كيف تتعامل مع الذنوب؟

علي باوزير

2017-03-07 - 1438/06/08
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/ كل بني آدم خطّاء 2/ معرفة الذنوب للابتعاد عنها وعن أسبابها 3/ التحذير من محقّرات الذنوب 4/ خطورة الاعتياد على الذنوب 5/ مصيبتا الفرح بالمعاصي والمجاهرة بها 6/ أهمية عدم ابتعاد العاصي عن الأخيار وأماكن الخير 7/ محو السيئات بإتباعها بالحسنات 8/ عدم القنوط من رحمة الله والبدار بالتوبة

اقتباس

والإنسان في حياته يواجه الأخطاء والذنوب، ويقع فيها ربما يوميا، وبشكل متكرر مستمر؛ ولهذا، يحتاج الإنسان أن يعرف كيف يتعامل مع الذنوب والسيئات، كيف يتعامل معها تعاملا صحيحا؛ ليسلم من غوائلها، ويأمن من أخطارها وشرورها، ولا يوقَف عليها بين يدي الله -سبحانه وتعالى-.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وبعد: أيها المسلمون عباد الله، (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) [النساء:28]، هكذا يقول الله -سبحانه وتعالى- عن أن الإنسان مخلوق ضعيف، جوانب النقص فيه كثيرة متعددة، لا يبلغ الكمال أبداً ولا يسلم من الوقوع في الخطأ، هكذا خلقه الله -سبحانه وتعالى- وهكذا أراده أن يكون؛ لحكمة أرادها -عز وجل- من خلق هذا الإنسان بهذه الصفة؛ فالإنسان معرض للنقائص، معرض للأخطاء، معرض للذنوب والآثام، ولا يسلم منها إلا من عصمهم الله -سبحانه وتعالى-، وليس أحد من البشر معصوما إلا الرسل والأنبياء.

 

والإنسان في حياته يواجه الأخطاء والذنوب، ويقع فيها ربما يوميا، وبشكل متكرر مستمر؛ ولهذا، يحتاج الإنسان أن يعرف كيف يتعامل مع الذنوب والسيئات، كيف يتعامل معها تعاملا صحيحا؛ ليسلم من غوائلها، ويأمن من أخطارها وشرورها، ولا يوقَف عليها بين يدي الله -سبحانه وتعالى-.

 

فأول ما يحتاج إليه الإنسان أن يعرف: ما هي الذنوب والسيئات، عندما نتحدث عن الآثام، ما هي هذه الآثام؟ ما هي أنواعها؟ وما هي أفرادها؟ وما هي صفاتها؟ ومتى يكون الإنسان آثما؟ ما هو الذي حرمه الله -سبحانه وتعالى- على عباده؟ ما هي النواهي التي نهى الله -عز وجل- الناس عن فعلها؟.

 

معرفة هذا أمرٌ ضروري؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف الشر يقع فيه، على حد قول القائل:

عرفت الشر لا للشـ *** ـــر لكن لتوقيه

ومن لا يعرف الشر *** من الخير يقعْ فيه

 

فحتى لا يقع الإنسان في الشر لا بد أن يعرف: ما هو هذا الشر؟ قد يعذر الإنسان بجهله إذا كان في منطقة نائية وبلاد بعيدة ليس فيها من يعلّم وليس فيها من يفقه الناس، ووسائل التواصل فيها منقطعة، قد يعذر الإنسان إذا كان على مثل هذا الحال؛ لكن أن يكون الإنسان في وسط مدينة والمساجد موجودة والعلماء موجودون والدعاة منتشرون والكتب متوفرة، ووسائل التواصل متيسرة، وكل وسيلة للوصول إلى العلم متاحة لجميع الناس، مثل هذا لا يعذر بجهله؛ إنما نشأ جهله عن تقصير وتفريط وإهمال، والله -سبحانه وتعالى- قد حث عباده على السؤال والبحث عن العلم فقال: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل:43].

 

فليقرأ الإنسان القرآن بتدبر وتأمل وتفكر، سيجد في القرآن أكثر الآثام والذنوب والنواهي التي نهى الله -سبحانه وتعالى- عباده عنها؛ لكن إذا قرأه بتأمل وتدبر وتفكر ونظر في معانيه وقرأه لأجل العمل ولأجل الاقتداء بما فيه.

 

وليقرأ الإنسان كذلك كتبا تعرفه بالذنوب والآثام حتى يعرفها، ومن أشهر ذلك كتاب جميل حسن اسمه: "الزواجر عن اقتراف الكبائر"، للعلامة الشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي، وهو كتاب جامع، جمع فيه معظم ما ورد فيه النهي في القرآن والسنة .

 

كذلك كتاب آخر اسمه: "موسوعة المنهيات الشرعية"، جمع فيه كذلك كل ما وصل إليه من أدلة ونصوص في أمور قد نهي عنها.

 

وأنا على يقين أن من يقرأ فسيكتشف أنه ربما هو واقع في ذنوب وأخطاء وهو لا يعلم، وهو لا يدري أن هذا شيء لا يحبه الله ولا يرضاه، سواء في الأقوال أو في الأفعال، سواء في العبادات أو المعاملات؛ وما أكثر الأخطاء في المعاملات! لا يكاد يسلم فيها أحد، سواء في الأعمال الظاهرة أو الأعمال الباطنة، أعمال القلوب، التي يقع الخطأ فيها كثيرا، وقل أن يسلم منها أحد من الناس.

 

الأمر الثاني: إذا عرفت الذنوب عرفت ما هي السيئات والآثام، فابتعد عنها ولا تقترب منها، وأول ذلك أن تبتعد عن أسبابها التي توصل إليها وتؤدي لها، إذ كيف يريد الإنسان أن يجتنب المعصية وهو يفعل الأسباب المؤدية إليها؟ كيف يريد الإنسان أن يسلم من الفاحشة وهو يطلق بصره في الحرام ويخلو بالنساء الخلوة المحرمة؟ كيف يريد الإنسان أن يسلم من المال الحرام وهو يرهق نفسه بالديون التي لا حاجة إليها؟ كيف يريد الإنسان أن يسلم من عقوق الوالدين وهو يرافق صحبة سوء ورفقاء أشرارا؟.

 

الأمور بأسبابها، فإذا وقع الإنسان في أسباب المعصية وصل إليها، وإذا اجتنب أسبابها جنبه الله -سبحانه وتعالى- الوقوع فيها.

 

وكلكم تعرفون قصة الذي قتل مائة نفس فذهب إلى عالم يسأله، فأمره العالم أن يخرج من القرية التي هو فيها ويذهب إلى قرية أخرى، لماذا؟ قال له إن قريتك قرية سوء، إذا بقيت فيها فإنك ستعود مرة أخرى إلى القتل والذنوب والآثام، فابتعد عن السبب واخرج من هذه القرية إلى قرية صالحة يعينك أهلها على طاعة الله -سبحانه وتعالى-.

 

الأمر الثالث: لا تستصغر معصية مهما كانت، لا تحتقر إثما مهما كان، فإن الشيطان يدخل على الإنسان من هذا الباب، يهون في نفسه الذنوب والمعاصي ويخفف وقعها على قلبه ويشعره أنها ليست بشيء حتى يجرئه عليها، فإذا وقع الإنسان فيها بعد ذلك خاب وتمادى ووقع في الصغائر، ثم بعدها في الكبائر، ولا يقف بعدها عند حد! هذا الذي حذر منه -صلى الله عليه وسلم- وقال: "إياكم ومحقرات الذنوب!"، أي: التي في أعينكم حقيرة لا تساوي شيئا، تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم.

 

"إياكم ومحقرات الذنوب!"، كذبة بيضاء، درهم من حرام، خطأ يسير، سبه أو شتيمة عابرة، هذه محقرات الذنوب، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ-رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ"، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: "كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ -أي: وقت الطباخة- فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ، فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا".

 

هكذا الذنوب، من هنا ذنب، ومن هنا صغيرة، ومن هنا شيء يحتقر، حتى تجتمع على الإنسان فتهلكه بعد ذلك.

 

الأمر الرابع: إياك أن تصير المعصية طبعا لك وعادة، الأصل في المعصية بالنسبة للمؤمن أن تكون أمراً عابرا وشيئا طارئا يحصل في وقت ثم يذهب، أما أن تصير المعصية طبعا له وعادة يعتاد ممارستها وفعلها دون أن يشعر بتأنيب الضمير، دون أن يشعر بحرقة في نفسه، دون أن يشعر بخوف من الله -تعالى- فهذا أمر خطير على الإنسان.

 

كم من إنسان بدأ الأمر بكذبة واحدة ثم اعتادها حتى صار يستمتع بالكذب على الناس! كم من إنسان بدأ بسرقة حبة واحدة ثم اعتاد السرقة حتى صار يسرق وهو غير محتاج إلى السرقة! كم من إنسان بدأ برياء في عمل واحد ثم اعتاد الرياء حتى صار يرائي ولم يكن عنده أحد من الخلق! وهكذا الذنوب، حينما يعتادها الإنسان تصير جزءا من أخلاقه، تصير جزءا من طباعه، فيصعب عليه بعد ذلك أن يتخلص منها أو أن يبتعد عنها.

