محافظة المسلم على نفسه

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-11-21 - 1437/02/09
عناصر الخطبة
1/ شكر الله تعالى على نعمه 2/ أمر الدين بالمحافظة على الضرورات الخمس 3/ كيفية محافظة المؤمن على عقله 4/ كيفية محافظة المؤمن على بدنه 5/ صيانة الجسد عن عذاب النار بالطاعة والعبادة

اقتباس

إن بدنَكَ أمانةٌ عندك، ونعمةٌ من الله عليك، فلا يجوز لك التصرف في هذه النعمة كما تشاء، بل كما أمر اللهُ ربُّها ومالكُها وسيدُها.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

 

المؤمن عبدٌ لله، ومملوك له، فلا يفعل العبد المملوك إلا ما يرضي ربه وسيده ومالكه، فلو نظرنا إلى الإنسان لوجدنا جسمه يتكون من ثلاثمائة وستين مفصلا، وهي من نعم الله على العبد، ويجب عليه أن يؤدي شكرها، وكل مفصل يحتاج كل يوم إلى صدقة، وعندما أخبر النبي-صلى الله عليه وسلم- الصحابة -رضي الله عنهم- بذلك تعجبوا، ومن أين لهم التصدق وأغلبهم فقراء لا يملكون مالا؟ فقال لهم نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم-: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى" رواه مسلم.

 

وأمرنا ديننا بالمحافظة على الضرورات الخمس: الدين، والعقل، والنفس، والعرض، والمال.

 

فلا نضيع العقل بشرب المسكرات والمخدرات، والأفيون والسموم البيضاء وسائر المشروبات، فلا تنسينَّك هذه اللَّذاتُ الحدَّ بالجلد والضرب والفضيحة أمام الناس في الدنيا، والشرب من ردغة الخبال يوم القيامة، فعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ، وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْر، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟" قَالَ: نَعَمْ! قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟! قَالَ: "عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ"، أَوْ "عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ" رواه مسلم.

 

ولا نضيع عمل العقل بالتفكير في ذاتِ الله؛ بل نحن مأمورون أن نفكر في آياته ومخلوقاته، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ"، وفي رواية: "تفكروا في خلق الله، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ" صحيح الجامع والسلسلة الصحيحة.

 

ونحن منهيون عن إمعان العقل في كتب الفلسفة والإلحاد والكفر، بل كتب الأمم السابقة كالتوراة والإنجيل لا يجوز قراءتها؛ خوفا من تأثُّر العقل بما فيها من عقائدَ محرّفة، وأفكارٍ مزيَّفة، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أَنَّ عُمَرَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنَ الْيَهُودِ تُعْجِبُنَا، أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي".

 

وعليه؛ فلا يجوز الدخول في مواقع الشبكة العنكبوتية الخاصة بالمبتدعة، كمواقع الرافضة والدروز ونحوها، ولا في مواقع غير المسلمين من الصليبيين واليهود، والملحدين واللادينيين، التي تدعو إلى دينهم ومعتقداتهم؛ المخالفةِ لديننا وشرعنا، وتبثُّ التشكيكَ في ديننا، وتوحيدنا وعبادتنا، والتشويهَ لأخلاقنا وأعرافنا، وعاداتنا وتقاليدنا. فمن دخل هذه المواقع فوقعت في قلبه الشبهات، وعشَّشت في صدره الوساوس، أو انحرف عن دينه، فلا يلومنَّ إلا نفسه.

 

عبد الله: لا تعرِّض بدنك لعذاب الله -جل جلاله-، من أجل لذَّة عابرة، أو شهوةٍ طارئة، باقتراف حدٍّ من حدود الله، فلا تنسينَّك شهوةُ جمع المال بالسرقة؛ قطعَ اليد، ولا تنسينَّك لذةُ الزنا واللواطِ، الجلدَ والتغريب، والرجمَ حتى الموت.

 

حافظ على جسمك فلا تتنطَّعْ بالعبادة التي تؤذي بدنك، فلا تُصلِّ الليلَ كلَّه، بل يكفيك بعضُه، ولا تتصدق بكل مالك، بل بعشره أو أقل، ولا تصم الدهرَ كلَّه، بل صُم أياما من الشهر وأفطر.

 

دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ -رضي الله تعالى عنهما- عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَرَأَيْنَهَا سَيِّئَةَ الْهَيْئَةِ، فَقُلْنَ: مَا لَكِ؟ مَا فِي قُرَيْشٍ رَجُلٌ أَغْنَى مِنْ بَعْلِكِ! قَالَتْ: مَا لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ؛ أمَّا نَهَارُهُ فَصَائِمٌ، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَقَائِمٌ. قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرْنَ ذلِكَ لَهُ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "يَا عُثْمَانُ! أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَة؟". قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رسول الله؟! فِدَاكَ أَبِي وأُمِّي! قَالَ: "أَمَّا أَنْتَ فَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَإِنَّ لأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقاً، وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقاً، صَلِّ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ". قَالَ: فَأَتَتْهُمُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذلِكَ كَاَنَّهَا عَرُوس. فَقِيلَ لَهَا: مَهْ؟! قَالَتْ: أَصَابَنَا مَا أَصَابَ النَّاسَ.

 

كُلْ واشربْ مما أباحَ الله دون إسراف ولا تبذير، فالإسراف في الطعام والشراب يؤدي إلى أمراض كثيرة، مما يؤثر على البدن.

 

إن بدنَكَ أمانةٌ عندك، ونعمةٌ من الله عليك، فلا يجوز لك التصرف في هذه النعمة كما تشاء، بل كما أمر اللهُ ربُّها ومالكُها وسيدُها.

 

فلا يجوز لك بيع بعضِ أعضائك، لا يجوز لك بيعُ كُلْيةٍ ولا قلبٍ ولا عين، باتفاق العلماء. واختلفوا في التبرع بعضو من الأعضاء دون مقابل.

 

ويجوز بترُ عضوٍ تالفٍ وقطعُه، لأنه قد يؤثر سلبا على بقية الأعضاء، كما قَطع أحد الصحابة يده المعلقة بجلدة مع بدنه في إحدى المعارك؛ وهو معاذ بن عمرو بن الجموح، جاء في "أسد الغابة" عَنْ معاذ بْن عفراء قَالَ: سمعت القوم وهم فِي مثل الحرجة -أي مجموعة من الأشجار-، وَأَبُو جهل فيهم، وهم يقولون: أَبُو الحكم، -يعني أَبا جهل- لا يخلص إليه. فلما سمعتها جعلته من شأني، فقصدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة عظيمة، فطنت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة عَلَى عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني -أي: أعاقني- القتال عَنْهُ. ولقد قاتلت عامة يومي وَإِني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت قدمي عليها وتمطيت حَتَّى طرحتها. ثُمَّ عاش حتى كان زمن عثمان.

 

وبُتِرت إحدى رجلَي أحد السلف لأن بها الأَكِلة؛ وهي تسوس العظام، ففي "حلية الأولياء"، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، قَالَ: قَدِمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَعَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُرْوَةَ، فَدَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عُرْوَةَ دَارَ الدَّوَابِّ، فَضَرَبَتْهُ دَابَّةٌ فَخَرَّ فَحُمِلَ مَيِّتًا، وَوَقَعَتْ فِي رِجْلِ عُرْوَةَ الْأَكِلَةُ، وَلَمْ يَدَعْ تِلْكَ اللَّيْلَة وِرْدَهُ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: اقْطَعْهَا، قَالَ: "لَا!" فَنَزَقَتْ إِلَى سَاقِهِ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: اقْطَعْهَا؛ وَإِلَّا أَفْسَدَتْ عَلَيْكَ جَسَدَكَ. فَقُطِعَتْ بِالْمِنْشَارِ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ، وَقَالَ: "لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا".

 

إن كان هذا يجوز؛ فلا يجوز ما تفعله الشيعة الروافض كلَّ عاشوراء، من ضرب الظهر بالسلاسل والسكاكين المعقوفة، وضربِ الرأس وجرحِه بالسيوف، ولطمِ الوجوه والصدور على ميت من الأموات ولو كانَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، القائل: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ"، رواه البخاري، ولقد "بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ" رواه البخاري.

 

فما ابتدعته الرافضة ليس له أصل، لا في شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولا هو فعل آل البيت عليهم السلام، ولا يقره عقل عاقل.

 

المؤمن يحافظ على بدنه من الأمراض بالتداوي، فقد جَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: "تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً؛ غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ" رواه أبو داود.

 

يحفظ جسمه من أضرار البرد والحر، من الأوساخ بالنظافة، فيحافظ على بيئته من القاذورات، ويضع النفايات في أماكنها المخصصة لها، وبهذه المناسبة أوجه نداء لجيران المسجد -مسجد الزعفران- أن يتقوا الله فيما حول المسجد، فلا تلقوا النفايات خارج أماكنها، وأوصوا أولادكم أن يضعوا المخلفات في المجمَّعات الخاصة التي توفرها البلدية، ولا تؤذوا المسجد وأهله من الملائكة والمصلين وسائر المارين بالروائح الكريهة، وما يترتب على ذلك من أمراض تؤذي الجسد، وتضر البدن، فـفي الحديث "طهِّرُوا أفنيتَكم، فإنَّ اليهودَ لا تطهِّرُ أفنيتها".

 

فلا تتشبهوا بأعدائكم، واقتدوا بأسلافكم، وتوبوا إلى الله ربكم، واستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، والصلاة والسلام على رسول الله النبي الأمي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

 

وبعد: أيها المؤمن، أيها المسلم، حافظ على هذا الجسدِ الكامل، وهذا الوجهِ الجميل، وتلك العينينِ النجلاوين، وذلك القوامِ الممشوق، والصوت الحسن، حافظ على ما منحك الله -سبحانه-، وما وهبك خالقك من هذا البدن المتكامل، أن يكون يوم القيامة عرضة للملائكة الغلاظ الشداد، وطعمةً للعذاب، ووقودًا للنار.

 

هل يحتمل هذا الجسُد الضعيفُ أغلالَ الحديدِ وقيودَ السلاسل، التي أعدها الجبار -سبحانه- للكفار؟: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) [الإنسان:4]، (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) [غافر:71-72].

 

نعوذ بالله أن نكون ممن قال الله فيه: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ) [الحاقة:30– 37].

 

المؤمن يحافظ على وجهه الجميل أن يذوقَ النارَ والعذاب، يخاف أن يُحشرَ مع المجرمين، فـ (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) [القمر:47-48].

 

إن العبد المؤمن لا يحبُّ التفرُّقَ بين الأمة، ولا الاختلافَ في الدين، يخشى إن فعل ذلك أن يسودَّ وجهه يوم القيامة: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [آل عمران:105–107].

 

والقوام الممشوقُ، والصورة الحسنة، التي وهبنا الله إياها؛ إن لم نصُنْها ونحفظْها، ماذا سيحدث لها؟ (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) [الرحمن:41]. قَوْلُهُ: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ) أَيْ: تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ، ويُفتل ظَهْرُهُ. تفسير ابن كثير.

 

وأصحاب الأصوات الحسنة التي لم يصونوها عما يُغضِب اللهَ -سبحانه-، فأطلقوا ألسنتَهم ولم يصونوها عن السبِّ والشتم، والغيبةِ والنميمةِ، والدعوة إلى البدع ونبذ السنن، ونقل أخبار المسلمين لأعدائهم، والخطب الرنانة في الإلحاد والصد عن دين الله، انظروا إليهم وهم في النار يوم القيامة: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر:37]

 

إذا لم يحافظ العبد المؤمن على بدنه في الدنيا بطاعة الله، كان عُرْضَةً للعذاب في الدنيا أو في الآخرة، فقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في منامه رؤيا، ورؤيا الأنبياء حقّ، أصنافا من الرجال والنساء يعذبون بأنواع العذاب، فسأل جبريل -عليه السلام- فأجابه: "أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ -أي: يهشم ويشدخ ويضرب رأسه بالصخر- فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ -ولا يعمل بما فيه-، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ -أي يمزق ويشق- شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ -وما أكثر الذين يكذبون اليوم على المنابر ووسائل الإعلام!-. وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ -يعذبون بالنار- فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي -العذاب يأتيهم في أما كن اللذة-. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ -نهر الدم- وَيُلْقَمُ الحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا" رواه البخاري. وأموال اليتامى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:10].

 

إذا ما حافظت على بدنك، إذا ما صنت أعضاءك عن مخالفة شرع الله، فستشهد عليك بما فعلت يوم القيامة، (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور:24]، يحاول أن يتكلم، يحاول أن ينطق كما كان في الدنيا، يحاول أن يفتحَ فمه، فيختم عليه: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). [يس:65].

 

وبعد أداء الأعضاء الشهادة تعجبوا واندهشوا (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ) [فصلت:21-22]

 

إنْ حفِظ المؤمنُ نفسه وصانها عن المعاصي والسيئات، فهو يوم القيامة مع المتقين، (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور:17–19]، يا من حفظتم أنفسكم عن معاصي الله، وزينتموها بطاعة الله.

 

عباد الله! قال -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً"، وقال الله -سبحانه-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:56]

 

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وآله وصحبه الطيبين الطاهرين، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في جنتك.

 

اللَّهُمَّ...

 

 

 

المرفقات

المسلم على نفسه

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات