كيف هانت الدماء

عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي

2013-12-30 - 1435/02/27
عناصر الخطبة
1/ ظهور الفتن والقتل من علامات الساعة 2/ في الفتن لا بد من حديث واضح 3/ حرب على أهل السنة في العراق ولبنان وسوريا واليمن 4/ انتشار الاستهانة بالأنفس المعصومة 5/ المنهج النبوي في التعامل مع أعداء الدين 6/ مبدأ الجهاد علم وعمل 7/ بعض الممارسات تشوه صور المجاهدين 8/ عامة المسلمين هم أول المتضررين

اقتباس

وفي زمان الفتن لابد من حديث واضح بلا مجاملة وحوار صادق لا تطرف فيه ولا منابذة وعودة صادقة لكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- والاحتكام لشرعهما ونبذ ما خالفهما: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153].

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

الحمد لله المبدئ المعيد، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو على كل شيء شهيد، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله أكرم الرسل وأشرف العبيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

عباد الله: اتقوا الله - تعالى -  وتوبوا إليه...

 

أيها الإخوة المؤمنون: ظهور الفتن والقتل ورخص الدماء من علامات الساعة التي أخبر عنها رسولنا -صلوات الله وسلامه عليه-.

 

وفي زمان الفتن لابد من حديث واضح بلا مجاملة وحوار صادق لا تطرف فيه ولا منابذة وعودة صادقة لكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- والاحتكام لشرعهما ونبذ ما خالفهما: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153].

 

أيها الإخوة: لا تجدون نشرة للأخبار إلا وتتصدرها أخبار القتلى والدماء، حتى أصبح ذلك سمة لهذا العصر، لا يُقتلون بسبب كوارث طبيعية، وإنما قتل غير مبرر، وهانت الدماء في هذا العصر بشكل صِرْت تتساءل معه: أين عقول البشر من كل هذا؟! وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين حينما ضعفوا؟!

 

والمصيبة تعظم، نعم المصيبة تعظم حينما تنحصر أخبار القتل وهوان الدم في بلداننا المسلمة وفي شعوبنا المستضعفة، وكأن دماءنا هانت وأريقت كما نراها تراق بأرض الشام منذ سنوات بسبب طغيان الظلمة، أو تراق الدماء بسبب ثورات أو فتن بيننا، أو بتسلط عدو كالبوذيين في أرض الروهنجا أو بمن يزعم الانتساب للجهاد، ثم تراه يستبيح القتل في عباد الله، لا يفرق بين قتل وحشي في مستشفى أو في مراكز عسكرية، أو تجد من يدّعي نصرة الإسلام ومقاومة اليهود كالشيعة الرافضة وهم يقتلوننا باسم الحسين -رضي الله - تعالى -  عنه وأرضاه-.

 

رأينا فرقهم القتالية من إيران والعراق، وفي لبنان يذبحون السنة، ورأينا الحوثيين الرافضة في اليمن وهم يعتدون على وطننا ويحاصرون دماج لقتل أهلها، ومع كل ما يحصل من البوذيين والرافضة تجد العالم بمنظماته لا يتهم أولئك بالإرهاب، لكنه يتهم السنة ومنظماتها بالإرهاب.

 

يـا أمتي قيـم الزمان جريحة *** وعفافنا فتكـت به الأحقـاد

يستعرضون النصر فوق ربوعنا *** ويدنسون الأرض كيف أرادوا

 

عباد الله: أصبح القتل سمة في عالمنا الإسلامي، حتى كثر الهرج الذي أخبر عنه -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح، قالوا: يا رسول الله: وما الهرج؟! قال: "القتل". وفي حديث بعده: "لا يدري القاتل لمَ قتل!! ولا المقتول فيمَ قُتل". عياذًا بالله.

 

وترى استهانة بالنفوس المعصومة والدماء المهدرة وتدمير الممتلكات والإفساد في الأمن في عدد من بلاد المسلمين حتى تأثرنا بهذا، نعم تأثرنا بالإفساد في الدين وفي تشويه شريعة رب العالمين، والتأثير السيئ على التعليم ومجالات الدعوة والخير، وهو نتيجة واضحة لتسلط الكافرين أو لفساد التفكير، أو غلو التكفير، ونهج إلى التفجير، ينفيه كل صاحب عقل وتدبير، وإراقة لدم حرام.

 

لذلك كله لنراجع برامجنا حتى لا نؤتى من لدنا وينال من ديننا وتعاليمنا، وذلك يدعونا للالتفاف حول العلماء الصادقين، والتشبث بهدي السلف الكرام لاجتناب الفساد والفتن وما ينشأ فيهما من أراجيف، وعدم التهاون بالفتن، والتكاتف فيما بيننا قادة وقيادة، وأن يكون حديثنا واضحًا ضد الخطأ من أي شخص كان.

 

لقد رأينا بعض شبابنا لم يأخذوا العبرة مما حدث سابقًا من تأثيرات التطرف الذي لا يقره دين ولا عقل ولا عالم؛ ما أدى بهم إلى الوقوع في مخالفة الشرع بدعوى نصرة الإسلام الذي ينال منه هنا وهناك، وبسبب أفعالهم يتهم ديننا بالإرهاب والتطرف.

 

إنه فكر لابد من مناقشته وبيانه بالحكمة والموعظة الحسنة، والبيان لهم ولغيرهم ممن يظن سلامة طريقهم ومنهجهم، وهؤلاء الشباب أمانة في أعناقنا جميعًا، والصراحة والصدق تقطع الطريق على كل دخيل يتربص بالدين وأهله ويشوه سمعة الإسلام ويغفل محاسنه وينتسب إلى الجهاد وهو منه براء، والصراحة مع الشباب في مثل هذه الأمور من العوامل الأساسية في الإصلاح، والسكوت وعدم الوضوح شراكة في الجريمة بعد ظهورها.

 

رأينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أخبره حبيبه ابن حبيبه أسامة بن زيد -رضي الله عنه وعن أبيه- أنه لحق رجلاً لقتله، فنطق ذلك الرجل بالشهادة فقتله، فغضب عليه -صلى الله عليه وسلم- وقال له: "يا أسامة: أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!". فقال له أسامة: لقد قالها متعوذًا يا رسول الله، أي خائفًا من الموت، فما زال يكررها عليه -صلى الله عليه وسلم-: "كيف تقتله وقد قال: لا إله إلا الله!!". يقول أسامة: "حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ".

 

وروى البخاري أنه -صلى الله عليه وسلم- بعث خالد بن الوليد إلى قوم يدعوهم للإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: "صبأنا صبأنا"، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ثم قتل الأسرى، فلما أُخبر -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد". مرتين.

 

هذا هو الشرع في الجهاد والتعامل مع الغير، من نيته الإصلاح ونصرة الدين فإن هذا لا يعفيه من أخذ الدين بكماله وجماله وإعمال نصوص الشرع دون تعطيل بعضها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [البقرة:208].

 

لقد كان منهجه -صلى الله عليه وسلم- واضحًا في التعامل مع أعداء الدين، فلم يلجأ -عليه الصلاة والسلام- في يوم من الأيام إلى قتل بعض المسلمين من أجل قتل المشركين، وكان جهاد الصحابة والسلف -رضي الله عنهم- بضوابط لا يسوّغ أن يأتي الشباب ويأخذ الحكم ويترك ضوابطه ويغير موقعه بسبب حماس زائد أو قصور في التصور وغيره.

 

وليعلم المشارك في هذه الأحداث والفتن والتساهل بإزهاق الأرواح وتأييد ذلك –عافانا الله وإياكم وشبابنا منها- أنه قد أقدم على أمر عظيم في دين الله –عز وجل-، هذا الأمر لا يسوغ عنه اعتذار ولا تبرير: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء:93].

 

فليت شعري من يسمع هذا الوعيد كيف يجرؤ على قتل نفس حرمها الله – تعالى -!! هل أصبحت النفس الإنسانية المسلمة بهذا الرخص ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطوف بالكعبة ويقول: "ما أعظمك!! وما أطيب ريحك!! والذي نفسي بيده لدم المسلم أعظم وأطيب عند الله منك". أي أطيب عند الله من الكعبة.

 

قد يتعرض بعض الشباب لضغوط نفسية وعاطفية وهو يرى دماء المسلمين تراق مع ضعف نصرتهم وتخاذل القادر، لكن هذا ليس مبررًا كي يتجاوز تعاليم دينه ويشوه بلاده وإسلامه بتصرفه وتطرفه، أو يشابه تطرف الروافض والظلمة.

 

يا أيها المعتز بدينه، يا أيها الناصر لأمته من أن يهينه اليهود والنصارى والروافض: إن هذا أمر نشاركك فيه ونرى معاناة المسلمين من قبل الأعداء والكافرين، لكن ضوابط الشريعة تمنعنا من التجاوز والتعدي، قد يتجاوز هؤلاء الكفرة والطغاة الروافض بالقتل لأن مذهبهم الباطل قام على معاداة أهل السنة، ولكن إذا تجاوز من ينتسب للشرع الصحيح فإنه ينبه وينصح، فما نراه اليوم من تكفير وتفجير واستهانة بالدماء في بلاد المسلمين بلا ضوابط أمر مخالف للشرع، مضعف للأمة، مشوّه للجهاد، وهم إما أن يعطلوا نصوص الشرع ويجعلوا أنفسهم في نجوى منها أو أن يقحموها بتأويلات غالية وتكفير للناس واتهام بالنفاق والعمالة، وهذا قد يكون حماسًا مغريًا لكنه في الحقيقة يفتقد الورع والخوف من وعيد الله.

 

والذي عهدناه من العلماء والمجاهدين هو التزام الورع والوقوف عند حدود الله خوفًا من الله ومن تكفير عباد الله والتعدي على الدماء.

 

ألا يسع الشاب الناشئ ما وسع علماءه؟! يقول -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال المرء في فسحة من دينه -أي أن معه مجالاً للتوبة- ما لم يصب دمًا حرامًا". رواه البخاري.

 

أيها الأحبة: إن دين الله – تعالى - جاء بمراعاة المصالح والمفاسد في الجهاد والعمل لنصرة هذا الدين بناءً على القاعدة العظيمة: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)، انتهج ذلك -صلى الله عليه وسلم- في سيرته الزكية فترك قتل المنافقين، الذين كفروا بعد إيمانهم، والقرآن يتنزل بخيانتهم وأفعالهم حتى قبيل موته، ورأى -صلى الله عليه وسلم- في دين الله فسحة بترك قتلهم خشية من المفاسد المترتبة على هذا القتل وهي أن يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه، ومخالفة سنته واتخاذ غيره أسوة لا يورث إلا الفتنة والعذاب: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63].

 

كما أنه -صلى الله عليه وسلم- رأى في دين الله فسحة أن يؤجل قتال بعض الأعداء قبل التمكين في الأرض، وهذا من السياسة الشرعية، ويهادن -صلى الله عليه وسلم- قبائل اليهود عندما أتى المدينة، ويصالح قريشًا في الحديبية على شروط استغربها الصحابة ورأوا فيها دنية، وينصرف عن ثقيف، ويستميل زعماء غطفان وغيرها بالعطاء، وكان إذا أراد أن يغزو قوماً ورّى بغيرهم، وإذا عاداه قوم حرص على مصالحة الآخرين ليتفرغ لهم، وإذا حالفته قبيلة مثل خزاعة وهب مشركها لمسلمها ولم يستعْدِه كي لا يخسر القبيلة كلها، وكان -صلى الله عليه وسلم- يفرق بين من نصره وحماه من المشركين، وبين من عاداه وآذاه وآذى أصحابه.

 

وعامة المسلمين اليوم تعمل بهذا التفريق المحمدي، فهي تفرح بمقتل يهودي غاضب في فلسطين أو صليبي محتل أو نصيري ظالم، وترى ذلك جهادًا في سبيل الله، لكنها تحزن إذا رضخ البعض لقلة الحيلة، فحكموا عاطفتهم وقدموها على الشرع، وابتعدوا عن العلم فقتلوا المسلمين أو المعاهدين في بلاد الإسلام الذين لا ناقة لهم ولا جمل، بآراء تكفيرية غالية، أو تجد تسرعًا في تطبيق أحكام الإسلام وحدوده حسب آرائهم بلا تدرج، وبطريقة تنفّر منه الناس وتبغضهم فيه.

 

إنه لمن المؤسف أن تغيب هذه الحقائق الشرعية عن البعض، نجدهم يستسلمون لأمواج الأحداث ويدفعون بالشباب للذهاب لمواقع الفتن والسفر إليها بلا إعداد علمي ولا شرعي ومعرفة المصالح والمفاسد؛ ليكونوا في براثن الغلو والانحراف والأسر والمذلة باسم الجهاد، ويدفعون بأنفسهم لارتكاب الكبائر المتوعد عليها في القرآن بالوعيد الشديد بالقتل أو الخطف، وترى فيهم سرعة الاختلاف، سرعة التكفير بين فصائل الجهاد رغم صراحة النصوص الواردة في أن المخالفين لنا في الدين ليسوا على حكم واحد، منهم المحارب المعتدي والمسالم، ومنهم المعاهد والمستأمن، والتفريق بينهم في التعامل ثابت بالقرآن والسنة: (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا". أخرجه البخاري.

 

إنه الوعيد الشديد؛ لأن البعض بغلوه استخف بحقوقهم لما فيهم من الكفر، فجاء ليردعه ويبصره بنور العلم الشرعي.

 

لقد كان العهد والجوار -أيها الأحبة- محترمًا بالدين حتى ولو كان المعاهد للمشركين ضعيف الشأن، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم".

 

ولما أجارت أم هانئ -رضي الله عنها- وهي امرأة أجارت رجلاً مشركًا عام الفتح وأراد أحد الصحابة قتله أخبرته -صلى الله عليه وسلم- فقال: "لقد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ". متفق عليه.

 

أيها المؤمنون، أيها الشباب: يجب على من يقاوم الطغاة ويجاهدهم تحكيم شرع الله والرجوع إلى نصوص الشريعة المحكمة وفهم العلماء الناصحين، وعدم مخالفتها بتأويلات خاطئة منزلة في غير محلها.

 

والله إننا نأسى لما نراه من تجاوز في الدماء وخلاف بين من يريد الجهاد، ثم يقعون في بعضهم بالقتل والتكفير والشقاق، مما يضعف شوكتهم ويسهل اختراق عدوهم لهم.

 

أيها المسلم: مبدأ الجهاد علم وعمل وليس عاطفة وجهلاً، فاتق الله - تعالى -  أن تلقاه وفي عنقك أنفس مسلمة معصومة، وأمن متهاون فيه في بلدك، وأموال مسلمة معصومة، أو ذرائع أوجدتها في العدو ليتسلط بها على أهل الإسلام، أو أسباب يفرح بها أهل النفاق ليحاربوا أهل دينك والأمن في وطنك، ولا شيء حصلته وراء ذلك إلا إفساد مفهوم الجهاد والاستهانة بالدماء والمداومة على التكفير، ثم يكون المرء قد ختم حياته بمجموعة من الكبائر المحرمة في شرع الله -عياذًا بالله- من فساد للدين، تمكين للمعتدي، ترويع للآمنين، أي مصالح حققوها؟! أي مفاسد أوجدوها لم تكن موجودة.

 

ولا زلنا والله نستغرب كل يوم، نستغرب كيف يوجد من يتعاطف مع مثل هذا الفكر رغم خطئه ومجانبته للشرع، نحن لا نعمم، فإنه يوجد بين الفصائل الجهادية في أماكنها أناس يراعون الأحكام الشرعية والمصالح الداخلية والخارجية واستشارة العلماء والرجوع إلى رأيهم والحرص على جمع الكلمة ونشر العلم.

 

واجب على الدول ثم واجب دعم مثل هؤلاء حتى يكثروا، ومقاومة الغلاة ليعودوا إلى صوابهم، وجمع الأمة والكلمة.

 

أخي الشاب: والله إنها كلمات صادرة من قلب ناصح لك لا أريد بها مجاملة، وإنما دافعي النصح حسب ما رأيته، والله من وراء القصد، إن هؤلاء الذين ألهبوا مشاعرك في الخارج أو في الداخل ثم وجهوها ذلك التوجيه الخاطئ لن يغنوا عنك من الله شيئًا، إن لم تعمل العمل وأنت على بصيرة واضحة في دين الله وحذر شديد من التعرض لمقت الله وغضبه بإراقة الدماء وإفساد الأمن والذهاب إلى مواقع الفتن والشقاق والتكفير بلا بصيرة أو روية.

 

وهذا ما حصل في بعض المواقع التي يذهب بعض شبابنا ثم نسمع عنهم ومنهم التكفير وإثارة الفتن وطلب البيعة بغير وجه شرعي، والشقاق فيما بينهم.

 

إننا ندعو شبابنا ليتصف بالعقل والحذر من وسائل اتصال خارجية وليرجع لمشاورة أهل العلم للحذر من تصرفات تحاربها مناهج التعليم لدينا، ولا يرضاها العلماء الشرعيون الربانيون، ويحاربها مجتمعنا ككل، والمناهج الدينية لدينا مبنية على قول الله ورسوله الحق، والحق خير كله للبشرية، ولا يترتب عليه باطل، وإذا شذّ في الفكر شاذ فشذوذه على نفسه: (وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ).

 

أما ما يمارسه البعض بتشويه مبدأ الجهاد وتعاليم الإسلام ومجانبة العدل في كتابتهم وتقييمهم وتطرفه في الصحف وبعض القنوات باتهام مناهج التعليم عندنا والمراكز التربوية، واتهام حلقات العلم والتحفيظ بأنها امتداد للتطرف وهي منه براء، فهذا أيضًا غلو وتطرف لابد من علاجه والأخذ على يده، لا أن يترك في الصحافة والإعلام لينال من مجتمعنا ويبالغ في رؤيته لمصالح دنياه.

 

إن شريعة الإسلام جاءت بالحفاظ على دماء الناس وأموالهم وحقوقهم، ومقاومة المعتدي، والتعايش بين الطوائف، ونشر قيم الإسلام، وتجنب منكرات الأخلاق، والحرص على جمع الكلمة، والالتفاف حول الراعي والرعية، وحماية الأمن الذي به حياة الناس وعبادتهم.

 

والحذر من فكر يدعو للغلو في الدين بالتكفير والتبديع، أو كذلك إلى تطرف آخر مضاد بالإلحاد والاستسهال بقيم الدين وتعاليمه، أو المجاهرة بفساد الأخلاق، وكل ذلك يعالج بالعلم الشرعي الذي يطرح الحق ولا يجامل، ويضع الرؤية المناسبة للأمة بلا تخوف ولا مواربة، فإذا ما عملت الأمة ذلك وحرصت على جمع الكلمة والجماعة فإن يد الله معها، وهو ناصرها من طغيان الظالمين ومغالاة المتطرفين.

 

نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يدفع عنا سوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يهيئ لشباب الإسلام دعوة رشيدة وأفكار سديدة تنورت بنور الوحي، وانضبطت بقيود الشرع.

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

 

أما بعد:

 

أيها الأحبة: إن المسلمين هانوا أفرادًا وأممًا، ورخصت دماؤهم وهانت وتسلط عليهم أعداؤهم ومنافقوهم لما ابتعدوا عن دينهم، وغاب دور كثير من علمائهم عن قضاياهم، وتخاذل بعض قياداتهم عن نصرة الضعفاء، وصاروا يعلقون حلولاً على منظمات ومؤتمرات تضعف المسلمين وتطيل معاناتهم وتريق دماءهم بلا ناصر ولا مغيث، وما لهؤلاء المسلمين الضعفاء الذين نرى دماءهم تراق اليوم ما لهم غير الله ناصرًا ومعينًا ومؤيدًا وظهيرًا، وبسبب هذا الخذلان وجد قلة من المسلمين أخطؤوا باتخاذ التطرف والغلو والتساهل بالقتل حلاًّ لقضايا المسلمين وتشويهًا للجهاد، وأضعفوا دور المجاهدين بحق وعلم.

 

المتضررون من كل ذلك هم ضعفة المسلمين الذين هانت دماؤهم وانتهكت أعراضهم ومات أطفالهم بردًا وجوعًا، نعم حينما ضعف المسلمون أصابهم ما أصابهم، حينما ضعف المسلمون عن اتخاذ قرار سليم رأينا مصائبنا تطول في بلاد المسلمين.

 

أليس من المهين ومن المذل أنك ترى الشام منذ ثلاث سنوات وهم يبادون ويقتلون وتنتهك أعراضهم ويقصفون بالبراميل المتفجرة ويتألب عليهم اليهود والرافضة والصليبيون الذين يؤيدون ذلك النظام ثم لا ترى العالم الإسلام يحرك ساكنًا!!

 

جرائم تصوَّر وتُعرَض ويراها العالم بأجمعه تتساءل: إن لم يكن للمسلمين دور فأين العقل البشري؟!

 

ولذلك يحق لألئك الأطفال وهم يعيشون في مخيمات اللجوء وهم يموتون من البرد أن يتساءلوا ويتساءل أبوهم:

 

نُسـبى ونُطـرد يـا أبي ونبـاد *** فإلى متى يتطاول الأوغـاد

وإلى متى تدمي الجـراح قلوبنـا *** وإلى متى تتقـرح الأكبـاد

نصْحو على عزف الرصاص كأننا *** زرع وغارات العدو حصاد

ونبيت يجلدنـا الشتـاء بسوطه *** جلدًا فما يغشي العيون رقاد

يتسـامر الأعـداء في أوطـاننا *** ونصيبنا التشريد والإبعـاد

أين الأحبـة يا أبي أو مـا دروا *** أنـَّا إلى سـاح الفناء نقاد

أوَما دروا كم دمية في أرضـنا *** تعلو وكم يـزري بنا استعباد

أواه يـا أبتي عـلى أمجـادنـا *** يخـتال فـوق رفاتها الجلاد

دمع اليتامى فـيه شاهد ذلـة *** وسواد أعينهـن فيـه حـداد

يا ويحنا ماذا أصـاب رجالـنا *** أو ما لنا سعـد ولا مقـداد

نامت ليالي الغافلـين وليلنـا *** أرق يذيـب قلوبـنا وسهـاد

يا ليل أمتنا الطويل متى نـرى *** فجـرًا تغـرد فـوقـه الأمجاد

 

اللهم يا مغيث المضطرين، يا جابر المنكسرين، نسألك يا الله، نسألك يا الله، نسألك أن تنصر هؤلاء الضعفاء.

 

 

 

المرفقات

هانت الدماء

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات