مسحات الجمال من ذي الجلال والكمال

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2014-03-29 - 1435/05/28
التصنيفات: التوحيد
عناصر الخطبة
1/ النفس مفطورة على حب الجمال 2/معنى الجمال 3/جمال الرب سبحانه وتعالى 4/من مشاهد الجمال الإلهي 5/مشاهد الجمال عند خلقه 6/الجمال الزائف.

اقتباس

فهو -سبحانه- الجميل الذي لا أجمل منه، وصفَ نفسَه بهذا الجمال، وسَمى نفسَه به، ليجعل الجمال أساسا في الوجود، وأصلاً في الذات والصفات، فكان جميلاً في كل شيء، جميلا في كونه هو الله، وجميلاً في كونه هو الخالق، وجميلا في تلك الأسماءِ التي له، وجميلا في تلك الأفعال التي فعلها، وجميلا في كلامه...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله اللطيفِ الرؤوفِ المنانْ، الغني القويِ السلطانْ، الحليمِ الكريمِ الرحيمِ الرحمنْ، الأولِ فلا شيء قبله والأخرِ فلا شيء بعده، والظاهرِ فلا شيء فوقه، والباطنِ فلا شيء دونه، يعلمُ ما كانَ وما يكونُ وما لم يكنْ لو كانَ كيف يكونْ، أرسي الأرضَ بالجبالِ في نواحيها، وأرسلَ السحابَ الثقالَ بماءٍ يحييها، ثمَّ قضي بالفناءِ علي جميعِ ساكنيها، ليجزيَ الذين أساءوا بما عملوا ويجزيَ الذين أحسنوا بالحسنى، أحمدُهُ -عزّ وجلّ -وأشكرُه ومن مساويِ عملي أستغفرُه.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلّ عنِ الأشباهِ والأمثالْ وتقدَسَ عنِ الشركاءِ والأضدادْ، لا مانع لما أعطي ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد، وأشهد أن سيدَنا وحبيبَنا وإمامنا وقدوتَنا وأسوتَنا محمدٌ رسولُ الله، أرسله الله بشيرا ونذيرا وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيرا، ففتّح الله به أعيناً عميا وأذاناً صما وقلوباً غلفا، فصلواتُ الله عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسانٍ إلي يومِ الدين.

 

أما بعد:

 

فإن الله -عز وجل- قد فطر النفس البشرية على حب الجمال، والتعلق بالحسن من الأشياء، كما جبلها على بغض القبح والنفور من قبائح الأشياء، فترى المرء يميل طبعاَ ناحية الجميل من كل شيء، فالجمال محبوب لكل النفوس، والجمال حسن في الشيء، مزروع فيه، وظاهر عليه، يستلفت انتباهَ البصر والبصيرة، ويستجلب المدح والإشادة باللسان.

 

إن الجمال سر ساحر في الوجود، وضعه الخالق ليكون دالاً عليه، ومنبئاً عنها، وليكون ظاهرة من ظواهر إبداعه في صنع الكون، نعتَ به نفسَه ووصفها، ليكون أبلغ في بيان سرِّه، وقد دل على ذلك حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ" قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" [مسلم (131)]، وجاء في حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- مرفوعاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله تعالى جميل يحب الجمال, ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس".[صحيح الجامع(1742)].

 

عباد الله: إن الجميل في اللغة مأخوذ من الجمال, وهو الحسن في الخِلقة والخُلق، ولهذا قال الله سبحانه (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) [المعارج: 5]، والصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه ولا جزع فيه. واسم "الجميل" يدل على ذات الله وعلى صفة الجمال, والجمال أحد أركان الجلال، والجلال منتهى الحسن والعظمة في الذات والصفات والأفعال، وهو يقوم على ركنين اثنين: الكمال والجمال، فالكمال بلوغ الوصف أعلاه، والجمال بلوغ الحسن منتهاه، يقول الله -سبحانه وتعالى-: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام) [الرحمن:78]، وفي حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلاَلِ الله التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّحْمِيدَ يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ العَرْشِ، لَهُنَّ دَوِي كَدَوِي النَّحْلِ تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوْ لاَ يَزَالَ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُ به" [صحيح الترغيب والترهيب 2/355].

 

أيها المسلمون: اعلموا أن جمال الرب -سبحانه وتعالى- على أربع مراتب: جمال الذات, وجمال الأسماء, وجمال الصفات, وجمال الأفعال.  فأسماء الله -عزَّ وجلَّ- كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة.

 

أما جمال الرب -تبارك وتعالى- في ذاته، وما هو عليه من الحسن والجمال والكمال فأمر لا يدركه سواه، ولا يعلمه غيره, ويجب أن نقف عند هذا ولا نزيد, لأن الله لم يره أحد, وليس له مثيل حتى نتصوره, والسؤال عن هذا بدعة لا يجوز, فالحس والتصور والعقل لا يدركون كنهه -سبحانه- ولا يحيطون به علما.

 

فهو -سبحانه- الجميل الذي لا أجمل منه، وصفَ نفسَه بهذا الجمال، وسَمى نفسَه به، ليجعل الجمال أساسا في الوجود، وأصلاً في الذات والصفات، فكان جميلاً في كل شيء، جميلا في كونه هو الله، وجميلاً في كونه هو الخالق، وجميلا في تلك الأسماءِ التي له، وجميلا في تلك الأفعال التي فعلها، وجميلا في كلامه، وجمَّل الجمال به فكان جمالا لا يُضاهى، جَمال الله الجميلِ كانَ منشورا في الكون، في كلّ جزئياته فضلا عن كلياته، فجَمال الله ليس له حد ينتهي إليه؛ لأن الجميلَ ذاته كذلك، وجَمالُ ما منهُ كذلكَ، وجمال جمالياته كذلك، وسلسلة لا تنتهي من جمالِ الجميلِ.

 

تلك رسالة الجميلِ إلى خلقه في الكونِ يُعرِّفهم بجَمالِهِ وحسْنِه، ويجعلهم يُحبون الجمال حباً كاملاً، يقول الله تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [ق: 6-7]، كيف بنيانها هذا البناء العجيب، بأن رفعناها بدون عمد، وزيناها بالكواكب، وحفظناها من أي تصدع أو تشقق أو تفتق. فقوله: (فُرُوجٍ) جمع فرج، وهو الشق بين الشيئين والمراد سلامتها من كل عيب وخلل, والأرض بسطناها ومددناها بقدرتنا، وجعلناها مترامية الأطراف والمناكب، كما تشاهدون ذلك بأعينكم. [الوسيط لسيد طنطاوي (1/ 3952)].

 

أيها الناس: إن للجمال الإلهي مشاهد كثيرة منها: أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة من آثار صنعه وخلقه وجماله، فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال، وهذا الحسن، وهذه الزينة؟ وكل ما وجد من الحسن والجمال من صنعه ومن خلقه وفضله، فكم يكون جماله -سبحانه-، وهو الذي خلق الجمال كله في الكون كله؟ فسبحان: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإنْسَانِ مِنْ طِينٍ) [السجدة: 7].

 

ولقائل يقول: إذا كان الخالق -سبحانه- أحسن كل شيء خلقه، فما بال الكفر، خلقه الله وما يزال موجوداً، فأيُّ إحسان فيه؟.

 

نقول: والله لولا طغيان الكافرين ما أحب الناسُ الإيمانَ، كما أنه لولا وجود الظلم والظالمين لما شعر الناس بطَعْم العدل. إذن: فالحق -سبحانه- يخلق الشيء، ويخلق من ضده دافعاً له.

 

ومنها أيضا أنه -سبحانه- نور السموات والأرض، ولنور وجهه أشرقت الظلمات، ويوم القيامة تشرق الأرض بنوره: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور: 35], وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه -الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه-نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والنور، وبه استنارت الجنة. وكذلك النور المعنوي يرجع إلى الله، فكتابه نور، وشرعه نور، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين نور، فلولا نوره تعالى، لتراكمت الظلمات، ولهذا: كل محل يفقد نوره فثم الظلمة والحصر.

 

ومن مشاهد جماله تعالى أن كلامه نور كما قال -سبحانه-: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) [التغابن: 8], فسمى الله ما أنزله إلينا نوراً يهتدي به العباد, كما أن غير نوره ظلمة يتخبط أهله فيها دنيا وآخره، وأن دينه نور, فيخرج من شاء من عباده من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين والسهل المنير (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة: 257].

 

عباد الله: إن الجمال الحقيقي أن يفهم العبد حقيقة الحياة، فيستعين بالله في كمال العبودية، ويرضى بما قسمه له في باب الربوبية، وأن الجلال المطلق إنما هو لله وحده في أسمائه وصفاته وأفعاله, فإذا نظر العبد إلى حكمة الله وانفراده عمن سواه سيجد أن الله -عز وجل- إن أعطى أحداً من عباده كمالا ابتلاه في الجمال، وإن أعطاه جمالا ابتلاه في الكمال، وإن أعطاه كمالا وجمالا ابتلاه في دوام الحال، فهو -سبحانه- الملك الجميل، له في ملكه الكمال والجمال، ملكه دائم وهو في ملكه عليم قدير يفعل ما يشاء، له مطلق الخلق والتدبير وهذا هو الكمال.

 

أما الجمال في الملك فقيامه على الحق، لا يظلم فيه أحداً ولا يشرك في حكمه أحدا, ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، يقبل التوبة عن عباده وهو قادر على إهلاكهم، لكن ملوك الدنيا إن استتب لهم كمال الملك وأحكموا قبضتهم على الخلق، ضيعوا الجمال في الملك بظلم الخلق وضياع الحق، وإن جمعوا بين الكمال والجمال سلبهم دوام الحال ودوام الحال من المحال ولهذا فإن جمال المسلم في عبوديته لربه، ومهما تقلبت به الأسباب فإنه في خير دائم،  كما ورد عند مسلم أن رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلهُ خَيْرٌ وَليْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ للمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا له" [مسلم 109].

 

أيها المسلمون: هذا جانب من مشاهد الجمال عند الله -عز وجل-، أما مشاهد الجمال عند الخلق، فله صور كثيرة وآيات عديدة, منها: جمال الباطن؛ فإن الله -عزَّ وجلَّ- يحب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذي يحبه الله، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيحب -سبحانه- أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها؛ قال تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى : 11]، يقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ" [الترمذي (2744)], يراها أثراً ويراهاً لباساً ويراها إحساناً ويراها تعظيماً, ويراها شكراً وبرا وتواضعاً ويراها صونا وحفظاً.

 

ومن مشاهد جمال خلقه: جمال السماء ذات الحبك؛ أي محبوكة مزينة خلقها وزينها بالنجوم, قال -سبحانه وتعالى-: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) [الحجر : 16], أي: نجوما كالأبراج والأعلام العظام يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، فإنه لولا النجوم لما كان للسماء هذا المنظر البهي والهيئة العجيبة، وهذا مما يدعو الناظرين إلى التأمل فيها والنظر في معانيها, والاستدلال بها على باريها, ويصدق ذلك قوله تعالى أيضاً: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) [الملك : 5].

 

ومن مشاهد جمال الخلق: خلق الأرض وزينها بما على ظهرها من النبات والمياه والجبال والسهول والوديان, يقول -عز وجل-: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) [النازعات : 30 - 32].

 

ومنها أيضا خلق الإنسان في أحسن تقويم وفي أجمل صورة: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار : 7، 8], فالله قادر على أن يركبه في أي صورة وفق مشيئته، فاختياره هذه الصورة للإنسان منبثق من كرمه ومن فضله، ومن فيضه المغدق على هذا الإنسان الذي لا يشكر ولا يقدر, بل يغتر وينكر!.

 

ولمحبته -سبحانه- للجمال أنزل على عباده لباساً وزينة تجمل ظواهرهم، ولباس التقوى الذي يجمل بواطنهم كما قال -سبحانه-: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) [الأعراف: 26]، فشرع زينة الظاهر باللباس لعباده, كما شرع لهم زينة الباطن بالتقوى, ولباس التقوى ذلك خير لأن هذا اللباس وهذا الستر وهذا الزاد المعنوي مستور لا يرى فهو الأصل.

 

وكذلك جمَّل -سبحانه- أهل الجنة بأكمل جمال وأحسنه, فقال في وصفهم: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً) [الإنسان: 11، 12], (وَلَقَّاهُمْ) أي: أكرمهم وأعطاهم (نَضْرَةً) في وجوههم (وَسُرُورًا) في قلوبهم، فجمع لهم بين نعيم الظاهر والباطن" [السعدي(1/901)]، فجمَّل وجوههم بالنضرة، وقلوبهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير والحلي، وقصورهم بالذهب والفضة، وجعل خدمهم كاللؤلؤ المنثور.

 

اللهم اجعلنا من أهل الجنة، وجمل أخلاقنا وخلقتنا، وطهر سرنا ونقي علانيتنا، واجعلنا هداة مهتدين، ومن بين خلقك طاهرين مطهرين، ولوجهك مخلصين، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، القمر المنير والبدر المستدير، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم تسليما كثيراً.

 

أما بعد:

 

أيها المسلمون: الله -سبحانه- كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال، والهيئة واللباس، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال، والهيئات والثياب، فهو -سبحانه- الجميل الذي يحب الجمال وأهله، ويبغض القبيح وأهله.

 

إن الإنسان حينما يجهل حقيقة الله، وحقيقة أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وحينما يغويه جمال بعض المخلوقات، ويعصي الله من أجل جمال امرأة، أو جمال قصر، أو جمال مركبة، أو جمال أرض، فيظلم نفسه، ويستحق اللعنة، والبعد عن الله -عز وجل-، هؤلاء الذين عصوا ربهم، وخسروا آخرتهم من أجل جمال مخلوق لو عرفوا أن هذا الجمال مسحة من جمال الله -عز وجل-، ولو أنهم تعرفوا إلى الله لكانوا مع أصل الجمال, ولما انجرفوا وراء الجمال الزائف.

 

سبحان الله! ما من شيء في الدنيا يمكن أن يمد الإنسان بسعادة متنامية، ولا بسعادة مستمرة، بل بسعادة متناقصة، والدليل: أن الإنسان قد يشتري بيتا يلفت نظر الآخرين، وبعد شهر يصبح هذا البيت كأي بيت، وقد يقتني مركبة فارهة حديثة الصنع، وبعد حين تصبح هذه المركبة شيئاً عادياً، كل ما يحيط بالإنسان من مظاهر الجمال المادي بعد حين يزول هذا البريق، وهذا الاهتمام يضعف، وهذه الدهشة تقلّ ولا جمال كامل مطلق إلا جمال ذي الجمال والجلال والكمال جل جلاله وعظم شأنه.

 

فهل يستيقظ القلب ليتملى ويتتبع مواضع الحسن والجمال في هذا الدين العظيم، وفي هذا الكون العظيم؟، ومن ثم يصل إلى واهب الحسن والجمال في هذه المخلوقات، فيؤمن بربه، ويعرف جلاله وجماله، ويدين له بالعبودية والطاعة.

 

عباد الله: اعلموا أن جمال القلب بالخوف, وجمال العقل بالفكر, وجمال الروح بالشكر, وجمال اللسان بالصمت , وجمال الوجه بالعبادة, وجمال النية بترك الخواطر, وجمال الفؤاد بترك الحسد, وجمال النفس بمخالفة هواها, وأخيرا جمال ذلك كله بتوفيق الله.

 

اللهم كما خلقتنا في أحسن تقويم، زين قلوبنا بالإيمان، واشرح صدورنا لليقين، وجمل جوارحنا بالطاعات، وارزقنا أحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، يا ذا الجلال والإكرام.

 

 

 

 

المرفقات

الجمال من ذي الجلال والكمال

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات