مع الخاشعين

أمير بن محمد المدري

2012-03-27 - 1433/05/04
عناصر الخطبة
1/ الخشوع وصفات الخاشعين 2/ أول أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة 3/ فضل الخشوع ومنزلته 4/ سمات الخاشعين 5/ اختلاف ثواب المصلين 6/ الخشوع من شروط قبول الصلاة 7/ أسوأ الناس سرقة 8/ كيف تكون المناجاة والخشوع والقلب غافل؟! 9/ أحوال السلف في الخشوع 10/ للعبد موقفان بين يدي الله

اقتباس

الخاشعون هم أهل التعظيم، عرفوا عظمة الله، فعظّموا هذه الصلاة، وعظموا من يقفون بين يديه. الخاشعون هم الذين أيقنوا أنهم ضعفاء واقفون أمام الرب القوي, أيقنوا أنهم أذلاء واقفون بين يدي العزيز. الخاشعون هم الذين يوقنون أن الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. الخاشعون يتلذذون بصلاتهم، ويستأنسون بمناجاتهم، فسرعان ما تنقضي دون أن يشعروا..

 

 

 

 

 

الحمد لله الكريم الفتاح أهل الكرم والسماح، المُجزِل لمن عامله بالإرباح، سبحانه فالق الإصباح وخالق الأرواح.

أحمده سبحانه على نعمٍ تتجدد بالغدو والرواح، وأشكره على ما صرف من المكروه وأزاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة بها للقلب انفساح وانشراح.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي أرسل بالهدى والصلاح، اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ما بدا نجم ولاح.

أما بعد:

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأن نُقدِّم لأنفسنا أعمالاً صالحة مباركة تُبيض وجوهنا يوم نلقاه عز وجل.
(يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:88-89].
(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران:106].
(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) [آل عمران:30].
(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن:9].

نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يحبب إلينا الإيمان، ويزينه في قلوبنا، وأن يكِره إلينا الفسوق والعصيان ويجعلنا من الراشدين.

عباد الله: الخاشعون من هم الخاشعون؟ وما وهو الخشوع؟ وما هي صفات الخاشعين؟
الخشوع هو الانكسار والذل بين يدي ملك الملوك جل وعلا.
الخشوع هو تذلل القلوب لعلام الغيوب.
الخشوع هو أول ما يُرفع من الناس كما جاء من حديث شداد بن أوس – رضي الله عنه - عن النبي – صلى الله عليه وسلم-، وصدق حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورُبّ مُصلٍّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعاً".

والله جل وعلا مدح الخاشعين الخائفين المنكسرين لعظمته فقال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90].

وقال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)[لأحزاب:35].

ومدح الله الخاشعين في أشرف العبادات وهي الصلاة، فقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون:2].

عباد الله:

أول أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة الخشوع في الصلاة، فالصلاة بلا خشوع كالجسد بلا روح.
وكان النبي – صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري» [رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح «8/13»].

وكان النبي – صلى الله عليه وسلم - أيضاً يدعو ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا تُسمع" [رواه مسلم].

ويقول حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه -: "إياكم وخشوع النفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع".

قال جل وعلا: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) [النساء: 43]، نزلت هذه الآية قبل أن يُحرم الخمر حين كان يشرب المسلمون الخمر، ثم يصلون ولا يعلمون ما يقولون, ونحن -أيها المسلمون- اليوم لسنا سكارى بالخمر لكن نحن سكارى بالدنيا وشهواتها وملذاتها, حتى لا يدري المسلم وهو يصلي ما يقول وما يقرأ، وما يُسبِّح فيعبد الله وهو يسبَح في وديان الدنيا.

فيا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى بالدنيا وشهواتها، وأقبلوا على الله بقلوبٍ خاشعة منيبة خاضعة.

قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «من صلى لله ركعتين لم يحدّث نفسه فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه».

عباد الله: من الناس من يصلي وله خُمس الأجر من صلاته، ومنهم السدس، ومنهم العُشْر، بل إن منهم من يصلي ولا تُقبل منه صلاته، بل تُلّف في خِرقة بالية، وتقول: ضيَّعك الله كما ضيَّعتني.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل لينصرف، وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تُسعها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، ربُعها، ثُلثها، نُصفها» [رواه أبو داود والنسائي].

وصدق الله تعالى حين قال: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً) [الفرقان:23].

قال أحد التابعين: "الصلاة كجارية تُهدى إلى ملك من الملوك، فهل تهدى جارية عمياء أو شلاَّء أو بكماء، فهل تقبل هذه الهدية -ولله المثل الأعلى- والله تعالى طيبٌ لا يقبل إلا طيباً".

عبد الله: يا ساهياً في صلاته، جسمك في مِصْرٍ وقلبك هائم في كل مِصْر، صورة بلا روح، جسد بلا حياة، عربي النطق أعجمي الفهم، مثَلُك مثَل من طلب منه الملك جوهرة ثمينة لقاء قربه، وجعله في الحاشية, فاشترى حفنة تراب، ووضعها في سلِّة قَش وقدَّمها, فلما رآها الملك غضب وكان الطرد والإبعاد بديل القُرب والإسعاد.

عباد الله: الاطمئنان شرط أساسي لقبول الصلاة.

كان النبي – صلى الله عليه وسلم - جالساً في المسجد مع أصحابه يوماً.. فدخل رجل فصلى.. وجعل النبي –صلى الله عليه وسلم - يرمقه وهو يصلي، ثم جاء فسلم على النبي – صلى الله عليه وسلم- فرد عليه السلام.. ثم قال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ» فرجع الرجل فصلى.. كصلاته الأولى.

ثم جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم - فسلَّم عليه.. فقال له: «وعليك السلام ارجع فصلِّ.. فإنك لم تصلِّ» فرجع الرجل فصلى.. ثم جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم - فسلَّم عليه فقال له: وعليك السلام.. «ارجع فصلِّ.. فإنك لم تصلِّ».
فقال الرجل: والذي بعثك بالحق.. ما أُحسن غير هذا.. فعلِّمني فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر.. ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن.. ثم اركع حتى تطمئن راكعاً.. ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً.. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» [رواه البخاري].

عجباً فما أحوج كثير من الناس اليوم أن يقال له بعد صلاته: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ..؟! ينقر أحدهم سجوده كنقر الغراب.. ويركع مستعجلاً كالمرتاب لا يناجي ربه في السجود.. ولا يخشع للرحيم الودود.

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته»، قالوا يا رسول الله كيف يسرق من صلاته؟، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يُتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها» [صحيح الترغيب والترهيب525]

نعم هو أسوأ الناس سرقة؛ لأنه يسرق في بيت الملك فأين الحياء.
وهو أسوأ الناس سرقة؛ لأنه يسرق من صلاته فيفسدها.

وهو أسو الناس سرقة؛ لأن سارق الدنيا ينتفع بما يسرق، ويتمتع به، أما هو فيسرق من حق نفسه في الثواب ويشتري بذلك العقاب في الآخرة.

عباد الله: اسمعوا هذا الحديث العظيم عن أبي عبد الله الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي فقال: «لو مات هذا على حاله مات على غير ملة محمد – صلى الله عليه وسلم – ».[صحيح الترغيب والترهيب529]

الصلاة -يا عبد الله- مناجاة بينك وبين الله فكيف تكون المناجاة والقلب غافل ها هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تُخبرنا عن النبي – صلى الله عليه وسلم - سيد الخاشعين وإمام المخبتين، وتقول كان النبي – صلى الله عليه وسلم - يحدثنا ونحدثه، ويلاعبنا ونلاعبه، فإذا حضرت الصلاة كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.

جاء في حديث أبي أيوب أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قمت إلى صلاتك فصلِّ صلاة مودع» [رواه الطبراني في الأوسط وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة: «1914»].

وقال صلى الله عليه وسلم: «اذكر الموت في صلاتك، وصلِّ صلاة رجل لا يظن أنه سيصلي صلاة غيرها» [صحيح الجامع].

أيها المسلمون: الخاشعون هم الذين يحضرون قلوبهم في الصلاة، ويجعلون الهموم همًّا واحدًا للصلاة.
الخاشعون هم أهل الفهم يقرءون ويفهمون ما يقرءون ويسبحون ويعرفون من يسبحون.

الخاشعون هم أهل التعظيم عرفوا عظمة الله، فعظموا هذه الصلاة، وعظموا من يقفون بين يديه.
الخاشعون هم الذين أيقنوا أنهم ضعفاء واقفون أمام الرب القوى, أيقنوا أنهم أذلاء واقفون بين يدي العزيز.

الخاشعون هم الذين يوقنون أن الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
الخاشعون يتلذذون بصلاتهم ويستأنسون بمناجاتهم، فسرعان ما تنقضي دون أن يشعروا.

وصدق النبي – صلى الله عليه وسلم- حين قال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» [أخرجه أحمد والنسائي وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب «537»].

كانت هذه اللذة عند عروة بن الزبير رحمه الله بحراً أغرقت فيه سفن الألم فلم تقترب من شاطئ الجسد ولم تصل إلى عالم الوجدان فكيف كان ذلك؟

وقعت الآكلة في رجله فأشاروا عليه بقطعها حتى لا تُفسد جسده كله، فأشار عليهم بقطعها في الصلاة وخرج بخشوعه من دنيا البشر إلى لذة القرب من الله، فقطعوا كعبه بالسكين دون أن يلتفت حتى بلغوا عظمه فوضعوا عليه المنشار ونشروها وهو لا يلتفت ثم جيء بالزيت المغلي فغمرت به فغشي عليه ساعة ثم أفاق وهو يقول هل انتهيتم؟

سبحان الله كيف كانوا رضوان عليهم يتلذذون بالعبادة، ويتركون الدنيا كلها خلف ظهورهم.
سُئل خلف بن أيوب: ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها، قال: لا أُعوِّد نفسي شيئاً يفسد علي صلاتي، قيل له: وكيف تصبر على ذلك؟ قال: بلغني أن الفُسَّاق يصبرون تحت سياط السلطان فيقال: فلان صبور، ويفتخرون بذلك؛ فأنا قائم بين يدي ربي أفأتحرك لذبابة؟!!

وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع.

وذكر الذهبي في ترجمة أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري أنه كان صاحب نسك، وعبادة قال عنه ابن وهب: رأيت سفيان الثوري في الحرم بعدما صلى المغرب قام ليصلي النافلة.. فسجد سجدة.. فلم يرفع رأسه حتى نودي بالعشاء.

وقال علي بن الفضيل: أتيت أريد الطواف بالكعبة.. فإذا سفيان ساجداً يصلي فطفت شوطاً فإذا هو على سجوده.. فطفت الثاني فإذا هو على سجوده..

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

اسمع معي -يا عبد الله- وعش معي لنكن من الخاشعين.

إذا سمعنا الأذان ونداء التوحيد، الله أكبر، الله أكبر، فلنستحضر في قلوبنا هول النداء يوم القيامة يوم الصاخة، ويوم الحاقة يوم الزلزلة، يوم الدمدمة، يوم ينادى على كل إنسان للعرض على الله – عز وجل - فإن المسارعين إلى هذا النداء في الدنيا هم الذين يُنَادون يوم القيامة باللطف واللين، فللعبد موقفين بين يدي الله في الصلاة ويوم القيامة، فإذا أحسن العبد وقوفه في الصلاة سهل وهان عليه الوقوف العظيم يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، قال: أحد العباد ما سمعت النداء: إلا تذكرت هول النداء للعرض على الله يوم القيامة: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة:18].

فإذا تطهرنا للصلاة لا بد أن نتطهر ظاهراً وباطنًا, فلا يكفي أن نغسل الظاهر، وننسى الباطن فلنخرج من قلوبنا كل غلٍ وحسد وبغضاء لمسلم وليكن شعارنا (ربنا وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10].

فإذا دخلنا في الصلاة كبَّرنا وقلنا الله أكبر, فإذا نطقت ألسنتنا بالتكبير، فينبغي أن لا نُكَذِّب ذلك بقلوبنا، فلنقل الله أكبر باللسان والقلب فلا شيء أكبر من الله لا دنيا، ولا مال، ولا أهل ولا شهوة.

ثم نقرأ دعاء الاستفتاح الذي أوله.. وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ولنتوجه بقلوبنا وأجسادنا إلى الله خالق كل شيء إلى الله رب كل شيء.

تم نستعيذ بالله من الشيطان الر جيم، ولنعلم أن هذا الشيطان هو عدونا المتربص بنا ليبعدنا عن الخشوع أمام علام الغيوب.
ثم نبدأ في قرأت أم الكتاب الفاتحة الشافية الكافية السبع المثاني.

فإذا قلنا الحمد لله رب العالمين قال الكريم جل جلاله: حمدني عبدي.
فإذا قلنا الرحمن الرحيم قال الكريم: أثنى عليَّ عبدي.
فإذا قلنا مالك يوم الدين قال الكريم: مجًدني عبدي.

فإذا قلنا إياك نعبد وإياك نستعين قال الكريم: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل.

الله أكبر لو لم يكن من الصلاة إلا ذكر الله لنا لكفى بها غنيمة، ومع هذا الفضل من الناس من يقرأ وهو غافل يتحرك اللسان والقلب غافل: (أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:24].

لذا ينبغي أن نحرص على تدبر ما نقرأ من السور، فهذا زُرارة بن أبي أوفى أحد التابعين لما قرأ قوله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) خَرَّ ميتاً، وكان يصلي الصبح.

وكان إبراهيم النخعي-رحمه الله تعالى- إذا سمع قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) [الانشقاق:1] اضطرب حتى تضطرب أوصاله.
وفي السجود نضع أفضل مكان فينا بذل وانكسار وخشوع لله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فلنستشعر ذلنا وعز مولانا وأنه أعظم من كل عظيم.

وفي التشهد نجلس جلوس تأدب ووقار بين يدي الله، ثم نرفع كل معاني المدح والثناء والتحيات لله، والصلوات الطيبات لله.

ثم نسلم على المصطفى – صلى الله عليه وسلم - ولو بعدت المسافات ونستحضره أمامنا ونسلم عليه بوقار وأدب: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، ونذكر جهاده وبذله وجهاده في سبيل نشر هذا الدين ليصل إلينا غضًّا طريًّا، ونسلم عليه ونذكر أنه هو السبب بعد الله في خروجنا من الظلمات إلى النور.

السلام عليك.. يا أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، ونستشعر أن الله سيرد عليه روحه ليرد علينا سلامنا، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم ثم نقول: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فكل عبد صالح في الأرض نحن نسلم عليه، هذا لنعلم أننا بغير الصالحين في ضياع، إننا بغير نصرة الصالحين في ضياع، السلام علينا وعلى عباد الله: الصالحين.

ثم نجدد العهد والميثاق مع الله ونؤدي الشهادتين بإخلاص وإيمان، ونصلي على النبي – صلى الله عليه وسلم - وندعو بما علمنا النبي – صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" [رواه البخاري].

ونستعيذ بالله من شر عذاب القبر وعذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.
ثم نسلم على الملائكة والحاضرين من المسلمين ثم نستغفر الله من كل نقص وتقصير في صلاتنا.
هكذا هي صلاة الخاشعين هكذا هي صلاة المنيبين.
سئل حاتم الأصم -رحمه الله تعالى- عن صلاته فقال: "أقوم إلى صلاتي وأجعل الكعبة بين حاجبي، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن يساري، وملك الموت على رأسي، وأظنها آخر صلاتي، ثم أكبر تكبيرًا بتحقيق، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعًا بتواضع وسجود بخشوع، ثم أسلم ولا أدري أقبلت صلاتي أم لا".

كان على بن أبي طالب رضي الله عنه إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلون فقيل له: ما لك؟ فيقول: جاء وقت أمانة عُرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وحملتها أنا.

وكان على بن الحسين رحمه الله إذا توضأ اصفر لونه، فقيل له ما هذا؟ ما الأمر؟ قال: أتدرون بين يدي من سأقف.

الله أكبر.. الله أكبر.. هاهي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقوم في ساعةٍ من الليل فتبحث عن النبي– صلى الله عليه وسلم - فلا تجده في فراشه وتتلمسه بيدها فتصل يديها إلى قدم النبي – صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد فتسمعه وهو يدعو الله في سجوده ويقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك" [رواه مسلم].

قال ابن القيم –رحمه الله تعالى -: كان بعض السلف يصلي في اليوم والليلة أربع مائة ركعة، ثم يقبض على لحيته، ويقول لنفسه: يا مأوى كل سوء، وهل رضيتك لله طرفة عين!!
هذا كله حياءً من الله تعالى.

هذه حياة الخاشعين الذين هم على صلاتهم يحافظون، وعليها دائمون، وبين يدي ربهم خاضعون.
إنها الصَّلاةُ يا عباد الله: قرَّةُ عيونِ الموَحِّدين، ولذَّةُ أرواح المحبين، وبستان العابدين وثمرة الخاشعين، فهيَ بستَانُ قلوبهم.. ولذَّةُ نفوسهم.. ورياضُ جوارحهم، فيها يتقلبون في النعيم.. ويتقربون إلى الحليم الكريم..

عبادة.. عظَّم الله أمرها.. وشرَّف أهلها.. وهي آخر ما أوصى به النبي عليه السلام.. وآخر ما يذهب من الإسلام.. وأول ما يسأل عنه العبد بين يدي الملك العلّام.
هذا هو واقع الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم مع الصلاة..

يفزعون إليها عند النوائب، ويلوذون بها في النوازِلِ، يتعرف بها أحدهم إلى الله في الرخاء.. فيعرفه ربه في الشدة، بوابة للرحمات ومفتاح الكنز.. الذي من حصله حاز الخيرات.. وكانت لأحدهم رَبيع قَلْبِهِ.. وحياة نفسه، وقُرّة عَيْنِهِ، ولذة جسده، بل هي جِلاء حُزْنِهِ.. وذَهاب همِّه وغَمّه..وقد أشار المصطفى – صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك حين قال: «أرحنا بها يا بلال».

ولهذا ورد عنه صلى الله عليه وسلم كما أسلفنا في الخطبة الأولى أنه كان يقول: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» [رواه أحمد والنسائي].

هؤلاء هم الخاشعون.

أسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، هذا وصلوا وسلموا على رسول الله وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.

 

 

 

 

المرفقات

الخاشعين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات