُدُرَاتِ طُلاَّبِهِ، ومُراعاةُ فُرُوقِهمُ الفَردِيَةِ: فمن دِقَّةِ مَعرِفَتِهِ أنْ قالَ: "أرحمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهم في أَمرِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصدَقُهم حَيَاءً عُثمَانُ، وَأَعلَمُهم بالحلالِ والحَرَامِ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأفرَضُهُم زَيدُ بنُ ثَابِتٍ وَأَقرؤهم أُبَيٌّ، ولِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هذهِ الأُمَّةِ أبو عُبيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ" (قالَ الأًلبًانِيُّ: حدِيثٌ صَحيحٌ).

 

وَحَدَّثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ -رضي الله عنه- فَقَالَ: "بَيَّنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكُ اللَّهُ، فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ: فَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي سَكَتُّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- دَعَانِي، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَطُّ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا ضَرَبَنِي، وَلاَ كَهَرَنِي، وَلاَ شَتَمَنِي، وَلَكِنْ قَالَ: "إِنَّ صَلاَتَنَا هَذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّكْبِيرُ، وَالتَّسْبِيحُ، وَتِلاَوَةُ الْقُرْآنِ".

 

أفلا يَجْدُرُ بِنَا أنْ نَتَأَسَّى بِمَنهَجِهِ، ونَقتَدِيَ بِهديِهِ؟! فالنَّاسُ مَعادِنُ، وَقُدُرَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ، والمُعلِّمُ النَّاجِحُ والمُرَبِّي الحاذِقُ، مَنْ يَتَعَامَلُ معَ الجَمِيعِ، ويُخاطِبُهم كُلٌّ بِحَسَبِ إمكَانِيَّاتِهِ وقُدُراتِهِ، والمُوفَّقُ من أرشدَهُ اللهُ وبَصَّرَهُ. وَنَستَفِيدُ أيضَاً أنَّهُ لا يَنبَغي لِجَمَاعةِ المَسجِدِ أنْ تَرتَفِعَ أصوَاتُهم بالنُّصحِ والتَّوجِيه لِكُلِّ مُخالِفٍ أو مُقَصِّرٍ! بل يَترُكُونَ الأمَرَ لِلإِمَامِ، لِيَقُومَ بالنُّصحِ والتَّوجِيهِ.

 

قالَ الشيخُ السَّعديُّ رحمهُ اللهُ: "لقد أَرشَدَنا رَبُّنَا إلى الطَّرِيقَةِ المُثلى في تَعلِيمِ المُتَعَلِّمينَ، بِأَنْ نَسلُكَ أَقرَبَ طَرِيقٍ يُوصِلُ المَعَارِفَ إلى أذهَانِ المُشتَغِلِينَ؛ فلا نَزحَمُهَا بِكثرَةِ الفُنُونِ؛ ولا يُلقَى عَلَيهم مِنْ المَسَائِلِ ما لا يُطِيقونَ، بل يُلقَى على كُلِّ أَحَدٍ ما يَتَحَمَّلُهُ ذِهنُهُ، وما يَشتَاقُ إليهِ، وَلْيَكُن تَأْسِيسُكُم على عُلومٍ نَافِعَةٍ صَحِيحَةٍ، وَمَعارِفَ قَوِيَّةٍ رَجِيحَةٍ! فَبِذَلِكَ تَصْلُحُ الأَحوَالُ، وَتَزكُو الأَعمَالُ، وَتصلُحُ العَقَائِدُ والأَخلاقُ، وَيَسِيرُ التَّعلِيمُ إلى كُلِّ خَيرٍ وَينْسَاقُ".

 

إخواني: هَذَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا زَخُرَتْ بِهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مِنْ هَدْيِ الْمُصْطَفَى -صلى الله عليه وسلم- وَطَرِيقَتِهِ فِي التَّعْلِيمِ، فيأَيُّهَا الآبَاءُ وَالْمُعَلِّمُونَ: لِنَقْتَدِي بِنَبِيِّنَا -صلى الله عليه وسلم- وَلْنَقْتَفِيَ أَثَرَهُ، وَاللهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً.

 

جَعَلَنَا اللهُ مِمَّنِ اسْتَمَعَ الْقَوْلَ فَاتَّبَعَ أَحْسَنَهُ، وَمِمَّنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَمِلَ بِهِ وَدَعَا وَإِلَيْه اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمَاً نَافِعَاً وَعَمَلاً صَالِحَاً، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَحَبَّةَ نَبِيِّكَ وَاتِّبَاعَهُ ظَاهِرَاً وَبَاطِنَاً، اللَّهُمَّ اهدِنَا واهدِ بِنَا، وأصلح شَبَاب المسلمينَ، وأعنَّا جَميعا على أداءِ الأمانَةِ، وحقِّ الرِّعايَةِ يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهم اجعل عامَنَا الدِّراسيَّ عامَ خيرٍ وهدىً، وفلاحٍ وتُقى، وأمْنٍ وعِزٍّ وإيمَانٍ يا ربَّ العلمين.

 

اللهم أرنا الحقَّ حقاً وارزقنا إتباعه والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه يا ربَّ العالمين. اللهم وفِّق ولاةَ أمورِنا لما تُحبُّ وترضى وأعنهم على البرِّ والتقوى واجعلهم هداةً مهتدين غيرَ ضالين ولا مُضلين وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا ربَّ العالمينَ. اللهم وأعزَّ الإسلامَ والمسلمين في كلِّ مكانٍ كن لهم ناصِراً ومُعيناً.

 

 اللهم وعليك بأعداء الدِّينِ، الذينَ يُفسِدونَ في الأرضِ ولا يُصلِحونَ. اللهم احمِ حُدُودَنا وجُنودَنا وبلادَ المسلمينَ. اللهم اغفر لنا ولوالدِينا والمسلمينَ أجمعينَ.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45].

 

 

 

المرفقات

مع المربي الأول صلى الله عليه وسلم.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات