مؤمن آل يس دروس وعبر

خالد القرعاوي

2021-06-11 - 1442/11/01 2021-06-13 - 1442/11/03
عناصر الخطبة
1/تأملات في قصة آل يس 2/دور الرسل والدعاة في بيان الحق والدعوة إليه 3/تكذيب أهل القرية للرسل 4/دروس مستفادة من القصة.

اقتباس

لقد استَفرَغَ الرُّسُلُ جُهدَهم في البَلاغِ والنَّصِيحَةِ من أَجْلِ هدايَةِ قَومِهم، ولكنَّ القَومَ في غَايَةِ الغَبَاوَةِ والسَّكرَةِ، والكُفرِ والتَّكذِيبِ، فَلم يَنفَعُهم نُصحُ النَّاصِحينَ ولا وعظُ الوَاعِظِينَ، فَكَانَ لَهمُ العَذَابُ الْمُهينُ، فَيَا لتَنَا نُؤمِنُ بِذَلِكَ وَنَعِيهِ.

الخطبة الأولى:

 

 الحمدُ لله قصَّ عَلينَا مِن نَبَأِ الْمُرسَلِينَ, أَشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المبينُ، وَأَشهدُ أَنَّ نَبيَّنا مُحَمَّدًا عبدُ الله ورسولُهُ الأَمِينُ، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وَبَارِك عَلَيهِ، وَعلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإحْسَانٍ إلى يوم الدِّين.

 

أمَّا بعد: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ.

 

أيَّها المسلمون: قَصَصُ القرآنِ أَحْسَنُ القَصَصِ وَأَصْدَقُها وَأَنْفَعُها لِلعِبَادِ والبِلادِ؛ وَفي أَنْبَاءِ قَصَصِ الْمُرسَلِينَ كَذلِكَ تَقْرِيرُ الإيمانِ بِاللهِ وَتَوحِيدُهُ، وَقُبْحُ الشِّركِ وَالْمَعَاصِي, وَفِي أَنْبَائِهِمْ اقْتِدَاءٌ بِهم في نَشْرِ الدَّعوةِ والصَّبْرِ والثَّباتِ, وَلِهذا قَالَ نَبِيُّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ". وَقَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ".

 

أَيُّها الْمُؤمِنُونَ: ذَكَرَ اللهُ قِصَّةَ قَريَةٍ بَعَثَ لها الرُّسُلَ، تِلْوَ الرُّسُلِ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)[يس: 13-14]. لَمْ يَذْكُرِ القُرآنُ مَنْ هُم أَصْحَابُ القَريَةِ وَلا مَكَانُهَا، فَالعِبْرَةُ بِمَسْلَكِهِمْ لا بِمَكَانِهِمْ.

 

هذهِ القَريَةُ أَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ مِن رُسُلِهِ يَأَمُرُونَهم بِعبادَةِ اللهِ وَحدَهُ، وإخلاصِ الدِّينِ لَهُ، وَينهَونَهم عن الشِّركِ وَالْمَعَاصِي، فَلمْ يُؤمنِوا وَمَا زَادَهُم إلَّا طُغيانًا وَتَكْذِيبًا، (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) أي: قَوَّينَاهُما بِرَسُولٍ ثَالِثٍ، اعتِنَاءً مِن اللهِ بِهم، وَإقَامَةً لِلحُجَّةِ عَلَيهِم، فَأَنْكَرُوا عُمُومَ رِسَالَتِهم، وَقَالُوا لَهمْ: إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ.

 

فَقَالَ الرُّسُلُ: (وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)؛ فَوظِيفَتُنا هي إيضَاحُ الحقائِقِ وَبَيانُ العَوَاقِبِ، وَقَد بَينَّاها لكم، فَإنْ اهْتَدَيتُم، فَهُو حَظُّكُم وَتَوفِيقُكُم، وإنْ ضَلَلتُم، فَليسَ لنا منِ الأمرِ من شَيءٍ. فما كانَ من أَصْحَابِ القَريةِ إلَّا أنْ قَالوا: (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ)؛ فَقْد تَشاءَمْنَا مِنْكُم فَلَم نَرَ بِقُدُومِكم عَلينا واتِّصَالِكُم بِنَا إلاَّ الشَّرَّ، فَليسَ لَكُم إلَّا الرَّجْمَ بِالْحِجَارَةِ، أَوِ العَذَابَ الألِيمَ.

 

 وَهُنَا وَقْفَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ يَا كِرَامُ: تَتَعَلَّمُ مِنْهَا وَتَعْرِفَ أَنَّ مَنطِقَ أَهْلِ القريةِ سَابقاً هو مَنطِقُ العُصاةِ والفاسِدِينَ في كُلِّ زَمَنٍ؛ فَهُمْ لا يُريدُونَ أَحَدًا يُنَغِّصُ عليهم شَهَواتِهم؛ وَهُمْ أَصْلاً لا يُطِيقُونَ وجودَ الدَّعاةِ والْمُصلِحينَ ولا رُؤيَتِهِمْ بَينَهُمْ، وَلا هُمْ كَذَلِكَ تَارِكُو النَّاسِ يَختَارُونَ طريقَ الحقِّ والصَّواب؛ فَيَعمَدُونَ إلى الأُسلُوبِ العَنِيفِ في مُقاوَمَةِ الْحُجَّةِ، بِالتَّهديد بِالقَتْلِ أَو السَّجنِ وَالتَّعذِيبِ، بَلْ وَبِإطْلاقِ أَوصَافِ التَّطَرُّفِ والتَّرهيبِ؛ لأنَّ الحَقَّ أبْلَجَ وَالبَاطِلَ ضَعِيفٌ لَجْلَجُ. حَقًّا: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)[النساء:76].

 

بَارَكَ اللهُ لَنَا في القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعنَا بِما فِيهِ مِن الذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فَاسْتَغْفِرُوهُ إنَّهُ هو الغفُورُ الرَّحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَشْهَد أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، إلَهُ الأَولِينَ والآخِرينَ، وَأَشهد أَنَّ مُحمداً عبدُ الله وَرَسُولُهُ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإحْسَانٍ إلى يومِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.           

 

عِبَادَ اللهِ: بَعْدَ تَكْذِيبِ أَهْلِ القَرْيَةِ لِرُسُلِ اللهِ وَتَهْدِيدِهِمْ لَهُمْ بِالرَّجْمِ والسَّجْنِ والتَّعْذِيبِ، كَأَنَّ الرُّسُلَ تَكَاثَرُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَهُمْ: أَترْجُمُونَنَا وَتُعَذِّبُونَنَا وتَسجُنُوننَا لأَنَّنا نُذّكِّركُم باللهِ العَزِيزِ الْحَمِيدِ وَنُذَكِّرُكم بِما فِيهِ صَلاحُكُم وَحَظُّكم في الدُّنيا والآخِرَةِ، أَفهذا جَزَاؤُنَا؟ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُتَجاوِزُونَ الْحُدودَ في التَّفكِير والتَّقدِيرِ. وهذا واللهِ هو الْخُذلانُ وَعَدَمُ التَّوفِيقِ، الذي يَصنَعُ بِصَاحِبِهِ أَعظَمَ مِمَّا يَصنَعُ بِهِ عَدُوُّهُ.

 

حقًّا عبادَ اللهِ: لقد استَفرَغَ الرُّسُلُ جُهدَهم في البَلاغِ والنَّصِيحَةِ من أَجْلِ هدايَةِ قَومِهم، ولكنَّ القَومَ في غَايَةِ الغَبَاوَةِ والسَّكرَةِ، والكُفرِ والتَّكذِيبِ، فَلم يَنفَعُهم نُصحُ النَّاصِحينَ ولا وعظُ الوَاعِظِينَ، فَكَانَ لَهمُ العَذَابُ الْمُهينُ، فَيَا لتَنَا نُؤمِنُ بِذَلِكَ وَنَعِيهِ.

 

أيُّها المؤمنونَ: قِصَّةُ أَصحَابِ القَريَةِ تَحكي لنا أهَمِّيَةَ الدَّعوةِ إلى اللهِ -عزَّ وَجَلَّ-، وأنَّ الدَّاعِيةَ ليسَ مُكَلَّفاَ بِهِدَايَةِ النَّاسِ، تُبَيِّنُ القِصَّةُ أنَّ اللهَ -تَعَالى- يَرحَمُ الأمَّةَ بأنْ يُهيئَ لها رُسُلاً ودُعاةً في كُلِّ زَمنٍ وَحِينٍ؛ فَكَانَ حَقُّهُمُ الإكْرَامُ والتَّبْجِيلُ، وَلْنَعْلَمْ أنَّ اللهَ قَالَ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ".

 

فِي القِصَّةِ حَثٌ لِلنَّاسِ على سُرعَةِ الاستجَابَةِ لِلحَقِّ، متى ما ظَهَرتْ عَلامَتُهُ، وَعَلَى العُقَلاءِ في كلِّ بَلْدَةٍ أَنْ يتَّبِعُوا سَبِيلَ النَّاصِحِينَ الْمُصلِحينَ، وَأَنْ يحذَروا سَبِيلَ الْمُسرِفينَ الْمُفسِدِينَ.

 

 إنَّ على الدُّعاةِ إلى اللهِ أَنْ يتَّحِدُوا فِيمَا بَينَهُم؛ فَالاجتماعُ عَلى الحَقِّ مِن عَوامِلِ النَّصرِ والقوَّةِ. فَلا لِلطَّوَائِفِ والتَّحَزُّبَاتِ، إنَّمَا تَمَسُّكٌ بِالكِتَابِ واقْتِدَاءٌ بِالنَّبيِّ الأكْرَمِ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- القَائِلُ: "فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخَلَفَاءِ الْمَهدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ".

 

من القِصَّةِ نَعلمُ أنَّ عَاقِبةَ كُلّ مَنْ عانَدَ وأفْسَدَ، ووقَفَ في وجْهِ الدَّعوةِ فَلَهُ العَذَابُ الأَلِيمُ، من القِصَّةِ نَتَعلَّمُ: أنَّ الإسرَافَ وتَجَاوُزَ الحُدُودِ سَبَبُ الانحِرَافَاتِ والنَّكبَاتِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ.

 

فاللهمَّ اجعلنا جميعًا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالينَ ولا مُضِلينَ.

 

اللهم أبرم لهذه الأمةِ أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطَّاعةِ ويُذلُّ فيه أهلُ المعصيةِ ويؤمرُ فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر يا ربَّ العالمين.

 

اللهم وفِّق ولاةَ أمورِنَا لِمَا تُحِبُّ وترضى وأعنهم على البرِّ والتقوى، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا ربَّ العالمين.

 

اللهمَّ حَبِّب إلينا الإيمانَ وَزَيِّنه في قُلوبِنا وَكَرِّه إلينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيانَ واجعلنا مِن الرَّاشِدينَ.

 

اللهم احفظ علينا ديننا الذي هو عصمةُ أمرِنا، وأصلح لنا دُنيانا التي فيها مَعاشُنا، وأصلح لنا آخِرَتَنا التي إليها مَعادُنا يا ربَّ العَالَمينَ.

 

اللهم انصر جُنودنا واحفظ حدودنا.

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

 

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

المرفقات

مؤمن آل يس دروس وعبر.doc

مؤمن آل يس دروس وعبر.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات