لماذا بعد رمضان؟

هلال الهاجري

2022-05-06 - 1443/10/05 2022-05-05 - 1443/10/04
عناصر الخطبة
1/قصة وعبرة 2/نافق حنظلة 3/ساعة وساعة 4/تذكر أحوال شهر رمضان 4/الفتور بعد رمضان 5/المداومة على الطاعات بعد شهر رمضان.

اقتباس

فما الذي حَدثَ بَعدَ رَمضانَ؟، ولماذا هذا الفُتورُ والنِّسيانُ؟، فَهل نافقَ حَنظلةُ؟ الحَقيقةُ أنَّ ما كَانَ في رَمضانَ من زيادةِ الخَيرِ والعِباداتِ، أمرٌ طَبيعيُّ لكَثرةِ المُعينِ والتَّنافسِ على الطَّاعاتِ، فَلا يُتَصوَّرُ أن يَبقَى الإنسانُ على ما هو عَليهِ في رَمضانَ، ولَكنْ أيضاً لا يُتَوقعُ أن يَتركَ الإنسانُ كلَّ ما كَانَ عليهِ في رَمضانَ، بَل بَقيَ لهُ آياتٌ ورَكعاتٌ وصَدقاتٌ...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

مَجلِسٌ مِن مَجالسِ النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلمَ-، وَعظَ فيهِ أَصحابَهُ موعظةً وَجِلَتْ مِنهَا القُلوبُ، وذَرَفَتْ فِيها الدُّموعُ، وخَيَّمَ على المَكانِ السَّكينةُ والخُشوعُ، فَخَرَجَ حَنْظَلَةُ الْأُسَيِّدِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَاجِعاً إلى بَيتِهِ، قَد ملأَ قَلبَهُ الإيمانُ، وبَلغَ مَقامَ الإحسانِ، حتى كأنَّه يَرى الجنَّةَ والنَّارَ رأيَ العِيانِ.

 

 وعِندما دَخلَ بيتَه استقبلَهُ الأطفَالُ والزَّوجةُ، فَضَاحكَ الصِّبْيَانَ، وَلَاعَبَ الْمَرْأَةَ، ثُمَّ خَرجَ إلى عَمَلِهِ فانشَغَلَ بالعَمَلِ قَلِيلاً، وفَجأةً، تَغيَّرَ وَجهُ حَنظَلَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَخَرجَ مُنْطَلِقاً إلى رَسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلمَ-، قَد عَلا وَجهَهُ تَجاعيدُ الأحزانِ، وامتلأتْ عَينُه بِنَظراتِ الأشجانِ، يَمشي في شَوارعِ المدينةِ مَهمومٌ وسَرحانُ. 

 

فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَلَاحظَ حَالَهُ الغَريبَ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟، فَقَالَ: ‌نَافَقَ ‌حَنْظَلَةُ يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟، فَقَالَ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلمَ- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلمَ- عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا.

 

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلمَ-، فَانْطَلَقَا حَتَّى دَخَلا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلمَ-، فَقَالَ: ‌نَافَقَ ‌حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلمَ-: "وَمَا ذَاكَ؟"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ -خَالَطنَاهم وانشَغَلنا بِهم- فَنَسِينَا كَثِيرًا.

 

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلمَ-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَتْ قُلُوبُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَقُومُونَ بِهَا مِنْ عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَأَظَلَّتْكُمْ بِأَجْنِحَتِهَا، -يعني أنَّكم تَكونونَ مِن عالَمِ الملائكةِ، فيَنزلونَ لِلعَيشِ مَعَكم- وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً"، فساعةٌ في الطَّاعاتِ، وساعةٌ في المُباحاتِ.

 

أيُّها الأحبَّةُ: هل أحسَستُم بهذا الشُّعورِ بَعدَ رَمضانَ؟، هل أَصابَكم ما أصابَ حَنظلةُ -رَضِيَ اللهُ عنه-، عِندَما أحسَّ بذلكَ التَّغييرِ الذي أصابَ قلبَه بينَ مَجالسِ المُنافسةِ ومَجالسِ المُعافسةِ؟

 

كَانتْ أوقاتاً جميلةً ونَحنُ نَقضيها في بُيوتِ الرحمنِ، نَقرأُ فيها صَفَحاتٍ من القرآنِ، يَحُفُكَّ فيها الأصحابُ والجِيرانُ، ونَتَنقلُ فيها بينَ آياتِ الوعدِ والوعيدِ والنَّارِ والجِنانِ، فتَقشَعِّرُ ثُمَّ تَلينُ جُلودُ وقُلوبُ أهلِ الإيمانِ، واليومَ أصبَحَت الصَّفحاتُ بِضعَ آياتٍ، ونَخشى أن يَطولَ الأمدُ فَتُصبحَ القلوبُ قَاسياتٍ.

 

هَل تَذكُرونَ تِلكَ الرَّكعاتِ المُباركاتِ التي صَلَّيناها في قِيامِ اللَّيلِ؟، كَانت الصُّفوفُ كالبُنيانِ المَرصوصِ في مَنظرٍ جَميلٍ، كَانت الأبدانُ يَكسوها الخُضوعُ، وكانت القُلوبُ يَغشاها الخُشوعُ، وكانت العُيونُ يَعلوها الدُّموعُ، وأما اليومَ فَقَد نَقَصَ في اللَّيلِ عَدَدُ الرَّكعاتِ، وأصبحَتْ سَريعةً قَصيرةً خَفيفاتٍ، لا يَكادُ يُقرأُ فيها إلا بَعضَ آياتٍ، وأما البَعضُ فقد كانَ آخرُ العَهدِ بِالقيامِ، آخرَ لَيلةٍ قَامَها مَعَ الإمامِ.      

 

أقولُ هذا القولَ، وأَستغفرُ اللهَ لي ولكم من كلِّ ذَنبٍ فاستغفروه إنَّه هو الغفورُ الرَّحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيراً طَيِّباً مُباركاً فِيهِ، وَأَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَشهدُ أنَّ مُحمداً عَبدهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وأَصحابِه ومن تَبعَهم بإحسانٍ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً.

 

أما بعدُ: لقد كَانَ في شَهرِ الجُودِ إطعامٌ وصَدَقاتٌ وزَكَواتٌ، ورأينَا في وُجوهِ الفُقراءِ دُموعاً للفَرحِ وابتساماتٍ، تَفريجُ كُرَبٍ وإطعامُ مِسكينٍ وتَفطيرٌ للصَّائمينَ، كَفالةُ أيتامٍ وإعانةُ أُسَرٍ وقضاءٌ لِدَيْنِ الغَارمينَ، وأما اليَومَ فقَلَّ البَذلُ والعَطاءُ، وجَفَّتْ اليَدُ التي كَانتْ تَتَدفقُ كَالمَاءِ، فلا تَصِلُ إلى ما كانتْ عليهِ من الجودِ والسَّخاءِ.

 

هَل تَتَذكرونَ تَرانيمَ الدُّعاءِ؟، واليَدَ المَرفوعةَ للسَّماءِ، كَم كانتْ لحظات قُربٍ من اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وكَانتْ النِّداءاتُ الخَفيَّةُ يَتَنَازعُها الرَّجاءُ والوَجلُ، استَشعرنا فيها قولَه -تَعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)[البقرة:186]، فَطلبنا كلما خَطرَ بالبالِ وذَكَرَه اللِّسانُ، واليومَ ها هيَ اليدُ قد انخَفَضتْ، وها هي الألسنُ قد صَمَتتْ، وها هي الهِممُ قد خَفَتَتْ، وها هي القُلوبُ قَد شُغِلَتْ.

 

فما الذي حَدثَ بَعدَ رَمضانَ؟، ولماذا هذا الفُتورُ والنِّسيانُ؟، فَهل نافقَ حَنظلةُ؟

الحَقيقةُ أنَّ ما كَانَ في رَمضانَ من زيادةِ الخَيرِ والعِباداتِ، أمرٌ طَبيعيُّ لكَثرةِ المُعينِ والتَّنافسِ على الطَّاعاتِ، فَلا يُتَصوَّرُ أن يَبقَى الإنسانُ على ما هو عَليهِ في رَمضانَ، ولَكنْ أيضاً لا يُتَوقعُ أن يَتركَ الإنسانُ كلَّ ما كَانَ عليهِ في رَمضانَ، بَل بَقيَ لهُ آياتٌ ورَكعاتٌ وصَدقاتٌ ودَعواتٌ، وهَكذا ساعاتٌ وساعاتٌ، وتَذكروا قَولَ النَّبيِّ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ-: "أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها وإن قَلَّ".

 

نسألُ اللهَ أن يجعلنا مِمَّن قَبِلَ عَمَلَهُمْ في رمضانَ، اللهمَّ تَقبَّلْ مَا حَصَلَ من العملِ واغفِرْ لنَا الخطأَ والتقصيرَ والزللَ، اللهمَّ إننا نسأَلُكَ رحمةً من عندكَ تجْعَلُنَا فيهَا بعدَ هذا الشهرِ الكريمِ خيرًا مما كُنَّا قبلَهُ.

 

اللَّهمَّ أنَّا نَسألُكَ الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ عَلى الرُّشدِ، ونَسألُكَ شُكرَ نِعمتِكَ، وحُسنَ عبادتكَ، ونَسألُكَ قَلبًا خَاشعًا سليمًا، وخُلُقًا مُستقيمًا ولِسانًا صَادقًا، وعَملًا متقبلًا.

 

اللهمَّ ارزقْنَا الاستقامةَ على الطَّاعاتِ، والمُسارعةَ في الخَيراتِ، والثَّباتَ على الحَقِّ حَتى المَماتِ، يَا سَميعُ يَا رَحيمُ يَا مُجيبَ الدَّعواتِ.

 

المرفقات

لماذا بعد رمضان؟.pdf

لماذا بعد رمضان؟.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
06-05-2022

والله انها الحقيقة نسأل الله العافية