 

والذي يخشى على الإنسان أن يستمر به هذا الحال حتى يموت على ذلك، والعياذ بالله! فإنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه يوم القيامة.

 

اسمعوا ماذا يقول الله -تعالى- في شأن المنافقين الذي اعتادوا على الحلف بالكذب، يحلفون أنهم صادقون وهم كاذبون، وصار هذا الأمر عادة لهم؛ اسمعوا ماذا يقول الله -سبحانه وتعالى- فيهم: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [المجادلة:18].

 

لما صار الحلف بالكذب عادة لهم جاءوا يوم القيامة وصاروا يحلفون بالكذب أمام الله -سبحانه وتعالى- ما السبب؟ (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) [المجادلة:19]، هكذا، من يعتاد المعصية هو ممن  استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله.

 

الأمر الخامس: صورتان من الناس قف معها أيها الحبيب وتأمل، رجل أحب المعصية وتمناها وفكر فيها وخطط لها وسعى في أسبابها واجتهد في تحصيلها، فإذا وقع فيها شعر بالفرحة والسرور والارتياح، وإذا فاتته ولم يفعلها شعر بالأسف والحزن والحسرة على فواتها. ورجل آخر لم يفكر في المعصية، لم يخطط لها، لكن جرى موقف من المواقف فغلبته الطبيعة البشرية وضعف أمام هذه المعصية ففعلها في حين غفلة، ثم لما انزاحت عنه تلك الغفلة ندم وتحسر على ما فرط في حق الله -سبحانه وتعالى-.

 

بين الرجلين كما بين السماء والأرض، فالأول الذي اجتهد في المعصية وسعى إليها ليس حاله حال المؤمن الحقيقي، بل لا يفعل هذا إلا من ضعف الإيمان في قلبه ضعفا شديدا، أما المؤمن فإنه الآخر الذي مرت به هذه الغفلة في لحظة ثم انقشعت عنه هذه الغفلة، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف:201]، لا يستمر هذا الأمر بهم؛ بل هي لحظة عابرة تنتهي بعد ذلك. فانظر أي الرجلين أنت؟.

 

الأمر السادس: مهما عصيت ربك، مهما بدر منك من الخطايا، فإياك أن يعلم بها أحد من الخلق! اجعلها بينك وبين الله، لا تطلع عليها أحدا من الناس ولو كان أقرب قريب؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "كل أمتي معافىً"، أي: قريب إلى عفو الله، "إلا المجاهرين"، الذي يجاهر بالمعصية. يقول -صلى الله عليه وسلم-: "وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا! يصبح وقد ستره الله ثم يكشف ستر الله عنه!".

 

هذا بعيد عن المعافاة، هذا بعيد عن التوبة، بعيد عن الرجوع؛ لأن الإنسان إذا كانت المعصية بينه وبين الله لا زال الحياء في قلبه، لكن إذا أظهرها للناس وعرف الناس بها زال الحياء من قلبه، وتجرأ بعد ذلك على أن يفعلها أمام الناس، ثم لا يزال بعد ذلك يتمادى فيها دون رادع أو حياء، و"إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، كما يقول الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.

 

وفوق هذا، من رآه من الناس فتجرأ على المعصية مثله واقتدى به فيها فيزداد الإثم، ويتضاعف الفساد، وينتشر الشر والعياذ بالله.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدا.

 

وبعد: أيها الكرام، الأمر السابع: لا تبتعد عن الصالحين ومن مجالس الخير والذكر وعن بيوت الله -سبحانه وتعالى- مهما كان عندك من الذنوب، ومهما بلغت من السيئات فلا تبتعد عن الخير وأماكنه؛ فـ "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، كما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما يستفرد الشيطان بمن يبتعد عن ذكر الله -عز وجل- وعن أماكن الذكر.

 

والله -سبحانه وتعالى- قد أمر نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- فقال: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف:28].

 

اصبر نفسك مع هؤلاء؛ فإن مجالستهم خير، ومجالستهم بر وطاعة وقربة إلى الله -سبحانه وتعالى-، إذا أخطأت نصحوك، وإذا غفلت ذكروك، وإذا ذكرت أعانوك، فكانوا خير عون لك على طاعة الله -سبحانه- والبعد عن معصيته.

 

الأمر الثامن: لا تهرب من الذنب إلى ما هو أسوأ منه، وهو اليأس والقنوط من رحمة الله -عز وجل-، فمهما بلغت ذنوب العبد فلا يجوز له ولا ينبغي أن يقنط من رحمة الله -عز وجل-، وهو القائل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر:53]، وانظر في كلمة (جَمِيعًا)، كل ذنب يخطر على بالك ، كل ذنب يمكن أن تتصور وقوعه في هذه الدنيا فالله -سبحانه وتعالى- يغفره إذا جاء العبد تائبا إليه، مقبلا عليه، منيبا مستغفرا من ذنبه.

 

الله -عز وجل- قد غفر لمن هم أعظم وأشد ذنوبا وتجاوز عنهم، ولم يبال -سبحانه وتعالى- بهذا كله، فليس هناك ذنب يتعاظم على الله -عز وجل- أن يغفره، مهما أذنبت ثم عدت وتبت إلى الله ثم أذنبت ثم تبت وعدت ثم أذنبت فلا تيأس أبداً.

 

واسمع لهذا الحديث العجيب في هذا الشأن: روى لنا أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا"، ما هو هذا الذنب؟ هل كان صغيرا أم كبيرا؟ يحتمل ذلك كله! "إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ، وَرُبَّمَا قَالَ: ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ، وَرُبَّمَا قَالَ: ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".

 

أي: إذا كان هذا حاله كلما أذنب تاب، كلما ابتعد رجع ، كلما أخطأ استغفر، فليعمل ما شاء، لن يضره شيئا في هذه الدنيا، لن يضره ذنبه فإن ذنوبه تمحى سريعا بتوبته الصادقة وعودته ورجوعه إلى الله -سبحانه وتعالى-.

 

فلا تقطع الحبل بينك وبين الله، وادع الله -عز وجل- دائما وقل: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد".

 

وما أحسن تلك الأبيات التي أبدع قائلها حين قال :

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً ***  فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ *** فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ؟

أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً *** فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ

ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلّا الرَجا *** وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ  

 

الأمر التاسع والأخير: افتح لنفسك أبواب الحسنات، وأبواب القرب والطاعات والخيرات، واستكثر منها، وزاحم السيئة بالحسنة، "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، كما قال حبيبنا -صلى الله عليه وسلم-.

 

والله -عز وجل- يقول: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود:114]، ومن أتبع السيئة بالحسنات ذهب أثر السيئة بإذن الله.

 

ومن أنفع ما تدفع به السيئات، ومن أنفع ما يحارب العبد به الذنوب والآثام، أنه إذا فعل سيئة أتى بعدها بحسنات من جنس السيئة نفسها، فإذا عصى ربه في خلوة فليطع الله -سبحانه وتعالى- بعدها في خلوات، وإذا تكلم بكلمة سيئة مرة فليتكلم بعدها بذكر وتسبيح وتهليل وتعظيم لله -عز وجل-.

 

إذا أخذت مالا حراما مرة فتصدق بعدها مرات من غير هذا المال الحرام، وإذا عققت والديك مرة فأكثر بعدها من برهم والإحسان إليهم حتى تكفر تلك الخطيئة، ومن نظر إلى صورة محرمة مرة فليكثر بعدها من النظر إلى القرآن، وإذا أسأت إلى جارك مرة فأحسن إليه بعدها مرات.

 

وهكذا، عود نفسك كلما أخطأت خطأ فعلت بعده حسنات كثيرة، وإذا وجد الشيطان من العبد مثل هذا الصنيع أمره بعدها بترك السيئات؛ لأن الشيطان لا يأمر العبد بالسيئة إلا لينقص من درجته، فإذا وجد أن هذا العبد كلما فعل سيئة نقص درجة ثم ارتفع درجات منعه بعد ذلك من السيئات، وكان هذا عونا للعبد على الإقلاع من الذنوب.

 

قد جرب هذه الوسيلة كثير من الصالحين فانتفعوا بها نفعا عظيما، وكم من عبد تعذر وتعثر عليه أن يترك ذنبا ومعصية فلما فعل هذه الطريقة أعانه الله -سبحانه وتعالى- وتخلص بها مما أثقله من الذنوب والسيئات!.

 

ثم إن العبد إذا جاء يوم القيامة يجد كفة الحسنات قد ثقلت كثيرا، فلا تضره بعد ذلك الذنوب التي لن تقف أمام هذه الحسنات العظيمة.

 

وأخيرا، تذكر دائما قول الله -تبارك وتعالى-: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه:82].

 

اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتجاوز عن سيئاتنا...

 

 

المرفقات

تتعامل مع الذنوب؟

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات