محبطات الأعمال

صالح بن عبد الله بن حميد

2022-10-08 - 1444/03/12
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/الحث على اغتنام العشر الأواخر 2/ وقفةٌ مع آيةٍ من كتاب الله 3/ خوف السلف من هذه الآية 4/ كم من موقفِ خِزيٍ يوم القيامة لم يخطُر على بالِك قط 5/ التحذير من ذنوب الخلَوات ومحبطات الأعمال 6/ من مظاهر الانحِراف والغلُو في العصر الحديث 7/ الأصل الأصيل والتمكين الأمكن 8/ من أحسنَ الظنَّ بالله أحسنَ العمل.

اقتباس

وقفةٌ مع آيةٍ من كتاب الله، وشهرُكم شهرُ القرآن.. آيةٌ في كتاب الله تُلينُ القلوبَ القاسية .. وتُوقِظُ النفوسَ الغافِلة .. آيةٌ تستدعِي التأمُّل، وتدعُو إلى التفكُّر .. آيةٌ في كتاب الله شابَت منها رؤوسُ الأتقياء .. ووجِلَت لها قلوبُ الأولياء .. وذرَفَت لها دموعُ الخائِفِين .. واقشعرَّت منها جلودُ الوجِلِين. فلله درُّهم! ما أعظمَ تدبُّرهم للقرآن .. وأشدَّ تأثُّرهم بمواعِظِه .. ووقوفهم عند زواجِرِه. إنها قولُ الله - عزَّ شأنُه -: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).

 

 

 

 

الخطبة الأولى

 

الحمد لله، الحمد لله الذي خلق وبرا وأبدع كل شيءٍ وذَرَا،  (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) [طه: 6]، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه على نعمٍ تتوالَى وآلاء تترَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ حقٍّ ويقينٍ سالمةً من الشك والامتِراء.

 

وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المبعوثُ بالهُدى ودين الحقِّ ما كان حديثًا يُفترَى، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه سادَة الورَى وأُسد الشَّرى، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا مزيدًا متكررًا.

 

أما بعد: فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فالعبدُ مطلوب، والعملُ مكتوب، وقد آذَنَت الشمسُ بالغروب؛ فاحذَروا الذنوب، وقسوةَ القلوب.

 

إنكم لم تُخلَقوا عبَثًا، ولن تُترَكوا سُدًى، الدنيا خُلِقَت لكم، وأنتم خُلِقتُم للآخرة، وليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، وما بعد الموت من مُستعتَب،  (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 30].

 

معاشر المسلمين: تقبَّل الله منا ومنكم الصيام والقيام، وسائر الطاعات والقُرُبات.

 

هذا هو الشهرُ الكريمُ بفضائلِه وخصائصِه، وفُرَصِه وطاعاته، بل أنتم في خواتِيمه، في أفضل ليالِيه وأيامِه. هذه عشرُه الأخيرة، وقد كان نبيُّكم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - يخُصُّها بمزيدٍ من الطاعة والعبادة والجِدِّ والتشميرِ: يُحيِي ليلَه .. ويُوقِظُ أهلَه .. ويشُدُّ المئزَر.

 

فاجتهِدوا واعملوا وانصَبوا وأبشِروا وأمِّلُوا، وتعرَّضُوا لنفَحَات ربِّكم، واحذَروا الإعجابَ بالطاعة، والزهُوَّ بالنفس. فرحِمَ الله عبدًا فكَّر واعتبَر، واستبصَرَ فأبصَر، ونهَى النفسَ عن الهوى.

 

أيها الإخوة الصائمون القائمون: ولمزيدٍ من المُحاسَبَة ورفع الهِمَّة، والأخذ بالعزائم؛ فهذه وقفةٌ مع آيةٍ من كتاب الله، وشهرُكم شهرُ القرآن.

 

آيةٌ في كتاب الله تُلينُ القلوبَ القاسية .. وتُوقِظُ النفوسَ الغافِلة .. آيةٌ تستدعِي التأمُّل، وتدعُو إلى التفكُّر .. آيةٌ في كتاب الله شابَت منها رؤوسُ الأتقياء .. ووجِلَت لها قلوبُ الأولياء .. وذرَفَت لها دموعُ الخائِفِين .. واقشعرَّت منها جلودُ الوجِلِين.

فلله درُّهم! ما أعظمَ تدبُّرهم للقرآن .. وأشدَّ تأثُّرهم بمواعِظِه .. ووقوفهم عند زواجِرِه.

إنها قولُ الله - عزَّ شأنُه -:  (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: 47].

 

لقد عظُمَ خوفُ السلَف منها: فهذا محمد بن المُنكَدر لما حضَرَته الوفاة جزِع، فدعَوا له أبا حازِم ليُخفِّفَ عنه من جزَعِه، فقال له ابنُ المُنكَدر: "إن الله يقول:  (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَفأخافُ أن يبدُوَ لي من الله ما لم أكن أحتسِب. فجعل يبكِيَان". فقال أهلُ ابن المُنكَدر: دعوناكَ لتُخفِّف عنه، فزِدتَّه جزَعًا.

 

وقيل لسُليمان التيميِّ: أنت أنت، ومن مثلُك؟! فقال: "مَهْ! لا تقولوا هذا، لا أدري ما يبدُو لي من الله، سمعتُ الله يقول:  (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)".

 

وعن سُفيان أنه قرأَها، فقال: "ويلٌ لأهل الرياء، ويلٌ لأهل الرياء، هذه آيتُهم! هذه قصَّتُهم".

 

وقال مُقاتل: "ظهر لهم حين بُعِثُوا ما لم يحتسِبُوا في الدنيا أنه نازِلٌ بهم في الآخرة".

 

وقال السُّديُّ: "ظنُّوا أن أعمالَهم حسنات فبدَت لهم سيئات".

 

وقال أهلُ العلم: "إن من الذين يبدُو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسِبُون: قومٌ عمِلُوا أعمالاً صالِحةً، ولكن كانت عليهم مظالِم، فظنُّوا أن أعمالَهم الصالِحة ستُنجِيهم، فجاء الحسابُ، فبدَا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسِبُون".

 

وقال ابن عطيَّة: "كانت ظنونٌ في الدنيا مُتفرِّقةً مُتنوِّعة حسب ضلالاتهم وتخيُّلاتهم فيما يعتقِدون، فإذا عايَنوا العذابَ يوم القيامة، وقصَّرَت بهم حالاتُهم، ظهرَ لكل واحدٍ ما كان يظنُّ".

 

واستذكِروا - رحمكم الله -، استذكِروا حديثَ المُفلِس الذي يأتي بحسناتٍ أمثالِ الجبال، ويأتي وقد ضربَ هذا، وشتمَ هذا، وأخذَ مالَ هذا.

 

يقول بعضُ السلف: "كم من موقفِ خِزيٍ يوم القيامة لم يخطُر على بالِك قطُّ، (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ) [ق: 22]".

 

يا عبد الله! ما ظنُّك بعبدٍ عمِلَ أعمالاً ظنَّها صالِحة، ونسِيَ ما كان منه من معاصٍ، حسِبَه هيِّنًا، وبدَا له من الله ما لم يكن يحتسِب.

 

معاشر الإخوة .. أيها الصائمون والصائمات: احذَروا ذنوبَ الخلَوات؛ فقد جاء في "سنن ابن ماجه" عن ثوبان - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «لأعلمنَّ أقوامًا من أمَّتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثالِ جِبال تِهامةَ بيضاء، فيجعلُها الله هباءً منثورًا»، قال ثوبان: يا رسول الله! صِفهم لنا وجلِّهم، لا نكون منهم ونحن لا نعلَم. قال: «أما إنهم إخوانُكم، قومٌ من جِلدَتكم، ويأخذون من الليل كما تأخُذون، ولكنَّهم أقوامٌ إذا خلَوا بمحارِم الله انتهَكُوها»؛ قال في "الزوائد": "إسنادُه صحيح، ورجالُه ثقات".

 

قال سالم مولى أبي حُذيفة - مُعلِّقًا على هذا الحديث -: "خشيتُ أن أكون منهم"، ثم قال: "لعلَّهم كانوا إذا عرَضَ لهم شيءٌ من الحرامِ أخذُوه، فأذهبَ الله أعمالَهم".

 

احذَروا الغرورَ والأمانِي، ومدَّ الحِبال في المعاصِي .. إياكم واستِصغارَ الذنوب .. إياكم ومُحقَّرات الذنوب،  وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ  [النور: 15].

 

يقول أنسٌ - رضي الله عنه -: "إنكم تعمَلون أعمالاً هي في أعيُنِكم أدقُّ من الشعَر، كنَّا نعُدُّها على عهد رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من المُوبِقات"؛ رواه البخاري.

 

معاشر الأحبَّة: تأمَّلوا - رحمكم الله -، تأمَّلوا فيما يُحبِطُ الأعمال، ويأكلُ الحسنات؛ من الحسد، والرياء، والسُّمعة، والغِيبَة، والنَّميمة، والكِبر، والظُّلم، والعُجب، وأكل الحرام، وتقطيعِ الأرحام، والإسرافِ في المآكل والمشارِب والولائِم والمطاعِم، وإدمان السهر على غير طاعة الله، والإغراق والانهِماك في وسائل الإعلام ومواقع التواصُل بما لا يُفيد، والتكلُّف في تصنيفِ الخلق؛ مما يُمرِئُ الأبدان، ويُهلِكُ القلوب، ويُفسِدُ العقول، ويُشقِي النفوس، ويُشغِلُ عن الطاعة، ويصرِفُ عن النافع، ويُبعِدُ عن الجادَّة، ويُضيِّعُ المسؤوليَّات.

 

معاشر الصائمين والقائمين: إن من العقل والحِكمة والحَصَافَة وحُسن المُحاسَبَة: النظرَ الجادَّ في هذا الزمان ومُستجدَّاته،  (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: 47]. زمنٌ كثُرَت فيه المُشغِلات، وتنوَّعَت فيه الصوارِف، وتكاثَرَت فيه المُلهِيات؛ بل لقد التبَسَ الحقُّ بالباطل لدى بعض الفِئام، ولاسيَّما في ميادين الفِكر والثقافة.

 

نعم، حفظكم الله: يموجُ العصرُ بألوانٍ من المُخالفات، وما تبُثُّه وسائلُ الإعلام والتواصُل بمقروئِها ومسموعِها ومُشاهَدها من أنواع المُحرَّمات؛ في العقائد والسلوك، وألوان الجرائم والإجرام، ممن زُيِّن له سوءُ عملِه فرآه حسنًا، وممن ضلَّ سعيُه في الحياة الدنيا وهم يحسَبُون أنهم يُحسِنون صُنعًا.

 

إن من أعظم المظاهِر الصارِفة والصادَّة: الانبِهارَ بمظاهر المادَّة والعُمران، والانصِرافَ والزُّهدَ في حقائق الإيمان، وعلوم القرآن والسنَّة.

 

والغلُوُّ المدنيُّ ينبوعُ الانحِرافِ الثقافيِّ والفِكريِّ، ومن أعرضَ عن وحيِ الله سوف يبقَى مُرتكِسًا في الظلمات، مهما أُوتِي من العلوم والمدنيَّات، (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) [الأنعام: 39].

 

ومن مظاهر الانحِراف والغلُوِّ: أن بعضَ المُعاصِرين لانبِهارِه بالمُكتشَفات والمُستجَدَّات ووسائل التحضُّر، حين يُنبَّه إلى مواطِن الضعفِ والنقصِ في صور الضلال والانحِراف، والانحِلال، والفُجور، والفواحِش، يتورَّمُ أنفُه، ويظهرُ عليه التبرُّم، ويبدُو عليه القلقُ.

 

ويأبَى الله أن تكون الرذيلةُ سبيلاً للفضيلة، والإسفافُ طريقًا للعفاف.

 

كيف وقد صرَّح القرآنُ الكريمُ بأن التمكين المادِّيَّ لا يُغنِي عن أهلِه شيئًا، إذا قارنَه جحودٌ بآيات الله، (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأحقاف: 26].

 

ويقول - عزَّ شأنُه -:  (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)  [فصلت: 15].

 

الأصلُ الأصيلُ - عباد الله - هو عمارةُ النفوس والقلوب بالله وتوحيده، وذِكره وشُكره، وحُسن عبادتِه. أما التمكينُ الأمكَن فهو مدلولٌ عليه لقوله - عزَّ شأنُه -:  (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج: 41]، وقوله - جل وعلا -: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور: 37].

 

وبعدُ، حفظكم الله: وأنتم في شهر الصيام والقيام .. فما تنفعُ زينةُ الحياة الدنيا وماديَّاتُها، إذا لم تُعمَر النفوسُ بالضراعة إلى الله، والإخبات إلى ذي الجلال والعِزَّة، ولم تتزكَّ بالعلم بالله وتوحيده، وحُسن مُعاملته، والتعلُّق به، والاعتماد عليه؟! ولم يقدُر اللهَ حقَّ قدرِه من هانَ عليه أمرُه فعصاه، ونهيُه فارتكَبَه، وكان هواهُ آثَرَ عنده من رِضاه. جعل لله الفضلَةَ من قلبِه وعلمِه وعملِه ومالِه.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الزمر: 54- 58].

 

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 الخطبة الثانية

 

الحمد لله، الحمد لله أدارَ الأفلاك وخلق الخلائِق، وأرسَى بالأرض الجبال ورفعَ السبعَ الطرائِق، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قامَت على وحدانيَّته البراهينُ والحقائق، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه الأمينُ الصادقُ، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِه سبَقوا بالفضل كلَّ سابِق، ولم يلحَقهم بعدَهم لاحِق، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما تعاقَبَت المغارِب والمشارِق.

 

أما بعد، فيا أيها المسلمون: من أحسنَ الظنَّ بالله أحسنَ العمل. يقول ابن عونٍ - رحمه الله -: "لا تثِق بكثرة العمل؛ فإنك لا تدري أيُقبَلُ منك أم لا، ولا تأمَن ذنوبَك؛ فإنك لا تدري هل كُفِّرَت أم لا، عملُك مُغيَّبٌ عنك كلُّه لا تدري ما الله صانعٌ فيه".

 

والعاجِزُ من أتبعَ نفسَه هواها وتمنَّى على الله الأماني، يطلبُ المغفرةَ من غير توبة، ولا أخذٍ بأسباب الغُفران.

 

يقول معروفٌ الكَرخيُّ: "رجاؤُك لرحمة من لا تُطيعُه من الخُذلان، ومع المعاصِي يضعُف الوازِع".

 

ويقول بعضُ السلف: "رُبَّ مُستدرَجٍ بنعَمِ الله وهو لا يعلَم، ورُبَّ مغرورٍ بسِترِ الله وهو لا يعلَم، ورُبَّ مفتونٍ بثناءِ الناس وهو لا يعلَم. فيا لله! ما ظنُّ الظلمة إذا لقُوا ربَّهم، ومظالِمُ العباد تُطوِّقُ أعناقَهم".

 

وليحذَر من يُريد الخلاصَ لنفسِه الانصِياعَ للهوى والملذَّات، والانكِبابَ على موائِد المُشتهِيات، لا يُبالِي مخرَجَها من مدخلِها، ولا طيِّبِها من خبيثِها.

 

ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، وأطيعُوا الله وأطيعُوا الرسولَ واحذَروا، واستغلُّوا بقيَّة أيام شهرِكم، وجِدُّوا، وتحرَّوا ليلةَ القدر .. ليلةً يفتحُ الله فيها الباب، ويُقرِّبُ فيها الأحباب.

 

ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر يُكتَب للعاملين فيها جزيلُ الثواب، وعظيمُ الأجر، وهذا حاصلٌ لمن علِمَ بها ومن لم يعلَم. فلا يُشترَطُ العلمُ لحصولِ الأجر. فاجتهِدوا - رحمكم الله -، فهذا أوانُ الطلب، واحذَروا الغفلةَ، والغفلةُ طريقُ العطَب.

 

هذا، وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم في مُحكم تنزيلِه، فقال - وهو الصادقُ في قِيله - قولاً كريمًا:  (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)  [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله السادة الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.

 

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافَك واتَّقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ، ومُدَّ في عُمره على طاعتك، واجمع به كلمةَ المُسلمين على الحقِّ والهُدى يا رب العالمين، اللهم وفِّقه ونائِبَيْه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.

 

اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهُدى والسنة يا رب العالمين.

 

اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.

 

اللهم أنجِ المُستضعَفين، اللهم أنجِ المُستضعَفين من المؤمنين، اللهم احفَظهم وانصُرهم، اللهم احفَظهم في سوريا،  وفي فلسطين، وفي غزَّة، وفي بُورما، وفي أفريقيا الوُسطى، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، اللهم واشفِ مريضَهم، وارحَم ميِّتَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم يا أرحم الراحِمين.

 

اللهم أصلِح أحوال إخواننا في العراق، وفي اليمن، وفي ليبيا، واحقِن دماءَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واجمع على الحقِّ والهُدى والسنَّةِ كلمتَهم، اللهم وابسُط الأمن والرخاءَ في دِيارِهم، اللهم وارفع البأس والضرَّاء عنهم يا ذا الفضل والمنِّ والإحسان.

 

اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرِنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ، وأحسِن عاقِبَتنا في الأمور كلِّها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذابِ الآخرة.

 

اللهم من أرادَنا وأرادَ دينَنا وديارَنا وأمنَنا ووُلاةَ أمورنا وعلماءَنا وأهلَ الفضل والصلاح والاحتِساب منَّا، ورِجالَ أمننا، وأمَّتَنا، واجتماعَ كلمتنا ووحدَتنا بسوءٍ اللهم فأشغِله بنفسِه، اللهم فأشغِله بنفسِه، واجعَل كيدَه في نحرِه، واجعَل تدبيرَه تدميرًا عليه يا رب العالمين.

 

اللهم عليك باليهود الغاصِبين، اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم أنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم.

 

اللهم انصُر إخواننا في فلسطين، اللهم انصُر إخواننا في فلسطين، اللهم وارفع الحِصارَ عن إخواننا في غزَّة، اللهم من ضيَّق عليهم في رِزقِهم ونالَهم في كرامتهم، اللهم فأشغِله بنفسِه، اللهم وانتقِم منه يا قويُّ يا عزيز.

 

اللهم احفَظ رِجالَ أمننا، اللهم احفَظ رِجالَ أمننا المُرابِطين أسود الحرمين، وحُماة المُقدَّسات، اللهم احفظهم في أنفسهم وأهلِيهم، وقوِّ عزائِمَهم، واجعل ما يُقدِّمونَه لحماية بلاد الحرمَين مواطِنين ومُقيمين وحُجَّاجًا وعُمَّارًا وزائرين، اللهم اجعل كل ذلك في ميزان حسناتهم، اللهم واجزِهم عن دينهم، وعن أمَّتهم، وعن مُقدَّساتهم، وعن الإسلام والمُسلمين خيرَ الجزاء.

 

اللهم وارحم شُهداءَهم، واشفِ مرضاهم، وأصلِح ذُريَّاتهم يا أكرم الأكرمين.

اللهم إنا نسألُك مُوجِبات رحمتك، وعزائِم مغفرتِك، والسلامة من كل إثمٍ، والغنيمةَ من كل برٍّ، والعزيمة على الرُّشد، والفوزَ بالجنَّة، والنجاةَ من النار.

 (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201].

 

سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

الأعمال

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات