مراقبة الله تعالى للإنسان

عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي

2013-12-23 - 1435/02/20
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/ رقابة البشر على البشر قاصرة 2/ زرع شعور رقابة الله في الأبناء هو الحل الأكمل 3/ استشعار العبد رقابة الله عليه يحميه من الزلل 4/ ضعف الرقابة يوقع المجتمع في التناقضات

اقتباس

الحل الأكمل للنجاة والحفظ هو في زرع شعور الرقابة الذاتية على الإنسان من لدن نفسه ومن لدن ربه وخالقه: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، البشر يغفل والبشر يغفو وينام ويمرض ويسافر ويموت ويغيب، إذاً فلتسقط رقابة الكائنات جميعها، ولتبقَ الرقابة الكاملة المطلقة وهي رقابة الله -عز وجل- التي تمنع الإنسان حقًا من الوقوع في الخطأ، وتؤدي إلى نتيجة أفضل من نظام أو عقوبة، وهي تريح الوالدين والمسؤول والنظام لإقامة الشرع والنظام وزرع الرقابة الذاتية للإنسان.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله أهل الحمد ومستحقه، لا إله غيره ولا رب سواه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في علاه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وسلم تسليمًا.

 

أما بعد:

 

عباد الله: اتقوا الله (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) [آل عمران:30]، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا) [النساء:42].

 

عباد الله: رقابة البشر على البشر مهما كنت فهي قاصرة، ويتساءل بعض الناس وهم يرون الآن انتشار المنكرات والمجاهرة بها وتنوع وسائلها وانتشار قنواتها: كيف يحفظ الإنسان نفسه فيها، كيف يحافظ على بيته وأولاده من الوقوع في براثنها؟! هل يراقبهم على مدار أربع وعشرين ساعة حتى يحفظهم من تلك المنكرات؟!

 

كيف يحافظ على بيته وأولاده من الوقوع في براثن مساوئ وسائل الاتصال وأجهزتها، كيف نقضي على ممارسات باطلة نقع فيها؟!

 

إن الحل الأكمل للنجاة والحفظ هو في زرع شعور الرقابة الذاتية على الإنسان من لدن نفسه ومن لدن ربه وخالقه: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، البشر يغفل والبشر يغفو وينام ويمرض ويسافر ويموت ويغيب، إذاً فلتسقط رقابة الكائنات جميعها، ولتبقَ الرقابة الكاملة المطلقة وهي رقابة الله -عز وجل- التي تمنع الإنسان حقًا من الوقوع في الخطأ، وتؤدي إلى نتيجة أفضل من نظام أو عقوبة، وهي تريح الوالدين والمسؤول والنظام لإقامة الشرع والنظام وزرع الرقابة الذاتية للإنسان.

 

فكيف نقع في الغيبة والحسد ونحن لا نرضاه لأنفسنا؟! كيف نظلم الغير ونقطع الرحم ونعق الوالدين؟! والذين يسافرون فيقعون في كبائر الإثم، كل هؤلاء غفلوا عن رقابة الله لا إله إلا هو، رقابة الله في السر والعلن.

 

نعم غفلوا عن رب يعلم الظاهر والسر وما أخفى، وتساهلنا بما نعمله وراء هذه الجدران، نجهل منه الكثير ولا نعلمه، لكن الله يعلم ذلك وما هو أعلى منه: (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [الأنعام:59]، (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) [إبراهيم:38].

 

يعلم الآن ما في سرائرنا ومن بجوارنا لا يعلم ذلك، يعلم ما ينطوي عليه قلبك وعملك بعد أعوام وأنت لا تعلم ما بقلبك بعد دقائق أو ساعات، إنه العلم الكامل المطلق، علم الله السميع العليم الخبير، يعلم ما تسرون وما تعلنون، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم ويسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة:7].

 

كم تآمر المتأمرون في ظلام الليل؟! كم من عدو للإسلام وطاغية جلس يخطط لضرب الإسلام وحده أو مع غيره سرًّا ويظن أنه يتصرف كما يشاء، متناسيًا أن الذي لا يخفى عليه شيء يسمع ما يقولون ويبطل كيدهم فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين.

 

كم من صاحب سلطة يكتب تقريرًا ووشاية ويظن أن الله غافل عن الظلم: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء) [إبراهيم:42، 43].

 

يا أيها العبد المؤمن: إذا لقيت مشقة وسخرية واستهزاءً واستكبارًا فلا تحزن ولا تأس، إن الله يعلم ما يقال لك قبل أن يقال، وإليه يرد كل شيء، لا إله إلا هو.

 

يا أيها الشاب الذي وضع قدمه على أول طريق للهداية وترك المنكرات والأخطاء، فسمع رجالاً يسخرون منه، وآخر يهزأ به أو يقاطعه أو يدعوه للمعصية: اثبت ولا تأس، واعلم علم اليقين أنك بين يدي الله يسمع ما تقول ويسمع ما يقال لك، وسيجزي كل امرئ بما فعل: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [سبأ:3].

 

يا مرتكب المعاصي، يا مخالفًا، يا مختفيًا عن أعين الخلق: ما أنت والله إلا أحد رجلين: إن كنت ظننت أن الله لا يراك فقد كفرت، وإن تعلم أنه يراك فلِمَ تجترئ عليه وتجعله أهون الناظرين إليك! أين نحن من تناقض كبير بين ما نؤمن به ونفعله في الخلوات من قلة الخوف من الله!!

 

نسأل الله ألا يؤاخذنا بذنوبنا وأن يعفو عنا.

 

(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) [النساء:108]. فيا منتهكًا لحرمات الله في الظلمات والخلوات بعيدًا عن أعين المخلوقات: أين الله؟! أين الله؟! هل سألت نفسك هذا السؤال؟!

 

روى البخاري ومسلم في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا" قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا".

 

نسأل الله السلامة والعافية، وألا يأخذنا بذنوبنا، وأن يستر علينا في الدين والدنيا والآخرة.

 

فإلى من يملأ ليله وعينه وأذنه ويضيع وقته حتى في ثلث الليل الآخر، يملأ ذلك بمعاصي الله، أين الله؟! أين الله؟!

 

وإذا خلـوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى العصيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني

 

إن الله لا يخفى عليه شيء، فهل اتقيته يا عبد الله؟!

 

عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يعس ليلة من الليالي في المدينة، يتتبع أحوال الأمة، فتعب فاتكأ على جدار ليستريح، فإذا بامرأة تقول لابنتها: اخلطي اللبن بالماء ليكثر عند البيع، فقالت البنت: إن عمر أمر مناديه أن ينادي بألا يخلط اللبن بالماء، فقالت الأم: يا بنتي: قومي؛ فإن عمر لا يرانا، فقالت البنت المستشعرة لرقابة الله التي نحتاج أن نزرعها في أولادنا من بنين وبنات وأسر، قالت البنت: أي أماه: فأين الله؟! واللَّه ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، إن كان عمر لا يرانا، فرب أمير المؤمنين يرانا.

 

أنعم بها من امرأة!! أما والله لو راقبنا الله حق المراقبة لصلح الحال واستقامت الأمور، لو أننا طبقنا مبادئ ديننا وأخلاقنا على أنفسنا أولاً وكنا قدوات صالحة لاستقمنا جميعًا خوفًا من الله.

 

فيا أيها المؤمن: إن عين الله تلاحقك أينما ذهبت وفي أي مكان حللت في ظلام الليل، فهل علمت ذلك واستشعرت ذلك فاتقيت الله ظاهرًا وباطنًا، فكان باطنك خيرًا من ظاهرك!!

 

يقول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: دخلت أحد مساجد بغداد فوجدت شيخًا كبيرًا قد اتكأ على جدار، فقلت: لعله يروي لي حديثًا عن صحابي أو تابعي، فقلت: من أخو العرب؟! قال أنا أبو نواس -الشاعر المعروف-، قال: أنشدني شيئًا من شعرك في الزهد، فقال أبو نواس:

 

إذا ما خلوْتَ الدّهرَ يوْماً فلا تَقُلْ *** خَلَـوْتَ ولكِنْ قُـلْ عَلَيَّ رَقِيبُ

ولاَ تحْسَبَـنَّ اللهَ يغفِـلُ سـاعة *** وَلا أنَ مَـا يخفَى عَلَـيْهِ يغيب

لهَـوْنَا، لَعَمـرُ اللّهِ، حتى تَتابَعَتْ *** ذُنوبٌ عـلى آثارهِـنّ ذُنُوبُ

فَيا لَيـتَ أنّ اللّهَ يَغفِـرُ ما مضَى *** ويـأْذَنُ فِي تَـوْباتِنَـا فنتُوبُ

 

إن الله هو الرقيب، هو الحسيب لا ملجأ منه إلا إليه، هو الشهيد وكفى به شهيدًا، ومن حكمته سبحانه أن جعل علينا شهودًا لإقامة الحجة علينا، رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شاهد: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، الملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار:10 - 12]، الكتاب سيشهد عليك بين يدي الله: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف:49]، الأرض التي ذللها الله -عز وجل- ستشهد بما عملناه على ظهرها من خير أم شر: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) [الزلزلة:5]. ستحدث بما عُمل على ظهرها.

 

إذا مات المؤمن بكاه موضع سجوده، بكاه مصلاه، بكاه موضع ممشاه إلى الصلاة، بكاه مصعد عمله إلى السماء، وأما الذين أجرموا وكفروا ونافقوا: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) [الدخان:29].

 

والخلق أيضًا سيشهدون وكفى بالله، لطالما تفكه الإنسان بين هؤلاء الخلق بالوقوع في أعراض المسلمين وذكر ما ستره الله عليه من المخالفة، يقول: سافرت إلى ذلك المكان وفعلت وفعلت، يتفاخر أمام أصحابه، بل إن بعضهم يصور فعله ذلك وينشره وما علم أن هؤلاء الخلق جميعًا الذين شاهدوه بمئات الآلاف سيشهدون على ما فعل.

 

في الصحيح أن جنازة مرت على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس مع أصحابه، فأثنى عليها الناس خيرًا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "وجبت"، وتمر أخرى فيثنى عليها الناس شرًا فقال -صلى الله عليه وسلم-: "وجبت"، فتساءل الناس، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أثنيتم على الأولى بخير فوجبت لها الجنة، وعلى الثانية بسوء فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه، أنتم شهداء الله في أرضه".

 

وسيشهد أقرب من هذا، ستشهد تلك الجوارح التي في جسدك، ستشهد يدك وستشهد رجلك التي مشيت بها إلى الباطل، وسيشهد عليك لسانك بما قلت، وستشهد علينا جلودنا: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس:65]، (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ * فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت:19- 24].

 

اللهم اجعلنا ممن حسّنت عملهم ظاهرًا وباطنًا، ورضيت عنهم في الغيب والشهادة، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا.

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب عظيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيراً.

 

أما بعد:

 

أيها الأحبة: إن مما نلمسه من بعض الناس من ضعف الرقابة على النفس وقلة الخوف من الله هذا التناقض التي تعيشه مجتمعات المسلمين بين المبادئ التي يعرفونها والتصرفات التي يمارسونها، فتجد بعضنا يطرح النظريات والقوانين لكننا نخالفها بتعاملنا ونبتعد عن مبادئ الدين الصريح والخلق الصحيح.

 

ليس هذا الأمر في ديننا فحسب، بل حتى في تعاملنا ونظامنا، انظروا مثلاً إلى كثرة انتشار الفساد المالي والإداري الذي -مع الأسف الشديد- في آخر إحصائية رأينا دولنا وعالمنا الإسلامي أكثر الدول في ممارسة الفساد!!

 

أليس هذا تناقضًا صارخًا بين ما نؤمن به وبين ما نفعله، وأننا نترك رقابة الله أولاً ثم نخالف الأنظمة؟!

 

انظروا مثلاً النظافة كمبدأ عظيم في ديننا الإسلامي، انظروا إلى قلة النظافة التي ابتُلينا بها في مجتمعنا وفي مدارسنا، بل حتى في مساجدنا !! تدلك على خطأ كبير في التصور والمفهوم، إذا لم يكن هناك رقابة مرورية قطعنا الإشارة وغفلنا عن الرقابة الذاتية، ما أسرعنا لمخالفة النظام وسلب الحقوق والاعتداء على الأراضي إذا لم يعلم بنا أحد!! نسأل الله أن يعفو عنا.

 

وهذا لا شك خلل كبير، وهو ما أدى إلى تأخر المسلمين وتخلفهم عن الركب، فترانا نتعلم من قرآننا وسنة رسولنا -صلى الله عليه وسلم- وآثار علمائنا وآبائنا مبادئ عظيمة في الدين والأخلاق لكننا نخالفها بتصرفاتنا وسلوكنا، وهذا التناقض بين ما نؤمن به وما نفعله.

 

لا يعني هذا أن البشر خلقوا كاملين من الخطأ، فكلنا خطاء وخير الخطائين التوابون، لكن التناقض أصبح يثمر نفاقًا اجتماعيًا عامًا في كثير من المجتمعات، ويورث ضررًا عظيمًا على الأجيال الذين ينشؤون من خلال مشاهداتهم.

 

لذلك التناقض بين القول والفعل حين يفتقدون القدوة الصالحة من آبائهم وممن حولهم، لو أننا زرعنا في نفوسنا ومن حولنا الخوف العظيم من الله أولاً قبل النظام، قبل العقوبة، وتربينا على أهمية الرقابة على النفس لأغنانا هذا عن كثير من المحاضرات والخطب والتعاليم التي تذكّر وتخوّف، وأغنانا عن الأنظمة والعقوبات، وهي تذكرة وعظة لكل مخالف بأن شعور الرقابة على النفس والإيمان بالمبادئ العظيمة لهذا الدين وتلك الأخلاق القويمة هو الذي سيثمر صلاحًا للأمة والمجتمع بإيجاد أناس باطنها خير من ظاهرها، وأكثر أثرًا من نظام يعاقب.

 

نسأل الله -جل وعلا- أن يرزقنا الإيمان به في الظاهر والخلوات، والخوف منه في السر والعلن، والتوبة من الخطأ في كل ما نأتيه.

 

 

 

المرفقات

الله تعالى للإنسان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات